بعد مرور أربع سنوات على الانفصال نجحت مواطنة تركية في الانضمام إلى ابنها الذي يبلغ السابعة من عمره. لقد اعتقدت أن الطفل يمكنه على الفور أن يتصادق مع أبناء جيله وأن يلعب معهم وأن يبدأ بعيش حياته من جديد. ولكن عندما التقى الطفل مع الأطفال الآخرين بدأ يرشقهم بالحجارة. الأم التي كانت مندهشة سألته عما حدث فأجاب «فقط أردت اللعب معهم».
قبل أربع سنوات اختطفه والده، المواطن التركي، وانتقل معه إلى سوريا من أجل الانضمام لداعش. الأب تزوج من امرأة أخرى هي أم لأطفال انفصلت عن زوجها في تركيا وانتقلت إلى سوريا من أجل أن تعيش «حياة إسلامية صحيحة». خلال فترة قصيرة قتل والد الطفل في عملية شارك فيها. زوجة الأب أجبرت على الزواج من أحد نشطاء داعش، وبعد فترة قصيرة قتلت هي أيضاً، وزوجها الثاني قرر التخلي عن الأطفال.
لحسن حظ نجح الطفل التركي في الوصول إلى ميتم، ومنه عاد إلى بيته في تركيا بعد بذل جهود كبيرة من أجل العثور عليه، وهو الآن يجتاز علاجاً نفسياً، وربما يمكنه العودة إلى الحياة الطبيعية.
حسب أقوال الأم التي أجرى موقع ما معها مقابلة فإن الطفل لا يتحدث كثيراً عما مر به عندما كان لدى مقاتلي داعش. إنه يعاني من الكوابيس وما زال لا ينجح في التواصل مع أصدقائه. ولكنه أيضاً قال إنه ذات يوم غضب على أخته من الزوج الثاني وأراد قتلها ببندقية الوالد. ومن حسن حظها أن البندقية كانت ثقيلة جداً ولم يستطع حملها.
طفل آخر كان يعيش في ملجأ في شمال مدينة الموصل في العراق طلب في أحد الأيام من المسؤول عنه أن يعطيه سكيناً. وعندما رفض المسؤول أخذ الولد القلم الرصاص وطعن بشدة طفلة كانت تجلس بجانبه. المسؤولة عن رعاية أيتام داعش في الملجأ الذي أقيم من أجلهم قالت إن هناك أطفالاً جاءوا إلى الملجأ وهم يغنون الأغاني التي تعلموها من داعش. آخرون شتموا والكثير منهم اعتادوا على الصلاة بشكل مواظب خمس مرات في اليوم وينقضوا بنهم على الطعام.
دولهم غير مستعدة للاعتراف بهم بسبب عدم وجود وثائق تخصهم
التقدير هو أن أكثر من 2500 طفل من أطفال داعش ما زالوا يعيشون الآن في مخيمات للاجئين وفي ملاجئ أيتام في العراق وسوريا. هؤلاء الأطفال ينقسمون إلى قسمين: الذين اختطفهم داعش من أجل أن يصبحوا مقاتلين وينفذون العمليات الانتحارية، والذين جاءوا مع أهلهم الذين تجندوا لداعش أو ولدوا في سنوات الحرب. عندما انتهت المعارك في مواقع داعش فإن الكثير من الآباء تركوا عائلاتهم وخلفوا وراءهم الأطفال مع الأمهات. الآن هؤلاء الأمهات ينتظرن اتخاذ قرار حول مصيرهن، وهو قرار يحتاج إلى فحص مسألة هل هن أنفسهن كن مقاتلات في داعش. أطفالهن يمكن اعتبارهم محظوظين لأن لديهم على الأقل طعاماً يأكلونه ويحظون بالعلاج الطبي أيضاً بالحد الأدنى، ولكن ليس بعلاج نفسي. في المقابل، يتجول في شوارع سوريا والعراق بدون أي مساعدة حوالي 17 ألف طفل من أطفال داعش. هؤلاء الأطفال اعتادوا التسول من أجل الحصول على الطعام، ويعتبرون فريسة سهلة لمقاتلي داعش الذين اعتادوا على اختطافهم من أجل مواصلة عملياتهم الإرهابية.
لا توجد لكثير من هؤلاء الأطفال وثائق، وهنا تطرح مسألة أخرى مثيرة: حوالي 1000 طفل على الأقل هم مواطنون لدول أجنبية مثل فرنسا وألمانيا وروسيا وأذربيجان وتونس وغيرها. حكومات دولهم غير مستعدة للاعتراف بهم كمواطنين بسبب عدم وجود وثائق. ولكن عندما تتوفر الوثائق، فإن أي دولة لن تسارع إلى إعادتهم إلى بلادهم. فرنسا وألمانيا أعلنتا أنهما مستعدتان لاستيعاب عدد محدود من الأطفال ولكن بدون الأمهات، لأنه لا يمكنهما فحص إذا ما كانت الأمهات نشيطات في داعش. وإذا أراد الأطفال العودة إلى بلادهم فإن عليهم الانفصال عن الأمهات، والأخيرات سينتظرن محاكمتهن في العراق وسوريا.
الشرط الآخر هو موافقة الأمهات على الانفصال عن الأولاد، وهذه موافقة من الصعب الحصول عليها، ضمن أمور أخرى، بسبب أن السلطات العراقية تضع عقبات أمام الالتقاء مع الأمهات، وحسب تقارير عدة فإن الحكومة العراقية تطلب الأموال مقابل إطلاق سراح الأولاد. وكذلك الأمهات اللواتي لم يمكثن على الإطلاق في العراق وسوريا ونجحن في العثور على أولادهن لا يستطعن الالتقاء معهم بسبب سياسة السجون العراقية. وكما يبدو فهذه إحدى الطرق الملتوية التي يتم بواسطتها الانتقام من الأمهات (ومن الأطفال أيضاً) لأنهن قررن، سواء بإرادتهن أو قسراً، العيش مع مقاتلي داعش.
هذه الظروف تستدعي كل أنواع المعضلات القاسية. مثلاً، أمهات يمكنهن العودة مع أولادهن إلى بيوتهن ويردن ذلك، ولكن أزواجهن غير مستعدين لقبول الأولاد لأنهم ولدوا لمقاتلي داعش، أو لأن الزوجة حملت من رجل آخر، حتى لو تم اغتصابها. الأم يجب عليها أن تقرر هل تترك أولادها في مخيم اللاجئين وتعود إلى بيتها الذي ينتظرها فيه مجتمع معاد، أو البقاء مع أولادها في المخيم، طالما أن السلطات تسمح لها بذلك؟
الكثير مما قيل عن الأزمة الشديدة للأولاد لم ينجح حتى الآن في أن يثمر برامج إنقاذ منظمة. والمعالجة تتم في أحسن الحالات بواسطة منظمات مساعدة ليست معدة لتقديم العلاج النفسي الضروري. وفي أسوأ الحالات بواسطة خدمات حكومية من العراق، أو بواسطة القوات الكردية في سوريا. هؤلاء سيكونون الأطفال الأخيرين في طابور إعادة التأهيل والأوائل الذين سينبتون جيلاً جديداً مشوهاً ومعادياً.
تسفي برئيل
هآرتس 3/12/2018