القاهرة ـ «القدس العربي»: يظل ملف حقوق الإنسان أكثر الملفات الشائكة في مصر، مع تقدير منظمات حقوقية محلية ودولية بوجود أكثر من 60 ألف معتقل في السجون، في وقت تنفي السلطات وجود معتقلين، وتقول إن لديها متهمين في قضايا جنائية.
وحسب المنظمات الحقوقية، فإن أغلب المعتقلين السياسيين محبوسون طبقا لقانون الحبس الاحتياطي، دون تقديمهم للمحاكمة، وأن أجهزة التحقيق تلجأ لتدوير المتهمين في قضايا جديدة لتسمح لهم بالبقاء في الحبس.
وينص قانون الإجراءات الجنائية على أنه لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا تتجاوز ستة أشهر في الجنح، وثمانية عشر شهراً في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام.
حقوقيون وسياسيون مصريون قالوا إن الحبس الاحتياطي تحول إلى عقوبة في ظل مخالفة ضوابطه وشروطه، وشددوا على ضرورة عدم التوسع في هذا الإجراء الاستثنائي الذي يهدد استقرار الدولة، وأن يتم تفعيل بدائل أخرى أخف وطأة على المتهمين، وذلك خلال ندوة أونلاين نظمها حزب «التحالف الشعبي الاشتراكي» لمناقشة ضوابط الحبس الاحتياطي.
حدود قصوى
أحمد راغب، المحامي والباحث القانوني المصري، قال خلال ندوة نظمها حزب «التحالف الشعبي الاشتراكي» إن «التعديلات التي أجريت على قانون الإجراءات الجنائية في عام 2013 لم تحول الحبس الاحتياطي إلى حبس دون حدود قصوى» مؤكدا أن «تلك التعديلات لم تغير في المنظومة التشريعية المتعلقة بالحبس الاحتياطي وخاصة المدد القصوى المتعلقة به».
وأضاف أن «قانون الإجراءات الجنائية تم تعديله في عام 2006، بوضع حدود قصوى للحبس الاحتياطي، وأن هذه الحدود تمتد إلى ستة أشهر بالنسبة للجنح، وسنة ونصف السنة بالنسبة للقضايا الجنائية، فيما عدا الاتهامات التي تصل عقوبتها إلى الإعدام أو المؤبد، لتصل إلى أقصى حد للحبس الاحتياطي والذي يمتد لسنتين ويشمل جميع مراحل التحقيق والمحاكمة وكل مراحل الدعوى الجنائية في التحقيق والاتهام».
وشدد على أن «الحبس الاحتياطي هو إجراء احترازي يستهدف في الأساس مصلحة التحقيق، ولا يمكن أن يتجاوز سنتين من التحقيقات، وما حدث في عام 2013 هو تعديل على سلطة محكمة النقض أو محكمة الإحالة بالنسبة إلى مد مدد الحبس الاحتياطي، وهي حالة قانونية صعب الوصول إليها، وتتطلب أن يكون هناك متهم تم التحقيق معه أمام النيابة، ثم أحيل إلى المحاكمة الجنائية، وصدر ضده حكم، وبعد ذلك طعن المتهم على الحكم الصادر ضده، وهنا تنظر محكمة النقض الأمر، وفي هذه الحالة يُمكن لمحكمة النقض أن تمد الحبس الاحتياطي للمتهم لأكثر من سنتين».
وأكد أن «حبس الشخص الذي تجاوز سنتين في الحبس الاحتياطي باطل بطلانا مطلقا، وقرار حبسه احتياطيا منعدم وليس له أي أساس حسب رأي بعض فقهاء القانون».
استقرار الدولة
أما أكمل قرطام رئيس حزب المحافظين، فقد قال إن «الحبس الاحتياطي يهدد استقرار الدولة، لأنه يشعر الناس بأن هناك قوة للسلطة، وأن هناك ظلما يقع عليهم باعتبار أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته».
وأضاف أن «قانون الإجراءات الجنائية لا بد من تعديله، على الأقل في هذه الجزئية» مشيرا إلى أن حزب المحافظين «تقدم بالفعل بمشروع إلى البرلمان في الدورة الماضية وشمل اختصاصات قاضي الحريات بمراقبة ووضع المتهم داخل أماكن احتجاز معينة والتأكد من مطابقتها للشروط المحددة، وتفعيل البدائل المناسبة لعملية الحبس».
وتابع: «نحن نرى في حزب المحافظين أن الحبس الاحتياطي بشكل غير قائم تحول إلى عقوبة ما يسبب إخلالا بالعدالة وغضاضة لدى الشعب وهو العنصر الرئيسي المكون للدولة ما يؤدي إلى عدم الاستقرار».
«العفو الدولية» تطالب بإطلاق سراح الناشطة سناء سيف بعد عام على توقيفها
كذلك بيّن أحمد قناوي، المحامي ومؤسس «بوابة مصر للقانون والقضاء» أن «المادة (43) من قانون الإرهاب الصادر برقم 94 لسنة 2015 تنص على أن (تكون للنيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة، حسب الأحوال، أثناء التحقيق في جريمة إرهابية، بالإضافة إلى الاختصاصات المقررة لها قانوناً، السلطات المقررة لقاضي التحقيق، وتلك المقررة لمحكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة، وذلك وفقاً لذات الاختصاصات والقيود والمدد المنصوص عليها بالمادة (143) من قانون الإجراءات الجنائية)» وهذا يعني، وفق قناوي، أن «السنتين سواء في قانون الإرهاب أو في قانون الإجراءات العادية هما قيد أعلى فيما يتعلق بالحبس الاحتياطي».
وشدد على أن «الحبس الاحتياطي استثناء، والاستثناء لا يتم التوسع فيه، لكن المشاهد الآن يجد أنه يتم التوسع في الحبس الاحتياطي الذي يحتاج لشروط معينة لتقريره» لافتا إلى أن «جريمة مثل بث أخبار كاذبة، تعني أن الخبر نُشر ومحفوظ، وليس هناك تخوف متعلق بالعبث بالأدلة ولا التأثير على الشهود لأن الدليل هنا يكون دليلا ماديا، ومع ذلك معظم قضايا الحبس الاحتياطي خاصة بهذه المادة، وهذا يخالف ضمانات الحبس الاحتياطي».
وأوضح أنه «في الوقت الحالي يتم تجاوز السنتين بالنسبة للعديد من المحبوسين احتياطياُ، فالمتهم بعد أن يحصل على إخلاء سبيل يتم تدويره إلى قضية جديدة».
وأضاف أن «القانون في أي مجتمع هو انعكاس للسياسة القائمة فيه، وأن الأدوات السياسية لا تقل عن القانونية، وتعديل الحبس الاحتياطي وعدم تحويله إلى عقوبة ليس دور المحامين والحقوقيين وحدهم، بل هو دور المجتمع بكل مؤسساته وأحزابه وهياكله».
تأثير كورونا
وبسبب جائحة كورونا «كانت هناك صعوبة في التعامل مع المحبوسين احتياطيا»
خاصة وأن الـ150 يوما الأولى في الحبس الاحتياطي يتم التجديد فيها أمام وكيل النيابة في أمن الدولة» وفق ما قالت راجية عمران، المحامية والباحثة القانونية.
وبينت أنه «منذ آخر شهر مارس/ آذار من عام 2020 تم وقف عرض المتهمين أمام نيابة أمن الدولة، ويتم التجديد على الورق فقط للمحبوسين احتياطيا، وهذا شيء مؤسف، لأن عرض المتهمين على النيابة كان فرصة للمحامين ليلتقوا فيها بالمتهمين لمعرفة مدى احتياجهم لأدوية وللاطمئنان على حالتهم الصحية ولتوصيل الرسائل لأهاليهم».
وأكدت على «ضرورة تخفيف وطأة الحبس الاحتياطي بإجراءات أخرى مثل المنع من السفر والتدابير الاحترازية الأخرى كالمراقبة في القسم مرة أو مرتين في الأسبوع».
وطالبت بـ«سن تشريع لتعويض المتهمين عن الأضرار الناتجة عن حبسهم احتياطياً وتأهيلهم مرة أخرى للقدرة على العودة للحياة مرة أخرى بعد قضاء مدد طويلة في الحبس الاحتياطي».
سجناء الأمل
وجاءت ندوة حزب «التحالف الشعبي» بالتزامن مع إكمال المحتجزين على ذمة القضية المعروفة إعلاميا بـ«تحالف الأمل» المدة القصوى للحبس الاحتياطي، وانطلاق حملات تدوين تطالب بالإفراج عنهم، وسط مخاوف من إعادة تدويرهم على ذمة قضايا جديدة.
وفوجئ البرلماني السابق زياد العليمي المحبوس على ذمة القضية المعروفة إعلاميا بـ«تحالف الأمل» باستدعائه أمس الأول للتحقيق، قبل ساعات من إكماله مدة الحبس الاحتياطي المقررة لمدة عامين.
وقال المحامي أحمد فوزي إنه جرى استدعاء العليمي، صباح أمس الأول الأربعاء، إلى مقر نيابة أمن الدولة العليا، بهدف استكمال التحقيقات في القضية رقم 930 لسنة 2019 أمن دولة. وأطلقت حملة «الحرية لزياد العليمي» حملة تدوين، أمس الخميس، تستمر حتى يوم 29 يونيو/ حزيران للمطالبة بالإفراج عنه، بعد قضائه المدة القانونية للحبس الاحتياطي.
وكانت آخر جلسات تحديد حبس العليمي وباقي المتهمين في قضية «تحالف الأمل» بتاريخ 7 يونيو/ حزيران الجاري، وقررت المحكمة آنذاك تجديد حبسهم جميعا 45 يوما احتياطيا.
وتضم القضية بجانب العليمي الصحافيين حسام مؤنس وهشام فؤاد، ورامي شعث منسق الحركة الشعبية المصرية لمقاطعة إسرائيل، والناشط العمالي حسن البربري، وعددا آخر من النشطاء السياسيين.
ولم يكن الحبس الاحتياطي وحده الذي يواجه انتقادات في مصر، بل شهد عدد من الأحكام صدرت بحق نشطاء سياسيين انتقادات واسعة.
سناء سيف
وطالبت منظمة العفو الدولية، الأربعاء، بإطلاق سراح الناشطة الحقوقية سناء سيف، بمناسبة مرور سنة على اعتقالها من أمام مكتب النائب العام المصري.
وقالت عبر حسابها على موقع «تويتر»: «يصادف اليوم (الأربعاء) مرور عام على الاعتقال التعسفي للناشطة الحقوقية سناء سيف، وهي تقضي الآن حكماً مدته 18 شهراً في سجن القناطر للنساء، بسبب ممارستها السلمية لحقوق الإنسان» ودعت للمطالبة بإطلاق سراحها الآن.
وكانت الدائرة العاشرة في محكمة جنايات جنوب القاهرة أدانت، في 17 مارس/ أذار الماضي، سيف بتهم «نشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وإهانة وسب مقدم شرطة بالقول أثناء تأدية وظيفته» وحكم عليها بالسجن لمدة سنة ونصف.
وألقي القبض على سناء في 23 يونيو/ حزيران 2020، على أيدي ضباط أمن مجهولي الهوية، دون أمر قضائي خارج مكتب النيابة العامة، حيث كانت تزمع تقديم شكوى حول اعتداء عنيف تعرضت له في اليوم السابق، على مرأى من قوات الأمن.
ثم ظهرت أمام نيابة أمن الدولة العليا كمتهمة وتم توجيه تهم لها بـ«نشر أخبار كاذبة والترويج لأفكار إرهابية وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وإساءة استخدام موقع على شبكة الإنترنت لنشر وترويج الأفكار الإرهابية» وتمت إضافة تهمتين جديدتين هما «إهانة وسب مقدم شرطة (بالقول أثناء تأدية وظيفته وعن طريق النشر بألفاظ تتضمن خدشاً للشرف والاعتبار في 9 أغسطس/ آب 2020».
وكانت سناء تنتظر في اليوم السابق لاعتقالها خارج مجمع سجون طرة في القاهرة لتلقي رسالة من شقيقها علاء عبد الفتاح، المحتجز تعسفياً. وكانت والدتها ليلى سويف وشقيقتها منى سيف معها، واقتربت مجموعة من النساء منهن وانهلن عليهن بالضرب بالعصي، ومزقن ثيابهن، وسرقن بعض ممتلكاتهن.
وأعلن خالد علي، المحامي الحقوقي، في 12 يونيو/ حزيران الجاري، التقدم بطلب لوزارة الداخلية للإفراج الشرطي عن سيف، لتنفيذها أكثر من نصف المدة المقضي بها عليها.