حكم البابا
لأني لم أعط في أي لحظــــة من حيـــاتي تفويضاً لأحــــد على بياض، ولا أنوي أن أفعل ذلك اليوم، ولأن لدي ملاحظــــات كثيرة على المجلس الوطني الســـوري الذي شـــكّل في اسطنبول.. أولها: حول اللجنة التحضيرية للمجلس والتي خلافاً لأية أعراف زجت بأسمائها في قائمة أعضائه، بما يشير إلى شهوة السلطة الواضحة لديهم.
وثانيها: تخص تردد الدكتور برهان غليون خلال الستة أشهر الماضية في اتخاذ قرار بانتظار مبادرة كان يطبخها، وحيرته بين أكثر من اتجاه، وتبعثره بين أكثر من رأي، وانضمامه أخيراً إلى من رفض بشدة التعاون معهم سابقاً، وتوقيعه على ماكان يرفضه في السابق.
وثالثها: المحاصصة الواضحة في توزيع الكراسي والتي عبّر عنها المجلس نفسه عندما تحدث عن التوزيع المتساوي في التمثيل للقوى المشاركة.
ورابعها: لأن كثيراً من الأسماء التي تسربت عن أعضاء المجلس يذكرني ضعف تمثيلهم بمجلس الشعب السوري، بمعنى أن العامل الأهم في اختيارهم كان رضى اللجنة التحضيرية عنهم، وضمان ولائهم.. وخامسها: أن هذا المجلس هو مكان يجمع قوى كثير منها يقف على طرفي نقيض، ولذلك فهو ائتلاف أو تجمع قابل للتفجر في أية لحظة أو عند أي موقف، وفي حال حدوث ذلك لاسمح الله فسيكون كارثة الكوارث على السوريين وعلى ثورتهم.. وسادسها: أن الاخوان المسلمين الذين ركبوا كل القطارات المتجهة إلى ما يظنونه كرسي الحكم في دمشق، من صدام حسين إلى عبد الحليم خدام إلى قطار التصالح مع النظام عبر حجة حرب غزة، إلى مشاركتهم في كل المؤتمرات المعارضة وأحدها مع الفرنسي المؤيد لاسرائيل برنار هنري ليفي عبر شخص ملهم الدروبي، هم المحرك الأساسي خلف هذا المجلس عبر أشخاص واضحين وأخرين يرتدون أقنعة متنوعة.. رغم كل ملاحظاتي هذه على طريقة تأسيس وتركيبة المجلس الوطني السوري، فأنا كمواطن سوري أؤيده مرحلياً ومؤقتاً ‘أكرر: مرحلياً مؤقتاً’ في حال التزم بشعار اسقاط النظام، ولم يدخل في أية مفاوضات أو مناطق وسطى، ولم يتردد أو يجبن في اتخاذ أي موقف من شأنه حماية دماء السوريين الذين يقتلون في أشنع مذبحة في التاريخ ترتكب الآن في سورية2الذين يموتون على الأرض في سورية لايحملون إلاّ جنسية واحدة هي السورية، ولذلك ليس لديهم سوى واحد من خيارين إما الاستمرار في طلب الحرية التي خرجوا من أجلها، وإما الموت في سبيل ذلك، وليس لديهم بلد آخر يلجؤون إليه، أما نصف المجتمعين في اسطنبول فلديهم جنسيات أجنبية وبلدان أخرى تؤويهم في حال فشلوا في الوصول إلى كرسي السلطة الذي وللأسف يتحاصصون عليه منذ الآن..3أنا خائف فعلاً على مستقبل سورية من الرأي الواحد وإن بالاتجاه الآخر الذي ينتشر منذ أشهر على الفيسبوك، وفي نقاشات المتحمسين للثورة، ويعتبر بأن كل من وجّه ويوجه انتقاداً إلى أي من مؤتمرات المعارضة أو بياناتها أو شخصياتها أو مجالسها هو خائن لدماء السوريين وضد الثورة، ويصب في مصلحة النظام، وكل ذلك بحجة توحيد المعارضة، مع أن هؤلاء المنتقدين لو استخدموا ذاكراتهم لاكتشفوا أن ما أجهض كل مبادرات المعارضة هي النوازع الشخصية والطموحات السلطوية للمعارضين أنفسهم، وليس لكلمات الانتقاد التي وجهت لأدائهم، وإذا كنا فعلاً سنذهب إلى دولة رأي واحد أخرى فلماذا دفع السوريون كل هذه الدماء والآلام والعذابات.. ولأني تعودت طوال عمري أن أكون في عداد المعارضين لا في عداد الموافقين، وكانت الـ(لا) تخرج من فمي قبل الـ(نعم)، وكنت أتمتع بهز رأسي إلى الأعلى دلالة على الرفض، على هزه إلى الأسفل دلالة الموافقة، فأنا كمواطن سوري ورغم تأييدي المؤقت والمرحلي للمجلس الوطني السوري، والمشروط بأمرين: التزامه باسقاط النظام، وعدم التردد أمام أي أمر من شأنه حماية دماء السوريين، أعتقد أنه في حال استمرار خلافاته ومحاصصاته وأساليب اقصاء هذا وابعاد ذاك، لتمكين طرف أو أطراف من السيطرة على قراراته، كما سمعت من أعضاء فيه، سيتحول إلى مجلس هامشي مثله مثل المؤتمرات والملتقيات والمجالس الأخرى التي سبق أن اجتمعت فيها أطياف من المعارضة.. أنا أعتقد أن المشكلة الرئيسية لكل الذين اجتمعوا ويجتمعون في مؤتمرات ومبادرات المعارضة، هي تعاملهم مع حالة الثورة الجديدة بأساليب قديمة تعودوا عليها خلال تعاملهم الطويل مع النظام، وكانت فاشلة على الدوام، إلى أن فاجأتهم الثورة كما فاجأت النظام، لكن النظام كان أسرع من المعارضة في استيعاب صدمة الثورة، ولذلك استخدم ويستخدم أقسى ما يملكه من وسائل تدمير لانهاء الثورة، وأشك بقدرته على ذلك، أما المعارضة فلا تزال مرتبكة في حركتها، مترددة في مواقفها، مختلفة بين أطيافها، تحكمها أمراض أربعين عاماً من الاستبداد، لم تفعل حتى الآن أكثر من تقديم نفسها كطرف ضعيف مهلهل لايعتمد عليه أمام العالم، ونقلت ارتباكها وخلافاتها إلى هيئات الحراك الشعبي على الأرض في سورية.. أيها المتحاصصون اليـــــوم في اسطنبول لمرة واحدة فكروا بأن الذين يقتلون ويشردون ويعــــتقلون الــــيوم في ســــورية قد يكونون من أهلكم وعوائلكم، وخفــــفوا قليلاً من قساوة قلوبكم..4رداً على رسائل كثيرة وصلتني تسأل عن حلول ليصبح المجلس الوطني السوري أكثر تمثيلاً للسوريين ويحظى بشبه اجماع، أظن أن المسألة ممكنة، وأهم شرط لهذا هو التخلي عن الاقصاء الذي تمارسه الشخصيات المكونة له ضد القوى الأخرى، وذلك عبر توسعته وضم شخصيات أكثر تمثيلاً للثورة السورية والمعارضة الجدية التي دفعت الثمن:
أولاً: بدلاً من أن يقتصر المجلس على تحالف الاخوان المسلمين والمناضل رياض الترك والقوى التي تتبع لهذين الفريقين كما هو حاصل الآن (مما يذكر بتحالف هذين الفريقين أيام الثمانينيات)، على المجلس أن يعود ليفاوض الهيئة العامة للثورة ويوافق على طلبها، بحصول قوى الثورة على الثلث المعطل في المجلس، فقوى الثورة من حقها أن تحصل على حق الفيتو على أي قرار لايعجبهم، مع وجود قوة براغماتية مثل الاخوان المسلمين سبق لها أن دخلت في تحالفات مع العراق والأردن وخدام وهادنت النظام أيام حرب غزة، ولو وافق النظام على قبولها لما ترددت في مد اليد له عبر وساطات القرضاوي وإخوان الأردن وتركيا، وأنا أرى أن قوى الثورة تستحق نصف مقاعد المجلس وليس ثلثها فقط، فهي القوى المتحركة الفاعلة التي غيرت في الواقع السوري، في حين أن المعارضات التقليدية عبر ممارساتها خلال الأربعين عاماً الماضية لم تجلب سوى المزيد من القمع والتضييق على المجتمع السوري والسجن لأعضائها، مع كامل احترامي وتقديري لنواياها الحسنة في الرغبة بالتخلص من النظام.
ثانياً: محاورة شخصيات معارضة ومحترمة مثل هيثم المالح وميشيل كيلو وحسين العودات ومنير شحود وكثيرين.. كثيرين غيرهم داخل سورية، فهذه الشخصيات مع كل الملاحظات التي يمكن أن تسجل على أداء هنا أو كلمة هناك هي مع التغيير وعملت له ودفعت أثماناً في سبيله، وهي أكثر تمثيلاً من أحمد رمضان وعماد الدين رشيد وعبيدة نحاس وبسمة قضماني الذين طبخوا المجلس، واستغلوا اندفاع الدكتور برهان غليون ورغبته العارمة في الظهور في مقدمة الصورة، ولعبوا على تردده ليضعوه في الواجهة ويحركوا الخيوط من الخلف، وهذه الشخصيات المحترمة التي ذكرت اسم اربعة منها فقط بما يعادل أقل من عشرة بالمائة من عددها الفعلي في سورية، هي أكثر طمأنة للسوريين على مستقبلهم من رياض الشقفة وفاروق طيفور الاخوانيين اللذين يتردد انهما شاركا في أعمال عسكرية في الثمانينيات، ومحاورة هذه الشخصيات لا تأتي عبر سؤالها بشكل عابر رغبة في الحصول على رفضها للادعاء أمام الناس بأنها هي التي رفضت الانضمام للمجلس، ولا عبر قلة اللياقة والاحترام التي تحدث عنها هيثم المالح قبل يومين في جلسة عامة في إمارة الشارقة، عندما قال رداً على سؤال عن علاقته بالمجلس أن الدكتور برهان غليون أرسل له قبل يوم واحد عبر موظفة في قناة العربية ما مفاده أن المجلس مستعد لتسليمه اللجنة القانونية فيه.
ثالثاً: تخفيف حالة الكولسة في ترتيب أمور المجلس لتقريب هذا وابعاد ذاك، والتي يتقنها المناضل رياض الترك جيداً، فهذه الحالة هي التي حولت إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي من إئتلاف جامع لأحزاب وشخصيات كثيرة ومختلفة، إلى مجرد فرع من فروع حزب الشعب الديمقراطي الذي يسيطر عليه الترك ويتحكم بتبديل أمينه العام وبقراراته في كل شاردة وواردة، رغم اعلانه الاستقالة من أمانته الأولى، فالعلنية والوضوح في أداء هذا المجلس أكثر تقريباً لهذا له من الشارع الذي يدعي تمثيله.
رابعاً: التفاهم بشكل واضــــح وبعبارات لا لبس فيها ولا غمغمة ولا تحتمل التأويل حول مسائل حماية المدنيين والتدخل الدولي والتدخل العسكري، وموقف المجلس منها الآن وفي المســــتقبل، وفي كل الحالات والاحــــتمالات، لأن هذه المسألة الخلافية قد تفجر المجلس أو الاجمـــاع عليه في أية لحظــــة، ومع التصريحات المتناقضة حول هذا الموضوع لعدد من أعضائه، وارتباكهم في تقديم اجابات واضحة وموحدة حين يسألون حول هذه القضية.’ كاتب من سورية يقيم في الامارات