انتهاكات حقوق الانسان في المغرب: هل يفلت الجناة من العقاب؟

حجم الخط
0

انتهاكات حقوق الانسان في المغرب: هل يفلت الجناة من العقاب؟

محمد بنعبد القادرانتهاكات حقوق الانسان في المغرب: هل يفلت الجناة من العقاب؟ في أمريكا يحاكمون عجوزا بلغ من العمر ثمانين سنة، عن جريمة ارتكبها منذ أربعين سنة عندما كان عضوا في جماعة كوكلوس كلان العنصرية، جاء الرجل إلي المحكمة علي كرسي متحرك حطاما متداعيا، ولم يشفع له اعتلال صحته ولا تقدم سنه، ولا اقتراب عمر الجناية من نصف القرن، والسبب أنه متهم بقتل ثلاثة من النشطاء السياسيين خلال حركة الحقوق المدنية التي كانت تطالب في منتصف الستينات بما للسود في أمريكا من أبسط الحقوق.وفي تشيلي هذه الأيام يجرجر القضاء في دهاليز المحاكم عجوزا آخر متهما بارتكاب أفظع الجرائم ضد شعبه منذ حوالي ثلاثة عقود، ويفضل هذا الدكتاتور العجوز أن يتحامق علي الناس ويدعي انهيار قدرته العقلية، علي أن يمثل أمام المحكمة ويساءل عما اقترفه من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.هناك إذن جرائم لا تسقط أبدا بالتقادم، بل تظل عالقة بالجاني إلي آخر المدي كاللعنة، منها جرائم التعذيب والإبادة والاختطاف، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي يتعين مساءلة الجناة في شأنها بموجب مقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبما تستدعيه بداهة العدل ومسلمات الضمير والعقل.أما تعطيل هذه المساءلة فإنه يفضي لا محالة إلي خرق واضح لحقوق الإنسان وإلي نسف للعدالة، واستهتار بالعقل والضمير، ويفضي بالتالي إلي ما نسميه بظاهرة الإفلات من العقاب، وهي ظاهرة كونية معروفة قد تكون نتيجة لغياب قواعد قانونية، أو لانعدام تطبيق هذه القوانين في حال وجودها، مما يعني استحالة مساءلة ومحاسبة مقترفي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بحيث لا يخضع هؤلاء لأي تحريات أو متابعات قد تؤدي إلي تعرضهم للاتهام أو للاعتقال والمحاكمة.يسود الإفلات من العقاب في ثلاثة سياقات مختلفة:1 ـ سياق يكون فيه ميزان القوي لصالح الجناة الذين إما يحتمون بالسلطة أو يتحكمون في دواليبها.2 ـ سياق اللادولة حيث تغيب الدولة بمفهومها المؤسساتي وتحضر العصابات، ويسود قانون الغاب ويصبح الإفلات من العقاب من إكراهات الأمر الواقع.3 ـ سياق تتدخل فيه الإرادة السياسية للحكومة التي تستسلم لضغوطات الجناة وابتزازاتهم، فتصدر قانونا للعفو لتجعلهم في منأي عن أي مساءلة أو عقاب.في كل هذه السياقات علي اختلافها، يشكل الإفلات من العقاب طمسا للحقيقة وإنكارا للعدالة، وتجاهلا لمبدأ تساوي الناس أمام القانون. ثم إن الإفلات من العقاب يكرس الاعتقاد بأن كل شيء مباح بالنسبة للبعض، وأن الجرائم الأكثر فظاظة ودموية لا تستحق العقاب، فضلا عن أن بقاء الجناة يمرحون في الساحة دون حساب أو عقاب يتسبب في تعميق جروح الضحايا ومضاعفة معاناتهم، ويعيق مهمة جبر الضرر ورد الاعتبار.وعموما فإن الإفلات من العقاب هو شكل من أشكال مأسسة الظلم من طرف الساهرين علي إقرار العدل، مما يعيق بناء دولة الحق والقانون، ويزرع بذور الارتداد إلي الاستبداد والفساد، ويرسخ نموذج التسلط والسيطرة، ويرهن إمكانية التعايش السياسي والتماسك الاجتماعي، وكل هذه الخصائص والتداعيات أثارت قلق المجتمع الدولي الذي ما فتئ يضاعف الجهود لمواجهة ظاهرة الإفلات من العقاب.لا أحد كان يتصور إمكانية القبض علي أوغستو بينوشي ومحاكمته بتهمة اقتراف عمليات الاغتيال والاختفاء القسري، والإعدام خارج الأحكام القضائية والتعذيب والاعتقال التعسفي، منذ توليه السلطة عبر انقلاب عسكري. ومع ذلك تم القبض عليه في المملكة المتحدة وقررت المحكمة العليا عدم تمتعه بحصانة تحميه من الدعوي القضائية المقامة ضده.هذا الحدث شكل لحظة حاسمة في مسار مكافحة الإفلات من العقاب، وربما كان أهم ركيزة من ركائز النضال من أجل تحقيق العدالة الدولية منذ محاكمات نورمبرج.فمنذ نهاية الحرب الباردة، وما ترتب عن ذلك من ظهور زخم جديد في العلاقات الدولية، قام المجتمع الدولي بوضع أسس هامة لمكافحة الإفلات من العقاب، وتزايدت حدة هذا التوجه عقب قضية بينوشي، مما أدي إلي ظهور ما يمكن أن يطلق عليه الآن حركة عالمية لمكافحة الإفلات من العقاب ضمت في صفوفها عددا من المنظمات الحقوقية غير الحكومية، وضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم، وقد واجهت هذه الحركة عدة تحديات في تحفيز المجتمع الدولي علي وضع آليات لضمان المساءلة الفردية عن الجرائم بمقتضي القانون الدولي.إن انضمام عدد من الدول لمعاهدات دولية حول حقوق الإنسان ونصوص لمعاقبة مجرمي الحرب ومقترفي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أصبح يوفر اليوم منظومة مرجعية أساسية في مكافحة ظاهرة الإفلات من العقاب.تنص المادة الثامنة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان علي أن لكل شخص حق اللجوء إلي المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه الفعلي من أية أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون .وتنص الفقرة الثالثة من المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية علي أن تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد: أ ـ بأن تكفل توفر سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في هذا العهد، حتي لو صدر الانتهاك عن أشخاص، يتصرفون بصفتهم الرسمية.ب ـ بان تكفل لكل متظلم علي هذا النحو أن تبت في الحقوق التي يدعي انتهاكها، سلطة قضائية أو إدارية أو تشريعية مختصة، أو أية سلطة مختصة أخري، ينص عليها نظام الدولة القانوني، وبأن تنمي إمكانية التظلم القضائي.ت ـ بأن تكفل قيام السلطات المختصة بإنقاذ الأحكام الصادرة لمصالح المتظلمين.هذه الفقرة تتضمن القاعدة الدولية الأكثر صرامة في مكافحة الإفلات من العقاب، حيث تضع بكيفية منهجية آلية لمكافحة الإفلات من العقاب، تتضمن حق التظلم بالنسبة للضحايا، وواجب الدولة في إلزام السلطات المختصة بالبت في هذا التظلم، ثم واجب الدولة بإنفاذ الأحكام الصادرة لصالح المتظلمين.وفي اتفاقية مناهضة التعذيب نجد المادة الرابعة، تنص علي أن تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي، وينطبق الأمر ذاته علي قيام أي شخص بأي محاولة لممارسة التعذيب، وعلي قيامه بأي عمل آخر يشكل تواطؤا ومشاركة في التعذيب، وأن تجعل كل دولة طرف هذه الجرائم مستوجبة للعقاب بعقوبات مناسبة تأخذ في الاعتبار طبيعتها الخطيرة .وفي مادتها السادسة تنص الاتفاقية علي أن تقوم أية دولة طرف، باحتجاز شخص موجود في أراضيها يشتبه أنه اقترف جرما مشارا إليه في المادة 4، وتقوم هذه الدولة فورا بإجراء التحقيق الأولي فيما يتعلق بالوقائع .من جهة أخري نجد الإعلان الخاص بالحماية من الاختفاءات القسرية ينص في مادته الرابعة علي أن الاختفاء القسري يشكل جناية بالغة الخطورة ويضيف في مادته التاسعة علي أنه إزاء هذه الجناية يتم إعمال الحق في اللجوء إلي مسطرة قضائية استعجالية وفعالة وفي المادة 12 ينص علي واجب الدولة في السهر علي إقامة مراقبة صارمة لتحديد المسؤوليات التراتبية ذات الصلة وفي المادة 17 يعتبر الاختفاء القسري جريمة دائمة وهي إ شارة بالغة الأهمية في تأكيد عدم تقادم جريمة الاختفاء القسري.و في سنة 1993 نص إعلان وخطة عمل فيينا الصادران عن المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان، علي واجب الدول في إلغاء القوانين التي تضمن عمليا إفلاتا من العقاب للأشخاص المسؤولين عن اقتراف انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان كما هو الشأن بالنسبة لأفعال التعذيب، ويتعين علي الدول متابعة الجناة عن هذه الانتهاكات .هذه المعايير تعطينا فكرة عن سعي المجتمع الدولي إلي وضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب في إطار القانون والعدالة، حيث يضمن القانون الدولي حقوق الضحايا والجلادين علي السواء، فنجد المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص علي أن لكل إنسان علي قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظرا منصفا وعلنيا، للفصل في حقوقه وفي أية تهمة جزائية توجه إليه .في هذا السياق أيضا يأتي انعقاد ندوة بروكسيل لمكافحة الإفلات من العقاب في شهر آذار (مارس) 2002 تحت إشراف وزارة الشؤون الخارجية البلجيكية و الائتلاف من أجل المحكمة الجنائية الدولية ، وقد انبثقت عن هذه الندوة مجموعة بروكسيل من أجل العدالة الدولية التي بلورت عددا من المبادئ المستوحاة من القانون الدولي حيث اعتبرت أن الإفلات من العقاب يشكل إغفالا وإسقاطا لواجب التحري والمتابعة والمحاكمة لأشخاص ماديين ومعنويين مسؤولين عن اقتراف انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني، بما فيها من جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة والتعذيب، وركزت علي امتداد مفعول الانتهاكات الجسيمة خارج التراب الوطني الذي ارتكبت فيه، مصنفة مقترفي الانتهاكات بمثابة أعداء للإنسانية، ومدرجة مكافحة الإفلات من العقاب في صلب النضال من أجل العدالة الدولية ومن صميم مسؤولية المجتمع الدولي، كما أنها سهرت علي إشراك الضحايا ضمن استراتيجية مندمجة لحماية حقوقهم المتمثلة في الحق في العدالة وفي متابعة ومحاكمة الجناة محاكمة جنائية، والحصول علي تعويض ملائم عن الضرر، بالإضافة إلي مبادئ أخري تخص إسقاط الحصانة وصفة التقادم، وواجب الطاعة، وإجراءات العفو والصفح التي لا يمكن أن تبطل واجبات الدولة بمقتضي القانون الدولي في ما يخص التحري في الجرائم الخطيرة وتقديم المجرمين للعدالة، والتعاون الأمني والقضائي علي الصعيد الدولي.إذا كان التحدي الأساسي بالنسبة للحركة العالمية ضد الإفلات من العقاب يتمثل في التركيز بصورة أكبر علي المستوي المحلي وضمان قدرة المحاكم المحلية وغيرها من الأجهزة علي أداء مهمتها في تحقيق العدالة، فإن التجارب الدولية للحقيقة والإنصاف واجهت أسئلة شائكة فيما يخص التعامل مع ظاهرة الإفلات من العقاب، ومن أبرز هذه الأسئلة ما يتعلق باحترام سيادة كل دولة في منح العفو كأداة يمكن أن تعتبر ضرورية لتهدئة الأوضاع السياسية وتسهيل الانتقال نحو الديمقراطية، ويمكن أن تعتبر كذلك تعطيلا لمفهوم الحقوق غير القابلة للتصرف، وعلي رأسها الحق في تحريك الدعوي ضد الجناة والحق في التمتع بالعدالة والإنصاف.سؤال يواجه التجربة المغربية التي تريد طي صفحة ماض كانت الدولة خلاله تعاقب المجتمع دون محاكمة، وذلك عبر صيغة ضمنية تريد اليوم محاكمة الدولة دون معاقبة.ہ كاتب من المغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية