انتفاضة المعابر تلوح في الافق

حجم الخط
0

د. عصام شاور

دائما يكون هناك عنوان لتفجير الانتفاضات علي الساحة الفلسطينية، وحتما ليس ذلك العنوان هو السبب الرئيسي في اشتعال الانتفاضات والثورات، فالسبب الرئيسي هو فقط الاحتلال، وممارساته الاجرامية الدائمة هي التي تهيئ اسباب الانفجار ثم يقترف الاحتلال فعلا يفجر الغضب الفلسطيني في وجهه.

الان لدينا مليون ونصف المليون محاصر في قطاع غزة، كان لهم متنفس هو معبر رفح، اغلق المعبر وكان هناك امل باعادة فتحه، قتلوا ذلك الامل باستبداله بمعبر بيت حانون (ايريز) المسيطر عليه من قبل اسرائيل، فالمواطن الفلسطيني عليه عبور العوجة ـ معبر بين فلسطين المحتلة 48 ومصر ـ تسيطر عليه اسرائيل ثم معبر بيت حانون (ايريز) وهذا يعني تنغيصا وتحقيقا وربما اعتقالا. الان ادرك المواطن الغزي ان الاحتلال الاسرائيلي قد فرض نفسه عليه مرة اخري واصبح يتحكم بحركته، هذا الامر يجدد الحقد لدي المواطن ويضاعفه فضلا عن الاجتياحات للقطاع وجرائم الاغتيالات وغيرها من ممارسات، وكذلك الحصار الاقتصادي الشديد، فكل تلك العوامل تجعل الشعب الفلسطيني في غزة مستعدا نفسيا لانتفاضة جديدة. في الضفة الغربية لا يختلف الامر كثيرا، عشرات المواطنين يتم اختطافهم يوميا اضافة الي جرائم الاغتيال، والاجتياحات المتكررة، والمواطن في الضفة يقضي يومه في صراع مع الحواجز الاسرائيلية اذا ما اراد الانتقال الي خارج بلده، وعلي سبيل المثال فانه يلزمني نصف ساعة الي ساعتين لقطع مسافة 3 كم من مدينتي الي القري المجاورة وكثير من الاحيان تكون المدينة مغلقة، وهذا هو شان الضفة كلها، مئات من حواجز الذل منتشرة في ارجائها، ورغم الوعود الكاذبة بالتخفيف عن الشعب الفلسطيني الا ان الوضع يزداد سوءا يوما بعد يوم، وهذا الوضع يجعل الشعب في الضفة الغربية مستعدا كذلك لانتفاضة جديدة. وكل تلك الظروف تحدث في ظل عدم وجود بارقة امل لحل سياسي وهذا ما يعزز القناعات الشعبية بضرورة تحريك الوضع والضغط علي اسرائيل سواء باتجاه قبول المبادرة العربية ـ مرفوضة من قبل الحركات الاسلامية ـ او باتجاه قبول التهدئة والهدنة طويلة الامد ـ مبادرة حمساوية ـ. اذن اصبح الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة مستعدا لجولة جديدة مع الاحتلال الاسرائيلي، اما بالنسبة للفصائل الفلسطينية فهي مهيأة ايضا وخاصة حماس والجهاد الاسلامي.

اما بالنسبة لفصائل المقاومة بشكل عام فهي غير راضية عن الوضع وخاصة حين اسقطت المقاومة من برنامج حكومة الدكتور فياض، والفصائل غير راضية عن اللقاءات المتكررة مع الجانب الاسرائيلي دون تحقيق اي مصالح للشعب الفلسطيني، وكذلك فان تلك الفصائل مستاءة لعدم جسر الهوة بين فتح وحماس بالعودة الي الحوار الوطني، هذا اضافة الي الاسباب المتعلقة بالاحتلال الاسرائيلي والذي يستهدف المقاومة الفلسطينية بغض النظر عن انتمائها السياسي.

والمرشح الاكبر لتفجير الانتفاضة الجديدة هي حماس، فهي الفصيل الاقدر علي التاثير في المقاومة الفلسطينية، فحين تعلن حماس التهدئة تنخفض العمليات العسكرية لاكثر من 80 %، ولدي حماس اسباب كثيرة جدا من اجل القيام بتلك الخطوة، فهي تعتبر ان المقاومة واجبة ما دام الاحتلال جاثما علي الارض الفلسطينية وهو ـ كما اسلفت ـ السبب الرئيسي للمقاومة، اما بالنسبة للاسباب الثانوية فهي كثيرة وخطيرة ايضا بالنسبة لحماس، فهي تشعر ان كينونتها مستهدفة من قبل الاطراف الاخري وهي تشعر انها مضطرة للدفاع عن نفسها بنقل الصراع ـ كالعادة ـ مع العدو الصهيوني، حماس تعتبر انها محاصرة في غزة وان استبدال معبر رفح قد ضيق الخناق علي الشعب الفلسطيني عقابا لها كما يدعي الاسرائيليون، في الضفة الغربية تقول حماس ان قادتها ومؤسساتها وسلاحها بات مستهدفا وهي لن تسكت علي استمرار الوضع، والاشارات التي اعطاها السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس ليست عبثية.

التزام حركة المقاومة الاسلامية حماس بالتهدئة مع العدو الصهيوني ـ وذلك واضح من خلال توقفها عن ضرب سديروت بصواريخ القسام ـ، وكذلك دعواتها المتكررة للعودة الي طاولة الحوار مع فتح، وترحيبها المستمر بلجنة تقصي الحقائق العربية هي عبارة عن اشارات واضحة تبعثها حماس في جميع الاتجاهات لتؤكد انها ما زالت تمد يدها الي حل سياسي مع اسرائيل يقوم علي هدنة طويلة الامد دون اعتراف بشرعية الاحتلال، وانها كذلك ترحب بالمبادرات العربية ـ المنصفة ـ وخاصة تلك المتعلقة بتقوية الصف الداخلي الفلسطيني مثل اتفاق مكة وحوارات القاهرة، وكذلك تمد يدها الي مؤسسة الرئاسة وفتح لتجاوز الازمة السابقة، وبغض النظر عن مدي التجاوب من الاطراف الاخري معها، فهي تكسب بتلك السياسة الشارع الفلسطيني والعربي والاسلامي، والاهم من ذلك فهي تمهد الطريق من اجل عذرها ان هي اقدمت علي اشعال انتفاضة ثالثة باسم انتفاضة المعابر او انتفاضة الحواجز او تحت اي مسمي آخر.

لذلك اعتقد ان حماس ستقود قريبا جدا انتفاضة ثالثة ان بقيت اوضاع الشعب الفلسطيني علي ما هي عليه، فهي لن تصبر وتظل متمسكة بتهدئة ـ كما يظن اليهود ـ لانها سيطرت علي غزة ولن تجازف، فليس لدي اهل غزة ما يخسرونه في ظل تلك الاوضاع، وكذلك فانه لا يمكن للشعب الفلسطيني تقبل فكرة نعيم في الضفة وجحيم في غزة كما يريد الرئيس بوش اثباته، علما بان فلسطين كلها في جحيم الاحتلال وان تفاوتت الدرجات.

وفي النهاية لا بد من التحذير من الاشارات الخادعة، فهناك من يظن ان شعبية حماس تنهار وخاصة في الضفة الغربية، وفي آخر استطلاع لجامعة النجاح الوطنية يبين الاستطلاع ان شعبية حماس وصلت الي 15 %، وجدير بالذكر ان ذلك الاستطلاع جاء تاليا لاستشهاد احد ابناء حماس في جامعة النجاح وهو الشهيد محمد رداد، فهل جاء الاستطلاع ليطمئن قتلة الشهيد رداد انهم علي صواب وان شعبيتهم ارتفعت بذلك العمل الاجرامي؟

، علي كل الاحوال فان الجميع سخر من هذا الاستطلاع الذي لا يختلف عن باقي الاستطلاعات المزورة ولا سيما ان استطلاعات في وكالة معا وفي صحيفة القدس وغيرهما اثبتت عكس ذلك، ولكن المهم ان لا يغتر اصحاب القرار بتلك الاكاذيب الوهمية المضللة. اشارات خادعة اخري هي قيام البعض من المعروفين بانتمائهم الفكري ـ علي الاقل ـ وليس التنظيمي لحماس بتمثيل دور الحياد، وانه ليس مع حماس وليس مع فتح وانه معتدل ووسطي الي آخره من الاستنكارات الباعثة علي الاشمئزاز، وهنا اقول ان مثل هؤلاء ربما يفعلون ذلك خشية من الاعتقال المتكرر لهم من الجانب الاسرائيلي، او خشية عواقب محلية او طمعا في منصب، وهؤلاء لا يعكسون الصورة الحقيقية وانما يكملون الصورة الخادعة لاصحاب القرار.

ومظهر خادع آخر حين ياتي البعض ليتهم حماس بانها تحارب ابناء فتح وتطاردهم في غزة وانها تغلق مؤسساتهم ومكاتبهم وتحاصرهم اعلاميا، فكيف للمراقب ان يصدق تلك الاتهامات وهي تاتي من خلال مؤتمر صحافي يعقد في غزة يتحدث فيه ابناء فتح انفسهم، ثم لماذا لا يقوم الاخوة في فتح بذكر اسماء الاشخاص والمؤسسات التي يتم استهدافها من قبل حماس؟ نحن نرفض رفضا قاطعا اي استهداف من قبل اي جهة كانت للشعب الفلسطيني ومؤسساته، ولكن يجب ان تكون هناك ادلة، فتبادل الاتهامات يزيد من الخلاف ويوسع الهوة بين الاطراف المتخاصمة، ونحن الآن احوج ما نكون الي وحدة الصف.

ما اردت الوصول اليه ان الاوضاع تنذر باندلاع انتفاضة ثالثة اشد من سابقاتها، وليس صرف رواتب الموظفين ما سيمنع اندلاعها، فالتجربة الفلسطينية اثبتت ان الانتفاضات والهبات المتعاقبة لم تكن يوما بسبب نقص في الطعام والشراب، فشعبنا لم يعرف انتفاضة الجوعي والعطشي او انتفاضة الخبز والعدس، وانما ينتفض الشعب رفضا للاحتلال وانتصارا للكرامة ومنعا للاذلال والقهر، ولذلك فعلي الجميع العمل من اجل تلافي الخطر القادم بطريقة حكيمة فليس هناك احد بمنأي عن الخسارة، ولا بد من الشروع في حل سياسي عادل يرضي جميع الاطراف السياسية، وكذلك لا بد من العودة فورا الي الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني لانقاذ الوطن من القادم المجهول.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية