إرادة التغيير الحتمي في العراق متواصلة

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: حضيت تظاهرات الجمعة 25 تشرين الأول/اكتوبر، بزخم هائل من الدعم الشعبي والسياسي قياسا بتظاهرات في بداية الشهر الجاري، وذلك بعد التأييد الواسع من المنظمات المهنية والحقوقية لحق التظاهر والمطالبة بالحقوق المشروعة، ودعم بعثة الأمم المتحدة في العراق لحق العراقيين بحرية التعبير والرأي، إضافة إلى خيبة الأمل الكبيرة التي سادت الشارع العراقي من النتائج الهزيلة لتقرير اللجنة التحقيقية الحكومية التي تعاملت مع الموضوع وفق مصالح الأحزاب السياسية المتنفذة وابتعدت عن تحديد الجاني الحقيقي في سقوط ضحايا التظاهرات.

وفي اليوم الموعود لتجديد التظاهرات المطالبة بالإصلاحات والتغيير بدأ توافد المتظاهرين على ساحة التحرير منذ صباح يوم الخميس، ليس من أحياء بغداد فحسب بل ومن المحافظات الأخرى أيضا، كما شهدت عدة محافظات تجمعات مشابهة، مع نشاط واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي للتحشيد للتظاهرات.

وخلال التحضير للتظاهرة في ساحة التحرير وسط بغداد، برزت مواقف ومؤشرات تستحق الوقوف عندها ومنها، قيام المتظاهرين بطرد بعض ممثلي أحزاب الإسلام السياسي من ساحة التحرير عندما حاولوا وضع منصة خطابة خاصة بهم. كما تداولت مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات محلية، أفلاما عن التجمعات مساء الخميس ونهار الجمعة تضمنت ترديد شعارات وهتافات تصف النخب السياسية بالحرامية وتطالب بالتغيير الشامل، بينما انتقدت بعض الهتافات إيران وجنرالها قاسم سليماني.

وفي تطور عن التظاهرات السابقة، فقد أعلنت بعض تنسيقيات التظاهرات، الانتقال إلى مرحلة الاعتصام أو الاضراب المفتوح حتى تحقيق المطالب، كما حصل في مدن الناصرية والعمارة.

تجدد العنف ضد المتظاهرين

وقد تحققت مخاوف الكثير من العراقيين من تجدد وقوع صدامات بين المتظاهرين والقوات الأمنية، عندما سقط بعض القتلى ومئات الجرحى من المتظاهرين برصاص القوات الأمنية لمنعهم من الدخول إلى المنطقة الخضراء وسط بغداد، مما يؤشر لإصرار القوات الأمنية على استخدام العنف رغم إعلان الحكومة توجيه عناصر الأمن بعدم استخدام العنف ضد المتظاهرين. وقد وقعت أغلب الاصابات يوم الجمعة على جسر الجمهورية الذي يربط ساحة التحرير بالمنطقة الخضراء، عندما أطلقت القوات الأمنية بكثافة، الإطلاقات النارية والغازات المسيلة للدموع لمنع عبور المتظاهرين إلى المنطقة الخضراء.

استعدادات مبكرة

وسبقت التظاهرات، إجراءات احترازية واسعة سواء من قبل الجهات الحكومية أو الشعبية، تحسبا من تداعيات تكرار أعمال العنف التي شهدتها التظاهرات الأولى بداية الشهر الحالي.

وقد تنوعت الإجراءات الحكومية لمواجهة التظاهرات بين وعود بالإصلاحات واستعدادات عسكرية، وضغوط على الناشطين في التظاهرات والإعلام، وإجراءات أخرى.

ففي خطوة استباقية، سارع رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، إلى إلقاء خطاب قبل يوم من التظاهرات، للإعلان عن مجموعة وعود لإصلاح حكومته تتعلق بتخفيض رواتب المسؤولين في الدرجات العليا وإجراء تعديل بالكابينة الوزارية، فضلاً عن منح رواتب بسيطة للعوائل المتعففة، وتشكيل محكمة فساد، وتعديل الدستور وإعادة النظر بقانون الانتخابات وإصدار قوانين جديدة، محذرا من أن “استقالة الحكومة الحالية بدون بديل دستوري معناه الضياع والذهاب إلى الفوضى” حسب قوله.

إلا أن هدف الخطاب (الذي تضمن 39 سوف) في امتصاص نقمة الشارع لم يتحقق على ما يبدو خاصة انها وعود مكررة كان يفترض بالحكومة تنفيذها من دون الحاجة للتظاهرات وسقوط الضحايا، ولأن نفوذ الأحزاب أقوى من الحكومة، كما ان الخطاب يأتي متزامنا مع كشف العديد من النواب والسياسيين، ان رئيس الوزراء قام بإجراء عدة تعديلات على تقرير اللجنة التحقيقية الخاصة باستخدام العنف المفرط في التظاهرات، وذلك لحماية الجهات المسؤولة عن أوامر إطلاق النار على المتظاهرين ومهاجمة القنوات الفضائية.

ويتفق أغلب المتابعين والمطلعين على أن هناك هوة واسعة بين الخطابات الحكومية المليئة بالوعود وبين واقع الانهيار المتواصل في أوضاع البلد وعجز الحكومة عن مواجهة قوى الفساد والنفوذ الأجنبي.

وعلى مستوى الاستعدادات الأمنية للتعامل مع التظاهرات، فقد أعلنت حالة التأهب القصوى في وزارة الداخلية، واتخذت قوات حفظ القانون التي تم انشاءها قبل أيام ليكون واجبها محصورا في التعامل مع التظاهرات، استعدادات مشددة لتظاهرة الجمعة. ورغم إعلان وزارة الداخلية، عدم وجود أي قطع للطرق أو الإنترنت أو فرض منع التجوال خلال ساعات التظاهرات، إلا ان مصادر إعلامية أكدت ان وزارة الداخلية منعت القنوات الفضائية من التغطية المباشرة للتظاهرات، وسمحت باستخدام “الكاميرات للتسجيل فقط” كما تم قطع الطرق والجسور المحيطة بالمنطقة الخضراء وساحة التحرير.

وضمن الاستعدادات الأخرى لمواجهة التظاهرات، تحدثت مصادر مختلفة عن قيام بعض الدوائر الحكومية باخلاء البنايات الحكومية قبل التظاهرة من المستندات، والسجلات والأجهزة المهمة ونقلها إلى أماكن بديلة للحفاظ عليها من أي محاولات تخريب، كما عمدت بعض الأحزاب إلى إغلاق مقراتها. مصادر أخرى أفادت بقيام العديد من المصارف الأهلية بنقل الأموال إلى مناطق آمنة خوفا من استغلال بعض العصابات والمسلحين للتظاهرات من أجل محاولة سرقتها.

كما قامت العديد من الدوائر الحكومية بتوزيع الرواتب على موظفيها قبل موعد التظاهرة في 25 تشرين الأول/اكتوبر، تحسبا من تدهور الأوضاع عقب التظاهرات، فيما شهدت الأسواق ومحطات تعبئة الوقود اقبالا واسعا على الشراء وسط مخاوف من تطورات وتداعيات التظاهرات.

دعم التظاهرات

ومن المؤشرات المشجعة للحراك الشعبي، صدور موقف شعبي واسع بدعم التظاهرات من الاتحادات والمنظمات المهنية وجمعيات المجتمع المدني المتنوعة والعشائر، الذين أبدوا تضامنا قويا مع مطالب المتظاهرين وأعلنوا مشاركتهم في التظاهرات، وحذروا الحكومة من تكرار استخدام العنف ضد المتظاهرين، بينما أعلنت نقابة المحامين دعمها للمطالب المشروعة للمتظاهرين وقيامها بتشكيل فريق من المحامين للدفاع عن المتظاهرين المعتقلين لدى السلطات الأمنية وتأمين إطلاق سراحهم. كما أعلنت المفوضية العليا لحقوق الإنسان، تشكيل فرق إضافية لرصد الخروقات المتوقع أن تحصل في التظاهرات.

وجاء توجيه الادعاء العام، للمحاكم والقضاة بفتح تحقيق في عمليات إطلاق النار على التظاهرات ومحاكمة العسكريين المتورطين وإطلاق سراح المعتقلين من المتظاهرين، ليشكل دعما للتظاهرات وردعا للعسكريين الذين قد يورطهم قادتهم بإطلاق النار على المحتجين. وقد شجع الادعاء العام في تحركه، موقف بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي” التي اتهمت السلطات العراقية بالإفراط في استخدام القوة ضد المحتجّين.

مواقف مناوءة

وتأكيدا على عدم ارتياح عدد من الفصائل المسلحة للتظاهرات، فقد شن قادة الأحزاب الشيعية في الحكومة والبرلمان حملة تشكيك وتخوين للحراك الشعبي ودوافعه ومن يقف وراءه، فيما شكك بعضها بعودة التظاهرات مجددا، ومن ذلك تأكيد القيادي في ميليشيا سرايا الخراساني حامد الجزائري، في لقاء تلفزيوني، ان “تظاهرات يوم 25 تشرين الأول التي يجري التحشيد لها لن تحدث” مدعيا ان “أجندات خفية تقف خلف تلك الدعوات” نافيا علاقة ميليشياته أو فصائل الحشد بعمليات قنص المتظاهرين أو اقتحام المؤسسات الإعلامية وتهديد الصحافيين.

وحذرت كتائب حزب الله العراقية من ان “على محور الشر الأمريكي معرفة أن الفتنة التي يعملون على تأجيجها وإضرام نارها ستحرقهم وتمزق جمعهم” مدعية وجود “مخطط لمحور الشر الأمريكي الصهيوني السعودي في العراق” حسب قولها. وبالتناغم مع هذا الخطاب حذر قائد شرطة البصرة الفريق رشيد فليح، بان “تظاهرات يوم الجمعة لا تخلو من أجندات خارجية تحاول العبث بالمحافظة”.

وكانت اتهامات اثيرت بمسؤولية بعض الميليشيات المقربة من الحرس الثوري الايراني، عن قمع التظاهرات من خلال قنص المتظاهرين والأجهزة الأمنية خاصة وان الحكومة العراقية نفت قيامها بهذه العملية.

ومما لا شك فيه، ان العراق مقبل على مرحلة خطيرة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث ان تجدد انتفاضة الشعب وتصاعدها، هو بمثابة رفض الوعي الجمعي لتضليل أحزاب السلطة، أو استمرار نهب ثروات الوطن وحرمان الشعب منها تحت شعارات الدين أو القومية أو المحاصصة وغيرها من الشعارات التي كانت غطاء لاستمرار هيمنة حيتان الفساد المستقوية بالأحزاب والميليشيات والدعم الأجنبي.

العراقيون اقتنعوا بأن تضحياتهم التي عمدوها بالدماء الغزيرة التي سالت بأوامر من قوى الفساد والتبعية، لن يكون ثمنها سوى التغيير والإصلاح الحقيقي الذي يلبي طموحات وحاجات الشعب وليس إطلاق الوعود والالتفاف على مطالبه المشروعة. ولذا فالمؤكد ان معركة الإرادات بين الشعب وقوى الفساد والتبعية، لن تكون سهلة وستأخذ مديات ليست قصيرة، وسط اصرار الأطراف على مواقفها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية