بغداد-“القدس العربي”: شكّل تقرير حكومة عادل عبد المهدي عن نسبة إنجاز برنامجها الوزاري للأشهر الستة الماضية، وتصريحاته عن استقرار وتقدم العراق، فرصة ذهبية لخصومه، لشن حملة تشكيك حول مدى دقة الأرقام الواردة في التقرير وتناقضها مع مؤشرات الواقع المتدهور التي يحفل بها البلد، ما شكل ضربة قوية لادعاء الحكومة.
وكثيرة هي محاولات رئيس الوزراء عادل عبد المهدي إعطاء صورة وردية للواقع العراقي وإبراز إنجازات تحققت في فترة حكومته، سواء في التقرير الحكومي أو في تصريحاته، ومنها إعلانه خلال استقباله وزيري خارجية مصر والأردن أن “العراق يشهد استقرارا ووحدة وطنية ويحقق خطوات متسارعة في جميع المجالات وينتهج سياسة انفتاح على جميع دول الجوار العربي والإسلامي” إلا أن الواقع الذي يلمسه العراقيون والمعارضة السياسية، يؤكد استمرار تراكم الأزمات في بلدهم.
وفي الوقت الذي كشف فيه تقرير لكتلة الحكمة المعارضة أن نسب الإنجاز الواردة في التقرير الحكومي نصف السنوي البالغة 79 في المئة “غير دقيقة وتشوبها مغالطات وتناقضات كثيرة” فإن المتابعين استغربوا التناقضات في تصريحات وتقرير الحكومة، بالمقارنة مع التدهور الحاصل في الأوضاع العامة للبلاد الذي أقرت به وحذرت منه معظم القوى السياسية والمتظاهرون وحتى المرجعية الدينية في النجف. وعندما جاء عبد المهدي بتشكيلة حكومته، عرض برنامجا لمواجهة مشاكل العراق، يرى العراقيون والسياسيون أن ما تم تطبيقه منه في الواقع، أقل بكثير مما وضع على الورق.
ففي ملف “استقلالية القرار العراقي” وإحداث توازن في علاقات العراق ببلدان محيطه الإقليمي والدولي، أثبتت حكومة عبد المهدي تمسكها بالتحالف القوي مع إيران على حساب علاقاتها العربية والدولية، عندما أعلنت مرارا عدم التزامها بالعقوبات الأمريكية على إيران، بل وفتح الكثير من الآفاق الجديدة للتخفيف من الحصار على طهران، وكذلك عندما خالفت الاجماع العربي والإسلامي ضد إيران في مؤتمرات السعودية الأخيرة، وغيرها من المواقف. كما أن سياسة بغداد دفعت واشنطن إلى فرض عقوبات على مؤسسات وشخصيات عراقية على علاقة مع إيران وتورطها في الفساد المالي وانتهاكات حقوق الإنسان، وذلك للحد من النفوذ الإيراني في العراق.
ومن القضايا الحساسة التي تعهد بها رئيس الوزراء، عزمه على ضبط سلاح الميليشيات وإخضاع فصائل الحشد الشعبي للدولة، وقد أصدر أوامر لضم تلك الفصائل إلى القوات المسلحة الرسمية، إلا أن العديد منها رفض تنفيذ القرار وأكد تمسكه باستقلاليته وخاصة ما يتعلق بتحالفها مع إيران، وجعل علاقتها بالحكومة لمجرد الحصول على المال والسلاح والتجهيزات.
إلا ان الضربة القاصمة لادعاء حكومة بغداد، جاءت من المتحدث باسم ميليشيا النجباء نصر الشمري، عندما كشف خلال لقائه مستشار قائد الثورة الإسلامية الإيراني للشؤون العسكرية اللواء يحيى صفوي، إن “الحركة تراقب جميع القواعد العسكرية الأمريكية في العراق” مهددا بأن “أي حكومة عراقية تعمل ضد إيران ستسقط في غضون أسابيع”. كما أكد علي سعيدي، ممثل المرشد الأعلى الإيراني في الحرس الثوري، على “نية بلاده تشكيل حرس ثوري عراقي على غرار الحرس الثوري في إيران، وأن هذه القوات يتم تشكيلها وتدريبها على يد خبراء الحرس الثوري بالعقيدة والمنهج”.
وبخصوص تعهد البرنامج الحكومي بالقضاء على تنظيم “داعش” في العراق، فقد شهدت معظم المناطق المحررة من التنظيم، عودة للنشاط الإرهابي وتنفيذ عمليات تفجيرات في المدن وعلى الطرقات ومهاجمة مواقع أمنية وقرى نائية، وذلك بالرغم من إطلاق العشرات من الحملات العسكرية لمطاردة التنظيم في مناطق تواجده وتنفيذ حملات الاعتقالات ضد المشتبه بتعاونهم معه، والتي أخفقت كلها في الحد من نشاطه، وهو الأمر الذي اقر به مفتّش عام وزارة الدفاع الأمريكيّة عندما أعلن في تقريره “أنّ تنظيم الدولة الإسلامية عزز قدراته في العراق مؤخرا”.
وتطول قائمة مؤشرات فشل معالجة حكومة عادل عبد المهدي للأزمات، منها تصدير الإقليم للنفط بدون تسليم عائداته للمركز، واحتجاز إيران سفينة تهرب النفط العراقي في الخليج العربي، وكان رد بغداد بمثابة (عذر أقبح من ذنب) عندما أعلنت وزارة النفط عدم عائدية السفينة لها ولكنها لم تذكر كيف حصلت على النفط العراقي، لأنها تتعلق بتورط أحزاب ومسؤولين بعمليات تهريب مستمرة للنفط العراقي رغم ادعاء الحكومة مكافحة الفساد. كما جاءت عملية تهريب 15 من تجار المخدرات من سجن في بغداد قبل أيام بمسرحية هزيلة متكررة فضحت اختراق الأجهزة الأمنية من قبل مافيات الفساد والمخدرات والإرهاب.
ومن جانب آخر كشفت نتائج الامتحانات العامة لهذا العام، نسبة نجاح متدنية وغير مسبوقة، أثارت حملة انتقادات للحكومة، جراء فشل التعليم وعودة الأمية لشريحة كبيرة من الشباب والأطفال. وهناك سيل لا ينقطع من المشاكل المزمنة الأخرى مثل البطالة وعدم إعمار المدن المدمرة وملايين النازحين وتردي الخدمات الصحية والبلدية وغيرها الكثير، الذي يعرفه العراقيون.
وازاء ذلك، لم تكن مستغربة اتهامات خصوم عادل عبد المهدي له، بعجزه عن حل أزمات العراق، وأن برنامجه الوزاري وأغلب تصريحاته هي تنظير بعيد عن الواقع الذي يعيشه الشعب، وانه يسعى لإرضاء الأحزاب المتحكمة بالبرلمان وأطرافا خارجية معروفة للمحافظة على حكومته من السقوط، ولو كان ذلك على حساب معالجة تدهور أوضاع البلد، وهو الأمر الذي يعزو المراقبون له إقدام عبد المهدي على إلغاء مؤتمره الصحافي الأسبوعي، تجنبا لكثرة الاسئلة المحرجة من الصحافيين عن عجز حكومته إزاء مشاكل البلد وأزماته.