انتكاسة التجربة الديمقراطية الفلسطينية.. عوامل متعددة ومستقبل غامض

حجم الخط
0

شكل التحول الديمقراطي الفلسطيني حالة تميزه عن أقرانه في الدول العربية المجاورة. ففي العشر السنوات الاولى من عمر السلطة الفلسطينية، وخلال الفترة التي امتدت ما بين الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية الاولى عام 1996 والانتخابات الرئاسية عام 2005، التي أعقبت وفاة الرئيس ياسر عرفات والانتخابات التشريعية الثانية عام 2006، تميزت جميع تلك العمليات الانتخابية بنزاهة وشفافية عالية أقر بها الكثير من المراقبين، وبرز نوع من التفاؤل ازاء مستقبل التحول الديمقراطي الفلسطيني عموماً. وعلى الرغم مما مثلته تجربة الديمقراطية الفلسطينية ـ كحالة استثنائية تستحق الاهتمام، ما جعل عددا من المهتمين والمحللين يتنبؤون بأنها تجربة راسخة ولا مجال لتراجعها ـ واجهت تلك التجربة صعوبات، وطالتها انتقادات، لأنها بقيت محكومة منذ بدايتها بعوامل داخلية وخارجية حددت مسار تطورها وساهم بعضها في انتكاستها. بدأت الأراضي الفلسطينية في بلورة اطار ديمقراطي يحكم قواعد اللعبة السياسية فيها، بعد قيام السلطة الفلسطينية التي جاءت بفعل اتفاقية أوسلو عام 1993. وأخذت ملامح التجربة الديمقراطية تتحدد بالانتخابات التشريعية الفلسطينية الاولى عام 1996، وما صاحبها من انتخابات بلدية وقروية لحقت بها في ذلك الوقت، فبدت عملية التحول الديمقراطي الفلسطيني ايجابية ومبشرة في بداية عهدها، وشكلت منظومة لعملية ديمقراطية فلسطينية مختلفة بشكل واضح عن التجربة الديمقراطية الفلسطينية التي عرفها الفلسطينيون، في اطار منظمة التحرير الفلسطينية. خلال تلك الفترة لعب المجلس التشريعي دوراً مهماً في الرقابة على أداء السلطة التنفيذية ومساءلتها، ومارست لجان المجلس التشريعي، خصوصاً لجنة الرقابة وحقوق الانسان، دوراً فاعلاً في ذلك المجال. كما لعب المجلس التشريعي في ذلك الحين دوراً تشريعياً مميزاً، فأقر المجلس عدداً من التشريعات التي تمس جوهر الحياة الفلسطينية. جاء ذلك بالاضافة إلى الدور الايجابي الذي لعبته منظمات المجتمع المدني، خصوصاً منظمات حقوق الانسان والمؤسسات التي تدعو وتروج للديمقراطية.
بعد وفاة الرئيس عرفات، جاءت الانتخابات الرئاسية الفلسطينية عام 2005، وتبعتها الانتخابات التشريعية الثانية عام 2006، التي فازت عبرها حركة المقاومة الاسلامية (حماس) باغلبية مقاعد البرلمان، وتسلمت مقاليد السلطة، في حدث ديمقراطي، اعتبر الاول من نوعه في المنطقة العربية آنذاك، باسقاط حزب حاكم واستلام حركة إسلامية الحكم عبر صناديق الاقتراع، إلا أن أهم ما ميز هذه التجربة هو الانتقال السلمي للسلطة.
بدأت التجربة الديمقراطية الفلسطينية بالتعثر، بفعل عوامل داخلية، كان على رأسها، حالة الاستقطاب الداخلي بين حركتي فتح وحماس في المجلس التشريعي، في أعقاب الانتخابات التشريعية عام 2006، وهشاشة بنية التنظيمات الفلسطينية الاخرى، التي فشلت في الحد من هذا الاستقطاب، مما أدى في النهاية إلى انتكاسة تجربة الديمقراطية في فلسطين بسبب الانقسام.
جاءت الانتكاسة الكبرى للتحول الديمقراطي الفلسطيني بفعل الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني عام 2007، وليس من اليسير التنبؤ بنتائجها النهائية. فاستيلاء حركة حماس على السلطة بقوة السلاح في غزة، يعتبر نقيضاً للممارسة الديمقراطية، ناهيك عما تسبب به ذلك من تبعات بخلق حالة من الانقسام في النظام السياسي الفلسطيني، وتعطيل آليات عمل الديمقراطية وتطورها.
فمنذ ذلك التاريخ انقسم الوطن الفلسطيني، فسيطرت حركة حماس على قطاع غزة، بينما سيطرت حركة فتح على الضفة الغربية، وتعطل عمل المجلس التشريعي الفلسطيني مما أثر جوهرياً على عملية فصل السلطات، حيث هيمنت السلطات التنفيذية على العمل السياسي والتشريعي والقضائي الفلسطيني، كما تراجعت حرية العمل الحزبي ومؤسسات المجتمع المدني وحرية التعبير في شقي الوطن الفلسطيني، وبدأت ترتسم على الاراضي الفلسطينية ملامح نظامين سياسيين مختلفين، يجسدها وجود مؤسسات متوازية وكيانين منفصلين، واحد في قطاع غزة وآخر في الضفة الغربية.
بالاضافة إلى العوامل الداخلية، ساهمت بعض العوامل الخارجية، ومنذ قيام السلطة الفلسطينية عام 1993، في تكبيل عملية التحول الديمقراطي الفلسطيني، ووضعت قيوداً على واقع الديمقراطية الفلسطينية ومستقبلها عموماً، وأثرت بشكل واضح على تراجع وانتكاسة التجربة الديمقراطية الفلسطينية، سواء كانت تلك العوامل إسرائيلية أو أمريكية غربية أو عربية.
جاء العقاب الذي أنزلته إسرائيل على الفلسطينيين إثر ظهور نتائج الانتخابات النزيهة، التي شهد لها العالم أجمع عام 2006، وعدم قبولها بحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، التي ضمت في صفوفها مستقلين قريبين من حركتي فتح وحماس، بحصار قطاع غزة وعقوبات مالية جائرة وتجميد العملية السياسية في ظل استمرار سياسة الاستيطان. وساهمت إسرائيل بشكل كبير بتعطيل الحياة الديمقراطية الفلسطينية، عبر عدم السماح لاعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني الجديد بالتنقل، وقيامها باعتقال العديد من أعضائه، مما عطل اكتمال النصاب القانوني لاجتماعات المجلس في كثير من الاحيان.
وأدى تبني الولايات المتحدة والمجتمع الغربي للموقف الإسرائيلي، إلى تفاقم الوضع الفلسطيني الداخلي بشكل كبير، الذي انتهى باستخدام حركة حماس للقوة العسكرية للاستيلاء على السلطة، ونشوء الانقسام. وبقي تهديد إسرائيل الصريح للسلطة الفلسطينية بمقاطعتها وفرض الحصار عليها، إن خاضت غمار المصالحة مع حركة حماس، شاهداً على حقيقة الضغوط الخارجية التي تمارس على السلطة الفلسطينية، فإما أن يبقى الانقسام الفلسطيني قائماً، وإما أن تخضع السلطة الفلسطينية في رام الله للمقاطعة السياسية والحصار المالي.
ويعتبر تدخل الولايات المتحدة الامريكية المباشر وغير المباشر، وما يلحقه من تأييد غربي، في فرض الشروط على السلطة الوطنية في ممارستها السياسية الداخلية، معرقلاً حقيقياً للواقع الديمقراطي الفلسطيني. فعلى سبيل المثال فرضت الولايات المتحدة على السلطة الفلسطينية خلال حقبة الرئيس عرفات تعديل صلاحيات الرئيس لصالح رئيس الوزراء، في النظام الداخلي الفلسطيني، وهو الامر الذي التزمت به السلطة الفلسطينية تحت وطأة ذلك الضغط الخارجي. ولو أن هذه الضغوط جاءت من قبل الرأي العام الفلسطيني والتزمت بها السلطة الفلسطينية، لكانت الديمقراطية الفلسطينية تتجلى في أجمل صورها، إلا أن حدوث تغيير في بنود النظام الداخلي الفلسطيني، عبر الانصياع لضغوط الولايات المتحدة، يعتبر تدخلاً خارجياً صارخاً، يعكس حالة من السيولة وعدم الالتزام بالاصول الديمقراطية الحقيقية.
كما أن الولايات المتحدة فرضت على الرئيس محمود عباس اجراء الانتخابات التشريعية عام 2006، في ظل ظروف فلسطينية داخلية متأزمة، ودعوة عدد من القيادات الفلسطينية لتأجيل الانتخابات لحين ترتيب البيت الفلسطيني. وقد يعتقد البعض أن ما فرضته الولايات المتحدة على السلطة الفلسطينية في الحالتين السابقتين يعد بمثابة تطبيق لقواعد ديمقراطية لازمة لانجاح تجربة التحول الديمقراطي الفلسطيني، إلا أن ذلك لا يعكس الواقع.
فرضت اللجنه الرباعية الدولية، التي تتبنى موقف الولايات المتحدة، شروطاً على الحكومة الفلسطينية التي تشكلت في أعقاب فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006، للاعتراف بها، كان على رأسها الاعتراف باسرائيل ونبذ ‘الارهاب’ والالتزام بالاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. إن الشعب الفلسطيني انتخب حركة حماس على أساس مبادئ ومواقف محددة، ونجحت حركة حماس ونالت ثقة الشعب الفلسطيني على أساس تلك المبادئ، ثم اتت الولايات المتحدة واشترطت على حركة حماس التخلي عن مبادئ وفرضت عليها تعهدات جديدة، مقابل الاعتراف بالحكومة التي تمثلها، فكيف يعكس ذلك الموقف جوهر الديمقراطية التي تنادي بها الولايات المتحدة.
وبسبب رفض حركة حماس تنفيذ شروط الولايات المتحدة واللجنة الرباعية الدولية سابقة الذكر، وافقت الحركة على تشكيل حكومة وحدة وطنية عام 2007، تلتزم ببرنامج سياسي يعترف ضمنياً بشروط الرباعية الدولية، بهدف الخروج من المأزق السياسي الذي يهدد الوضع الفلسطيني، إلا أن الولايات المتحدة رفضت البرنامج السياسي لحكومة الوحدة الوطنية، وفرضت حصاراً سياسيا وماليا على السلطة الفلسطينية. وجاءت الضغوط الامريكية على السلطة الفلسطينية مؤخراً للعودة للمفاوضات، في ظل عدم التزام اسرائيل بتجميد الاستيطان، ومعارضة شعبية واسعة، شاهداً اضافياً على الضغوط الخارجية التي تمارسها الولايات المتحدة على السلطة الفلسطينية، وسنداً مهماً على أن الولايات المتحدة لا تسعى لترسيخ الديمقراطية، إنما تحقيق مصالحها في الاساس.
وتؤكد التجارب أن الشروط التي عادة ما تفرضها الولايات المتحدة على الدول لتحقيق الديمقراطية، لا تضع باعتبارها الظروف والعوامل الداخلية التي تحكم الحياة السياسية في تلك الدول، الأمر الذي أدى إلى تدهور الأوضاع السياسية في العديد منها.
إن الانعكاسات الايجابية والسلبية لثورات الربيع العربي، وصعود جماعة الاخوان المسلمين إلى سدة الحكم، تبقى من بين العوامل الخارجية، ذات الأثر الواضح على مستقبل حالة الديمقراطية في فلسطين، فثورات الربيع العربي في عدد من الدول العربية هي تجارب لم تتحدد هويتها الديمقراطية بشكل نهائي.
وجاءت الانتخابات الديمقراطية في دول مثل مصر وتونس والمغرب بقوى إسلامية إلى سدة الحكم، لكن من السابق لأوانه التقرير ما إذا كانت هذه الانتخابات هي جزء من الالتزام بعملية ديمقراطية بمكوناتها المتكاملة، أم أنها كانت وسيلة للوصول إلى الحكم فقط من جانب الاسلاميين. على الجانب الآخر يبدو أنه من الصعب التنبؤ أيضاً بمدى قبول الطرف الآخر من المعادلة السياسية، بوصول الاسلاميين إلى الحكم واستيعابهم فيه. وتبعث تجارب التحول الديمقراطي في المنطقة العربية في ظل الربيع العربي، الى التشاؤم بخصوص مستقبل هذه العملية عموماً في المنطقة، خصوصاً أنها اقترنت بالصراع الداخلي العنيف على السلطة.
ولا يبدو الوضع الفلسطيني الحالي المنقسم، أحسن حالا من الواقع العربي في اطار العملية الديمقراطية والصراع على السلطة، فالحياة الديمقراطية الفلسطينية تبدو في أسوأ حالاتها. فالعملية الديمقراطية معطلة على جانبي الوطن، في ظل انعدام الأفق السياسي على صعيد المفاوضات وتفاهمات السلطة الفلسطينية مع الاحتلال الاسرائيلي، وتأزم الأوضاع السياسية الداخلية والخارجية لحركة حماس، في اعقاب اقصاء الجيش لحكم جماعة الاخوان في مصر.
إن التجربة الديمقراطية الفلسطينية محكومة ومنذ بدايتها بعوامل مؤثرة داخلية وخارجية، عربية واقليمية ودولية، واصيبت بانتكاسة كبيرة، عقب الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني، كما جاءت الثورة المصرية وتطوراتها لتشكل عاملاً مؤثراً آخر على مستقبل الديمقراطية الفلسطينية عموماً. وليس من اليسير التنبؤ بمستقبل التحول الديمقراطي الفلسطيني في ظل جمود مفاوضات المصالحة الفلسطينية ـ الفلسطينية، وعدم حدوث اختراقات حقيقية باتجاهها، وتصاعد أحداث الثورات العربية، التي يصعب التنبؤ بمخرجاتها أيضاً. ويبقى تأثير العوامل الداخلية الأكبر أثراً على نجاح تجربة التحول الديمقراطي الفلسطيني، التي بدأت مبشرة في بداية عهدها، لأن نجاح تلك التجربة يبقى قراراً فلسطينياً يستطيع الفلسطينيون فقط تحقيقه والوقوف في وجه أي عقبات خارجية توضع لعرقلته.

‘ كاتبة فلسطينية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية