انتهى الدرس.. قراءة هادئة لما يجري في مصر

حجم الخط
0

صلاح المراكبيأشهد اننا نعيش في مصر حالة من الخلل العقلي والتخبط السياسي، وفقدان الرؤية بين عامة المصريين، وهو ابرز ما تركته نظم الحكم العسكرية في حياة الناس منذ عام 1952 حتى اليوم مع اختلاف بينها في بعض التفاصيل واتفاق كامل في الهدف، وهو الإمساك بمفاهيم جاهلة، تستحق السخرية تقول:

ـ اهل الثقة احق من اصحاب الخبرة.. و’الثقة’ هنا ليست هي الصدق والامانة، كما ان ‘الخبرة’ ليست التآمر والخيانة ولكن هي ان يكون كمال الدين حسين احق من الدكتور طه حسين.

من ايامها سقط كل شيء: التعليم، والصحة، والاقتصاد والسياسة الخارجية لأنه بسقوط الحرية، ومصادرة الرأي، تصبح الرؤية امنية لحماية اصحاب الرأي الواحد، ومن سوء الحظ ان هذا الرأي الأوحد ليس حزبا سياسيا، ولكنه قوة مسلحة، فقدت مع مرور الزمن مهمتها الاساسية في حماية الوطن من ألد اعداء الوطن والعرب وهو اسرائيل، بعد ان اصبح صديقا، واصبح رمزها في الجيش والسلطة معا هو كنزها الاستراتيجي، وليس مجرد صديق مخلص وكم هو هذا الكنز الاستراتيجي الآن هانئ وادع وواثق آمن لأن المسيرة على الخط تلتزم ولا تحيد.

المفاسد والاكاذيب والقتل والمعتقلات في حياة شعبنا المسكين لستين عاما تركت أثرها في حياتنا الى اليوم، ما بين مشارك مستفيد، او مهاون خانع، او مضطر ضعيف، او مستسلم له مبرراته، او مكتئب مريض، او متحايل ساخر، او رافض متململ وكل نوع من هؤلاء ينقسم الى عشرات الانواع تتسع وتتزايد مع الوقت حتى اصبحت مصر اكثر الدول العربية تعقيدا في مجال الفساد، واشدها عمقا في متاهاته، ووصل الأمر برؤوس الفاسدين الى شعورهم بالزهو والشموخ وهو شعور كان حقيقيا بالفعل فقد كانوا يفعلون ما يريدون، ويخترعون من اساليب التسلط والقهر والنهب دون ان يقف في طريقهم ما يعوقهم عن الاستمرار والمزيد الذي لا يتوقف ولهذا انخلع قلب هذا الشموخ فسقط سقط كما تسقط الحبة التي تعفنت وتفسخت لأول لمسة من شباب هو قمة الوعي والشرف والوطنية لمجرد وقوفهم يقولون: ارحل فسقطت الرأس.

وأسألكم: هل رأيتم فيما رأيتم في صفحات التاريخ، او صفحات التجارب العلمية، رأسا يسقط وبقى الجسد حيا؟ صحيح ان الجسد يظل يجهل ويتخبط كما كانت الرأس تجهل وتشمخ ولكن الى نهاية.

واختصر فأقفز الى آخر ما توصل اليه هؤلاء الجاهلون الذين ربما يراهنون على بساطة افكار شعبنا المسكين فهم يؤمنون بما يقوله ويريده شباب الثورة لكنهم يقفون امام الذين في الميادين بكل قوة يقتلونهم بالرصاص والعصي والغاز والسموم فهم مندسون مأجورون من الخارج.

ولا ادري اي خارج يقصدون؟! فاذا كان المقصود: الولايات المتحدة واوربا ودول الخليج واسرائيل فهؤلاء جميعا يقفون مع استمرار ما هو مستمر من قوى تريد قتــل الثورة والثوار من مصر.. لقد أصيبت الولايات المتحدة بالفزع من الحركات الثورية العربية، وكانت اكثر فزعا من الثورة في مصر، وحرصا على اسرائيل، وعلى المخزون النفطي في الخليج، فلما تلقت كل ما يطمئنها بأن كل شيء كما كان هدأت الامور ووافق الكونغرس على استمرار ما يدفعونه سنويا لمن قدم لهم الامن والامان اطمئنانا على الكنز الاستراتيجي لاسرائيل كما اطمأنت دول الخليج لتبدأ في تقديم الدعم المادي ليجد المسؤولون في مصر القدرة على ترضية المطالب الفئوية، اسكاتا للبطون الجائعة ليكون الفضل شكرا للجالسين على الكراسي الهشة.. نقرأ بإختصار ما حدث في الاسابيع الاخيرة من انتخابات وتشكيل وزارة ثانية ستنتهي عملية الانتخابات قريبا ويلتقي الجميع في مجلس الشعب فيما عدا شباب الثورة وسيكون ‘الاسلاميون’ هم الأعلى صوتا والاكثر ضجيجا واشغالا للناس في هذا المجلس وهو امر مطلوب ومرغوب وقد جاء بنصيحة امريكية هذا نصها:

ـ بعد احداث 11 ايلول/سبتمبر يجب الا نترك الذين فعلوها يستمرون في كهوفهم وحظرهم لنفتح لهم الابواب ونبوئهم بعض ما يريدون فيصبحون امامنا نسمح لهم ونلاعبهم بالعصا والجزرة ولندخل معهم سلفيون وقارئوا الكف وضاربوا الدفوف والزار واصحاب الفتاوى فوجود كل هؤلاء في الضوء واطلاق مزاميرهم وفتاواهم بمدارس خاصة وحافلات خاصة وربما شوارع خاصة للنساء يشغل الناس ويعطي الفنانين ورسامي الكاريكاتير والصحافة والفضائيات ألعابا جديدة، كما ان ذلك يساهم في الهجوم على الاسلام نفسه الذي هو العدد الاول للغرب.

انني اقدر دور الاخوان المسلمين خلال الاربعين سنة الاولى من ظهورهم، سواء على المستوى التربوي او الفــــكر السياسي، لكنهم يبدو من طول فترات اضطهادهم قبلوا ادوارا اساءت اليهم وهم يدفعون ثمنها اليوم بالتحالف مع النظام القائم ثمنا لعودتهم.

النصيحة الثانية والهامة التي قدمها الامريكان، ولم يأخذ بها محمد حسني، بل اعتقد ان العكس هو الصحيح، هي العمل الدائم على كثرة تغيير الوجوه في وظائف الدولة العليا، فهذا يجعل النخبة واصحاب الطموح في وضع المنتظر والمتوقع لفرصة الفوز، ومتعة السلطة ويظل الحاكم الفرد محاطا بآمال الجميع في نيل الرضا.. ويصبحون كأنهم ‘كوتشينة’ في يديه، يختار ويبدل، ويصل ويمنع، ويعطي ويحرم، ويربط ذلك بقدر الامكان برضا الجماهير ورفضها، كأنه يستجيب لهم، ويعمل لرضاهم.

وهذه النصيحة التقطها المجلس العسكري بينما يطبقها وينجح فيها منذ عقود سادة الاردن: الملك حسين وولده عبد الله لكنها واحدة من الالعاب التي انتهت.

ولعل الجهلة من رجال الدين والذين نشطوا يفتون بأن الذين ماتوا في وقفاتهم التظاهرية ليسوا شهداء لأنهم ألقوا بأيديهم الى التهلكة، وهي فتوى تدعو الى السخرية، فنحن نحكم بأنهم شهداء من خلال الهدف الذين خرجوا له، والفداء الذي هتفوا به والحديث الشريف الذي يتجاهله هؤلاء ليشير الى ان من مات دون ما له فهو شهيد، ومن مات دون عرضه فهو شهيد.. اما التهلكة ايها الجهلاء الخونة فمن الذي يملك ادواتها؟ ومن الذي يطلقها قصدا واصرارا لقتل شباب قدموا ارواحهم فداء للوطن، وصدا للظلم!

؟.

هؤلاء الشهداء لم يموتوا’انهم كما قال الله تعالى’: ‘ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله اموات بل احياء ولكن لا تشعرون’ البقرة 154انهم قتلوا في ظاهر الأمر، ولكنهم احياء. ومعنى ‘الحياة’ انها فاعلية ونمو وامتداد ففاعليتهم في نصرة الحق الذي قتلوا من اجله مؤثرة ومستمرة ومتحركة، فهم يظلون عنصرا نقالا دافعا مؤثرا في تكييف الحياة وتوجيهها كما يقول المفسرون. انهم كما يقول تعالى: ‘ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم الا خوف عليهم ولا هم يحزنون’ آل عمران 170انهم يقولون للذين لا يزالون يواجهون ويتعرضون للخطر، لا تخافوا ولا تحزنوا.. فهم يتابعون ويتفاعلون مع المواجهة، ويدركون انه لا خوف ولا حزن، لأنه النصر.. باذن الله.

ان صورة الوضع في مصر الآن واضحة وصارخة فقد انتهى الدرساقولها للاغبياء الذين يراهنون على بساطة الشعب وضغوط حاجاته اليومية ان عليهم ان يصارحوا الشعب بالإجابة على هذه الاسئلة التي اعرف انها ساذجة لأن الاجابة عنها معروفة وصارخة:

ـ من الذي دبر ويسر وفتح الميدان لوقوع معركة الجمل لقتل الناس؟

ـ من الذي جمع رموز الفساد ليتحفظهم آمنين في شرم الشيخ وطره؟

ـ من الذي اعطى الشرطة اعفاء واجازة مدفوعة وفتح ابواب السجون واطلق المجرمين، لإشاعة الرعب في حياة الشعب الذي خدعوه بأنهم يحافظون ويحمون ثورته؟

ـ من الذي يسر وسمح بخروج مليارات الدولارات لرموز الفساد السياسي ورجال الاعمال، ليصبح الافلاس اعلانا وفضيحة مدوية؟

ـ من الذي اقام مسرح المحاكمات الساخرة وجعله مسلسلا يشغل به الناس حتى ملوه ولم يعودوا يجدون به ما يصدق او يقنع؟

ـ من الذي يستقوى بالولايات المتحدة التي تدفع لهم اكثر من ملياري دولار كل سنة ويحصل على المساعدات العلنية والسرية من دول الخليج التي تعيرهم خط دفاع يحميهم من امتداد الثورات الى بلادهم؟

ـ واخيرا من هم الذين يمثلون الشعب المصري اذا لم يكن يمثله شباب التحرير، ولا مجلس الشعب، ولا المجلس الاستشاري، ولا الاحزاب الورقية؟ أليسوا هم كما يشيرون؟!. لقد انتهى الدرس، واتضح الامر، ويجب ان تتوقف الاذاعات، وتجف الاقلام فالمعركة الآن هي بين من يمثل الشعب المصري مستعينا بالله القادر العادل الجبار، ملتحفا بأرواح الاحياء الشهداء التي تلهب دماؤهم الزكية الارض والهواء وبين الذين جاءوا استمرارا وبديلا لمن كان ولما كان.. فاذا كان الاصل قد سقط فهل يبقى البديل، الذي لا يملك الا الكذب والخداع والقتل؟ سؤال لن يطول الانتظار للاجابة عنه.

لقد صدعوا رؤوسنا بأنهم يريدون ان يسلموا السلطة لدولة مدنيةوأنهم يحمون الثورة.. ان الدولة المدنية تقتضي ان يمارس كل مواطن عمله الذي يمتهنه فهل قتل الثوار حماية للثورة؟ وهل استخدام البلطجية وحماية القتلة والفاسدين وتأمين رئيسهم واعوانه دليل على انهم سيعودون الى مهنتهم، ويسلمون الامانة لمن يحملها ويؤديها، ارساء لقيم الحق والعدل خدمة لهذا الشعب الذي عانى ستين عاما من القهر والفقر والنهب؟.

لقد انتهى الدرس وكشفوا عن اهدافهم ولعلهم لا يدركون ان تيار الثورة كاسح، وان ما حولنا في تونس وليبيا وسورية واليمن يصفع الواهمين بأن اطفاء سطوع الشمس ممكن.. فالمنطقة العربية كلها تستيقظ وحتى الذين لم تصلهم الثورة يرتعدون نعم لقد انتهى الدرس.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية