انتقادات للخطوات التركية في قبرص وخشية من انتكاسة بجهود ترميم العلاقات مع أمريكا وأوروبا ومصر

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

جاوش أوغلو: فليقولوا ما شاءوا سنتخذ خطواتنا بشكل حازم

أي تصعيد بين تركيا وقبرص واليونان وفرنسا ينعكس على العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي الذي تتهمه أنقرة بالانحياز لصالح قبرص، وتضغط فرنسا لاتخاذ إجراءات «رادعة» ضد تركيا.

إسطنبول-»القدس العربي»: بينما سخرت الدبلوماسية التركية كافة جهودها على مدى الأشهر الماضية لترميم وتحسين العلاقات مع العديد من الأطراف الدولية، جاءت زيارة الرئيس رجب طيب اردوغان إلى قبرص التركية وإعلانه فتح أقسام جديدة في منطقة مرعش لتجلب معها انتقادات وإدانات من أطراف دولية مختلفة ما وتر الأجواء مجدداً وفتح الباب أمام التكهنات حول مدى تأثير هذه التطورات على جهود تحسين العلاقات التي قطعت شوطاً جيداً مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحتى مصر التي أدانت هي الأخرى التحرك التركي الأخير.
وعلى مدار يومي الاثنين والثلاثاء، زار اردوغان جمهورية شمال قبرص التركية، غير المعترف بها دولياً وأعلن من هناك أن حل الدولة الواحدة بات من الماضي وأن تركيا وإدارة قبرص التركية سوف تكثفان جهودهما لتعزيز بناء دول مستقلة وجلب اعتراف دولي فيها واتخاذ مزيد من الخطوات على الأرض لتعزيز حل الدولتين والتي كان أبرزها إعلان فتح مزيد من الأقسام في منطقة مرعش (فاروشا) التي بقيت مغلقة لعقود في انتظار حل سياسي.
هذه الخطوة الجديدة أثارت الكثير من ردود الفعل الغاضبة لا سيما من قبرص واليونان وفرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب مصر، الأمر الذي ردت عليه تركيا ببيانات لتبدأ جولة جديدة من التصعيد بين أنقرة والعديد من الأطراف الدولية، وهو ما أثار تخوفات من أن تؤدي الأزمة الجديدة إلى انتكاسة في جهود تحسين العلاقات التي تكثف مؤخراً لا سيما مع الاتحاد الأوروبي ومصر على وجه التحديد.
وأكدت المسؤولة الثالثة في وزارة الخارجية الأمريكية فكتوريا نولاند أن الولايات المتحدة ترفض دعوة اردوغان لحل الدولتين في قبرص، وشددت بالقول: «نعتقد أن وحدها آلية ثنائية بقيادة القبارصة يمكن أن تجلب السلام والاستقرار إلى قبرص». في حين اعتبر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في بيان أنّ ما يجري «استفزازي وغير مقبول ولا يتّفق» مع الالتزامات السابقة للقبارصة الأتراك «للمشاركة بطريقة بناءة في محادثات سلام».
ومنذ وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى البيت الأبيض، سعت أنقرة إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات التركية الأمريكية وتكللت هذه الجهود في القمة التي جمعت اردوغان وبايدن في قمة الناتو في بروكسل، لكن التصعيد في ملفات مختلفة أبرزها ملف قبرص يمكن أن يؤدي إلى تعثر في مساعي تحسين العلاقات أو تعقيدها أكثر مما عليه.
واتهمت باريس الرئيس التركي بـ»الاستفزاز» على خلفية الخطوات الأخيرة في قبرص، وجاء في بيان للخارجية الفرنسية: «فرنسا تأسف بشدة لهذه الخطوة الأحادية التي لم يتم التنسيق لها وتمثل استفزازا» معتبرة أنها «تقوض استعادة الثقة الضرورية للاستئناف العاجل للمفاوضات من أجل حل عادل ودائم للقضية القبرصية» كما لوحت باريس بإثارة القضية في مجلس الأمن الدولي وهو خطوة سوف تزيد من الغضب التركي من الموقف الفرنسي.
هذا المشهد أعاد إلى الأذهان بيانات التصعيد التركية الفرنسية التي سادت طوال العام الماضي على خلفية تصاعد التوتر في ملف شرق المتوسط والملف الليبي قبل أن تجري مساع حثيثة لتحسين العلاقات تكللت بسلسلة اتصالات بين كبار مسؤولي البلدين ولقاء اردوغان مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون وما أعقبه من التأكيد على أهمية فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين ويبدو ستكون أصعب مع عودة التوتر إلى الواجهة مجدداً.
أوروبياً أيضاً، أعرب وزير خارجية الاتحاد جوزيب بوريل عن «قلقه» من الخطوات التركية في قبرص، معتبراً أنها «غير مقبولة» وقال: «يشدد الاتحاد الأوروبي مجددا على ضرورة تفادي الخطوات الأحادية المنافية للقانون الدولي، والاستفزازات الجديدة التي يمكن أن تزيد التوترات في الجزيرة وتهدد استئناف المفاوضات بهدف التوصل إلى تسوية شاملة للمسألة القبرصية». وذكرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل على أن الخلافات في الفترة الأخيرة بين تركيا واليونان بشأن قبرص زادت من صعوبة العلاقات.
وعلى غرار ما جرى في السنوات الماضية، فإن أي تصعيد بين تركيا من جهة وقبرص واليونان وفرنسا من جهة أخرى ينعكس بدوره على شكل تصعيد في العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي الذي تتهمه أنقرة بالانحياز لصالح قبرص كما تضغط فرنسا على الاتحاد لاتخاذ إجراءات «رادعة» ضد تركيا، وهو ما ينذر بدوره بانتكاسة جديدة لأحدث جولة من مساعي تحسين العلاقات بين الجانبين.
وبعيداً عن المواقف الأوروبية التقليدية، أصدرت الخارجية المصرية أيضاً بياناً أدان الخطوة التركية الأخيرة في قبرص، وجاء في البيان: «جمهورية مصر العربية تعرب عن عميق القلق إزاء ما تم إعلانه بشأن تغيير وضعية منطقة فاروشا (مرعش) بقبرص من خلال العمل على فتحها جزئياً، وذلك بما يخالف قرارات مجلس الأمن ذات الصلة» وأضاف البيان: «تؤكد مصر مطالبتها بضرورة الالتزام بقرارات مجلس الأمن في هذا الشأن، وتجنُب أية أعمال أحادية قد تؤدي إلي تعقيد الأوضاع وتُزيد من مقدار التوتر، مع ضرورة الالتزام الكامل بمسار التسوية الشاملة للقضية القبرصية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية».
البيان المصري على الرغم من انه لم يستخدم لغة هجومية كبيرة، إلا أنه يعبر عن أن القاهرة ما زالت تميل في موقفها من ملف الصراع في شرق المتوسط بشكل عام إلى قبرص واليونان، وأن تصاعد التوتر في هذا الملف يمكن أن ينعكس سلباً على المساعي المتواصلة لتحسين العلاقات بين أنقرة والقاهرة والتي شهدت تقدماً لكنها لم تصل بعد إلى نتيجة واضحة وخاصة فيما يتعلق بتبادل السفراء مجدداً بين البلدين.
وفي ردها على الانتقادات، اعتبرت الخارجية التركية أن الموقف الأوروبي «مثال جديد على انفصاله عن الواقع» وقال المتحدث باسمها إن «تصريحات بوريل التي صدرت بدعوى التضامن بين دول الاتحاد، هي بحكم العدم بالنسبة لأنقرة. تلك التصريحات لا تتعدى كونها ترديدا لما تقوله اليونان وقبرص الرومية اللتان تستغلان حق النقض ضمن الاتحاد على نحو سيء في الدفاع عن اطروحاتهما».
كما اعتبر وزير الخارجية مولود جاوش أوغلو أن التصريحات التركية حول منطقة مرعش، كان لها أصداء في العالم، مؤكدا أن الخطوات المتخذة فيها «لا تنتهك قرارات مجلس الأمن الدولي ولا القانون الدولي» وقال: «فليقولوا ما شاءوا، ومهما أصدروا من ضجيج سنتخذ خطواتنا بشكل حازم وسندافع حتى النهاية عن حقوق تركيا وحقوق قبرص التركية وشعبها».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية