دمشق ـ «القدس العربي»: كشفت مصادر قضائية في دمشق لـ«القدس العربي» انتهاء إدارة التفتيش القضائي في وزارة العدل السورية، التحقيق مع قضاة عملوا بمحكمة الإرهاب، وذلك فيما طالب المحامي البارز فواز خوجة بمحاسبة أي قاض كان «جلاداً» في زمن نظام الأسد، مشيراً إلى أن هناك قضاة في المحكمة كانوا بمثابة ضباط أمن وأصدروا أحكاماً قضائية مجحفة بحق سوريين موقوفين.
ووفق المصادر «التحقيق طال جميع القضاة الذين عملوا في المحكمة منذ تأسيسها عام 2012 وحتى تاريخ إسقاط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، من دون أن يصدر أي قرار حتى الآن بحق أي قاض، باعتبار أن ملفاتهم ما زالت قيد الدراسة، وستتم إحالة من تثبت التحقيقات تورطه في أحكام قضائية مجحفة بحق مواطنين سوريين، إلى مجلس القضاء الأعلى المعني في محاسبة القضاة».
وأصدر وزير العدل في حكومة تسيير الأعمال السورية شادي الويسي، في 12 شباط/ فبراير الماضي قراراً بإحالة 87 قاضياً إلى إدارة التفتيش القضائي، ممن زاولوا مهام قضائية ضمن محكمة قضايا الإرهاب سواء كانت نيابة عامة، أو تحقيقا، أو محكمة جنايات، أو نقضا، منذ تأسيسها وحتى توقيف عمل المحكمة بعد إسقاط نظام الأسد، على أن يتم التحقيق معهم حول ما قاموا به خلال عملهم في المحكمة.
ومحكمة قضايا الإرهاب، تم إحداثها بالقانون رقم 22 لعام 2012 لتكون بديلاً من محكمة أمن الدولة العليا التي تم إلغاؤها في نيسان/ إبريل 2011، وضمت محكمة الإرهاب حتى قبيل إسقاط النظام السابق 15 قاضياً مدنياً وعسكرياً للنيابة، و11 دائرة تحقيق يرأس كل منها قاض ومعظمهم عسكريون، وثلاث غرف لمحكمة جنايات الإرهاب في كل منها ثلاثة قضاة أحدهم عسكري، إضافة إلى غرفة خاصة لمحكمة الإرهاب في محكمة النقض بقضاتها المستشارين الثلاثة وأحدهم عسكري أيضاً، وهؤلاء جميعهم كان يتم تعيينهم بمرسوم رئاسي.
أما قانون مكافحة الإرهاب فتضمن عقوبات تبدأ من التوقيف المؤقت لثلاث سنوات وتصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة أو إلى عقوبة الإعدام، حسب التهم التي كانت تلصق بالمعارضين للنظام السابق.
المصادر التي تحدثت إليها «القدس العربي» وفضلت عدم الكشف عن اسمها، قالت إن «قاضيا واحدا في إدارة التفتيش، تولى التحقيق مع القضاة جميعهم، وتم استجوابهم عن كيفية وصولهم إلى المحكمة مع عرض بعض الملفات التي كانوا ينظرون فيها» مشيرة إلى أن «جميع القضاة الذين تم التحقيق معهم ما زالوا على رأس عملهم وهناك قضاة يترأسون محاكم حتى الآن».
محام تحدث عن ملفات لأطفال بتهم الهجوم على حواجز لجيش النظام
وأوضحت المصادر أن «الملف سيتم قريباً تحويله إلى مجلس القضاء الأعلى بحق القضاة المتورطين» مبينة أن «العقوبة تتراوح من اللوم وحتى العزل من السلك القضائي» وتوقعت أن «يتم سجن بعض القضاة في حال تورطهم في قضايا فساد أثّرت على الأحكام القضائية».
وكشف المحامي خوجة عن «وجود قضاة سعوا إلى أن يكونوا في محكمة الإرهاب لجمع الأموال على حساب المعتقلين» معتبراً أن «هؤلاء القضاة كانوا عبارة عن ضباط أمن أكثر من أي شيء آخر» ومشيراً إلى أن «المحكمة عُرفت بحجم الفساد الكبير فيها، وكان يمارس في قاعاتها وأروقتها إذلالاً بحق مواطنين تنظر بقضاياهم».
وفي تصريح لـ«القدس العربي» أعرب خوجة عن «تأييده لمحاسبة كل قاض كان جلاداً في هذه المحكمة» لافتاً إلى أن «هناك قضاة كانوا يتصرفون بشكل عشوائي بهدف إبراز أنفسهم، إضافة إلى ممارسة ضغوط كبيرة على قضاة آخرين لإصدار أحكام مجحفة».
وبين أنه «كانت في محكمة الإرهاب ملفات لأطفال أحداث بتهم شن هجمات على حواجز للجيش» ومعرباً عن استغرابه تحدث عن «قضايا تم تركيبها في المحكمة بطريقة غريبة، إضافة إلى وجود دعاوى تتضمن حوالي 40 موقوفاً».
ومنذ تأسيسها، نظر قضاة محكمة الإرهاب في عشرات الآلاف من الدعاوى، وأصدروا أحكاماً بالإعدام غيابياً بحق معارضين في المقدمة منهم نائب الرئيس السوري الأسبق عبد الحليم خدام، ونجل وزير الدفاع الأسبق فراس طلاس، مع مصادرة جميع ممتلكاتهما وأموالهما المنقولة وغير المنقولة بحجة تورطهما بدعم الإرهاب. كما قضت المحكمة ذاتها بالحبس 5 سنوات على الفنانة سمر كوكش بتهمة تمويل الإرهاب،. وفي أيلول 2015 برأت المحكمة رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير مازن درويش وأربعة من زملائه من تهمة «الترويج للأعمال الإرهابية» بعد فترة اعتقال زادت عن ثلاث سنوات
وعلى الرغم من إصدار محكمة الإرهاب أحكاماً عديدة بالإعدام، إلا أن المنفذ منها كان قليلاً باعتبار أن الأحكام في معظمها غيابية، والنظام السابق استخدمها للتضييق على نشطاء حقوق الإنسان ومعارضيه السياسيين
المحامي عبد المجيد عمر، أكد لـ«القدس العربي» أن محكمة الإرهاب «لطالما كانت مسيسة وتصدر أحكامها من دون أدلة وبراهين وإنما عبر الاعتماد في كثير من الحالات على تقارير أمنية» لافتاً الى أن «دوره في الدفاع عن موقوفين في دعاوى عمل عليها كان شكلياً، بسبب النوايا المبيتة والمسبقة في أي قضية معروضة في المحكمة» ومشيراً إلى أن «قرارات المحكمة بإخلاء السبيل كانت في حاجة إلى موافقة من مكتب الأمن الوطني لتنفيذها، وفي حال عدم الحصول على تلك الموافقة، يظل الموقوف في السجن رغم صدور قرار قضائي بالإفراج عنه» مؤكداً أن «ما سبق كان بوابة للابتزاز ودفع مبالغ تصل أحياناً إلى عشرات آلاف الدولارات للحصول على الموافقة الأمنية».
ووافق المحامي رواد كبور، زميله عمر، في «اتخاذ المحكمة قرارات جائرة اعتمدت على تحقيقات أمنية أكثر من اعتمادها على حقائق ووقائع مثبتة» وقال إن «الموقوف كان يصدر بحقه قرار الحكم وفقاً لتحقيق أمني تم استخلاصه تحت التعذيب، وكان يُجبر على ذكر أسماء لأشخاص يقيمون خارج البلاد لتصدر بحقهم أحكام قاسية تتضمن مصادرة أملاكهم، على الرغم من براءتهم منها».