انتقام الإعلام من بلير
انتقام الإعلام من بليرد. عبدالوهاب الافندي(1)لم يتخل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن هوسه المعروف بتطويع الإعلام حتي وهو يهم بتوديع قمة السياسة البريطانية، حيث حاول أن يحرم الإعلام البريطاني من الخوض في قضية خلافته عبر آليات متعددة. ومن أبرز هذه الآليات فرض الصمت الإجماعي علي كل قادة الحزب تجاه المسألة وعدم الإجابة علي أي سؤال إعلامي حولها. والغرض من هذا أن يفرض بلير علي الإعلام أجندته وأجندة حزبه، بدلاً من الانصياع إلي أجندة الإعلام الباحث عن الإثارة وأخبار الإنشقاقات وأسرار معركة الخلافة.(2)مثل هذه المناورة كشفت أن بلير رغم حذقه في إدارة معاركه الإعلامية، وكثرة مستشاريه ذوي الخبرة في هذا الشأن، مايزال لا يفهم الإعلام حقاً. ذلك أن الآلة الإعلامية الحديثة لا يمكن الالتفاف عليها بمثل هذه السهولة، لأنها تتمتع بقوة دفع كاسحة تتمثل في التقنيات والمواهب والأعداد الضخمة من الكوادر. ومن يتخذ مثل هذه الآلة عدواً ويسعي إلي تحجيمها فإنه يكون هو الخاسر، لأن الإعلام يبحث عن الإثارة وهو واجدها لا محالة.(3)وبالفعل وجد الإعلام صيده الثمين في أول أيام المؤتمر حين ورد تقرير بأن زوجة رئيس الوزراء السيدة شيري بلير اتهمت خصمه براون بالكذب حين كان يمتدح بلير في خطابه، فطغي ذلك الخبر علي كل أخبار المؤتمر الأخري. ولم يكن هذا هو الصيد الثمين الوحيد، حيث وجد الإعلام ضالته كذلك في الهزيمة العلنية في المؤتمر لسياسة بلير في إشراك القطاع الخاص في توفير الخدمات الصحية، وقبل ذلك تأسف وزير داخليته علي غباء بلير بسبب كشفه المسبق لعزمه الاستقالة، وأخيراً في إعلان نائب رئيس الوزراء المتأخر عن إعلانه دعمه لترشيح وزير المالية غوردون براون لخلافة بلير، وهو ما رفض بلير أن يفعله ومنع بقية وزرائه من فعله. وقد تحولت كل المقابلات الإعلامية مع قادة الحزب بدءاً ببلير نفسه إلي ما يشبه مباريات الشطرنج من أجل إجباره علي التفوه بتصريح حول مسألة القيادة.(4)بلير كما هو معروف بني مجده السياسي عبر التعامل الذكي مع الإعلام. وقد بني تحالفاً مع روبرت ميردوخ صاحب شبكات التلفزة العالمية (سكاي، فوكس نيوز) ومالك صحيفتي التايمز والصن، ودعم ذلك بتقريب مستشارين من حواة الإعلام مثل وزير الصناعة السابق بيتر مانديلسون ومستشاره المقرب الصحافي السابق أليستير كامبيل الذي كانت بعض البرامج الكوميدية تصوره الحاكم الفعلي لبريطانيا. واعتمدت سياسته علي فرض الانضباط في التصريحات الإعلامية وحشد خبراء الإعلام في الوزارات والحزب حتي ان عددهم بلغ العشرات في الوزارة الواحدة. (5)حققت هذه السياسة نجاحاً لا بأس به، حيث تعتبر مسؤولة جزئياً عن فوزه في ثلاث انتخابات عامة متتالية، وإن كان السبب الأكبر في هذا الفوز هو ضعف المعارضة. إلا أن الإعلام لم يقف مكتوف اليدين، حيث أطاح بمانديلسون أقرب مستشاريه من الوزارة مرتين في فضيحتين مختلفتين، ثم ألحقه بكامبيل الذي فقد منصبه علي خلفية فضائح تتعلق بملف العراق.(6)العراق كان الهوس الآخر لبلير، وقد ساهم مع ما وصف بأنه خضوع بلير التام لإملاءات واشنطن في انهيار شعبية بلير وسط حزبه وشعبه. وإذا كان بعض أنصاره يرون أنه تسرع في إعلان عزمه علي الاستقالة، فهناك دلائل تشير إلي أنه ما كان ليفوز في الانتخابات لو لم يعلن ذلك. وقد كان هذا من تكتيكات الهروب إلي الأمام التي ظل يتبعها بلير، مثلما فعل هذا الشهر حين أعلن أنه سيستقيل خلال عام. ولو لم يفعل لربما كان أجبر علي الاستقالة فوراً. (7)لعل معضلة بلير الأكبر هي أنه ظل يواجه العداء من داخل حزبه. ذلك أن سياسته في الهرولة وراء المحافظين الجدد في واشنطن ربما كانت تسبب مشاكل أقل لزعيم حزب يميني أو حتي حزب وسط. أما لزعيم حزب يساري له تقاليد عريقة فإنها مقتل. بلير عبر في عدد من خطاباته الأخيرة عن توجهات انتحارية حين قال إنه لن يبالي بفقدان الشعبية وعدم التفهم لموقفه حول الإرهاب وحرب العراق والوقوف كتفاً بكتف مع جورج بوش. وإذا كان يعتقد هذا حقاً فإنه قد حصل علي الشهادة التي كان يطلب. ولعل هذ تكون أكبر مفارقة، لأن التهمة الأبرز في حق بلير ظلت تحديداً استعداده للتضحية بالمبادئ من أجل كسب الشعبية، وهو ما افتخر به في خطابه الأخير لحزبه هذا الأسبوع حين قال إنه يحب كل تقاليد حزب العمال ما عدا دأبه علي الخسارة أمام خصومه.(8)تجربة بلير أثبتت مقولة المسيح عليه السلام عن أن من يعيش بالسيف (أو بالإعلام) يموت به. فالإعلام الحر فرس جموح لا ينقل راكبه حيث يريد. نفس المصير واجهته بعض الدول العربية التي أنفقت المليارات علي تطويع وشراء الإعلام وسد الفضاء بالقنوات المأجورة، ولكنها تواجه من الكراهية وانعدام الشعبية ما لا تواجهه الدول الفقيرة التي لا تملك درهماً ولا ديناراً تنفقهما في شراء الذمم الصحافية.9