خالد منصور
كنا نتحلق حول التلفاز كدأبنا كل ليلة- وكدأب كل فلسطيني علي هذه الارض.. كان الصمت يخيم علينا.. منفعلين بشكل لافت.. واعصابنا مشدودة.. وكنت شخصيا مهيأ لالطم وجه اي فرد من افراد اسرتي لو تكلم او احدث ضوضاء وشوش علينا الهدوء.. الحزن كان باديا علي الجميع.. والعيون متحجرة لهول ما كنا نري من مناظر تقشعر لها الابدان في ارض قطاعنا الحبيب.. جثث في الممرات ودماء علي الارض والجدران.. جرحي يئنون في الطرقات وتدوسهم نعال اولئك المسلحين المقنعين ـ شديدي السواد ـ وكانهم الغربان.. يطلقون النار في كل الاتجاهات ـ علي الابواب والشبابيك.. علي السيارات وعلي كل شيء يتحرك.. واصواتهم تتعالي، وقهقهاتهم المجنونة تصدح في كل الارجاء.. وفي لحظة ما ولبشاعة المشهد فكرت انني اشاهد احد افلام الاكشن الامريكية.. افلام الرعب وعصابات المجرمين.. لكن الجريمة كانت ساطعة، فالصورة بالمكان والشخوص واضحة.. وموضوع الشريط كان اقتحام قوات التنفيذية وكتائب القسام لمقر الامن الوقائي الفلسطيني في مدينة غزة، وليس اقتحام موقع عسكري صهيوني.. والمذهل حقا ان المقتحمين سجدوا علي الارض.. وصلوا عندما انجزوا مهمتهم.. واجهزوا علي كل من كان من عناصر الامن الوقائي في المقر.. وزادنا الما صوت سامي ابو زهري القائد الحمساوي الكبير، الذي جاء ليعلن بعد ذلك انتصار حركته المحقق.. ويقول: لقد حررنا غزة للمرة الثانية ممن نعتهم بقطعان الفتحاويين والاجهزة الامنية.. عندها انحبست الكلمات في افواهنا، وانحبست الدموع في اعيننا.. واطرقنا برؤوسنا جميعا ـ انا وزوجتي وابنائي الاربعة ـ وسيطر الوجوم علينا، والف سؤال وسؤال كادت تفجر ادمغتنا.. امعقول ما نري ونشاهد ام ان ما نراه ونسمعه خيال بخيال.. ؟ وهل هذا يجري حقا في غزة الفلسطينية ام انه في العراق او في الصومال.. ؟ هل هذه هي حماس الاصلاح والتغيير التي حصدت اصوات الناخبين حصدا.. ؟ وهل هذه هي كتائب القسام التي وعدت شعبها بالتحرير وقدمت الشهداء قوافل علي طريق الحرية.. ؟ الهذه الدرجة كان المقاتلون محتقنين بالحقد علي اخوانهم ورفاق دربهم.. ؟ الهذا المستوي تمكنت الكراهية من نفوسهم وولدت لديهم الاستعداد لاهراق دم الآخر الفلسطيني.. ؟ ماذا تريد حماس واي مشروع تنفذ.. ؟ هل انجزت المشروع الوطني التحرري الذي وعدت به.. وحانت اللحظة التي كانت تنتظرها وتخطط لها منذ ولدت لتقيم امارتها ومملكتها الخاصة.. ؟ واي اسلام هذا الذي يبيح القتل والحرق والتدمير وارهاب الناس.. ؟ واي صورة سيحملها عنا العالم بعد ان رآنا كالوحوش نوغل بدماء بعضنا البعض.. ؟ وما ان انتهي عرض المشاهد المفزعة حتي انهال علي ابنائي بالاسئلة.. هل ما نشاهده يعني اننا لن نتمكن من الدخول الي غزة مستقبلا الا بتأشيرة دخول ـ وكاننا سنصبح مواطنين من دولة اخري.. ؟ وهل حلمنا بالتحرير واقامة الدولة الواحدة الموحدة قد تبخر.. ؟ وهل سيكون لشعبنا الفلسطيني دولتان واحدة لحماس واخري لفتح.. ؟ اسئلة كثيرة اثارتها تلك المشاهد المرعبة الآتية من غزة، ولم يكن بمقدوري تقديم الاجابات الشافية علي الكثير منها، فاستنجدت بكل ما اعرفه عن تاريخ فلسطين ـ وغزة بالتحديد ـ وبكل ما اكنه لغزة من الحب.. استنجدت بما اعرفه من تاريخ الحقب السوداء في تاريخنا العربي القديم والمعاصر، وبسير الطغاة والغزاة الذين مروا علي هذه الارض، وبتاريخ الحركات الاصولية والمتعصبين.. وحاولت ان اخفف قدر المستطاع من شدة الصدمة التي اصابتهم، وتسببت في زعزعة قناعاتهم بكل ما تعلموه عن وحدة الوطن ووحدة الشعب ووحدة الفصائل ووحدة المصير والهدف.. تحدثت عن غزة هاشم عن الشجاعية والرمال.. عن عمر المختار والوحدة.. عن القلعة التي حلم عتاة الصهاينة وقادتهم يوما ان يبتلعها البحر ـ كي يرتاحوا منها لانهم عجزوا عن ترويضها وارضاخها ـ وكيف كانت وظلت جذوة الثورة التي لا تنطفئ، واستمرت تقاوم وتصمد وتتصدي وتصبر علي المآسي، رغم فقرها وبؤسها وجوعها، وحصارها الممتد عبر كل الازمان.. تحدثت عن الفدائيين وعن جيش التحرير، وعن معجزة جباليا ومخيمات اللاجئين حصون الثوار.. تحدثت عن اسطورة رفح الصامدة وعن خانيونس ودير البلح وبيت حانون وبيت لاهيا وعبسان عن الشاطئ والمغازي والبريج والنصيرات والشبورة.. وكيف ان كل موقع وموطئ قدم في تلك الاراضي ظل يقاوم ويدفع ضريبة الدم كي تتحرر فلسطين.. تحدثت عن محمد الدرة وفارس عودة وهدي ابو غالية.. عن معين بسيسو وغيفارا غزة وعن ابو جهاد والشيخ احمد ياسين.. وعن آلاف الشهداء والقادة الذين استبسلوا وقاوموا الطغاة.. وسقطوا علي ارض غزة ليخضبوا ثراها الطاهر بدمائهم الزكية.. وقلت لهم والدمع يكاد ينهمر من عيني.. يا ابنائي انها غمامة صيف سوداء، وحتما ستزول من سمائنا، وغزة باقية فينا كما نحن سنبقي فيها.. غزة لنا ارض فلسطينية وشعب فلسطيني.. جزء عزيز من حلمنا الكبير، الذي رسمناه كلنا منذ زمن بعيد، وسيتحد جناحا الوطن ـ قطاعه وضفته ـ ليشكلا البداية للحلم الاكبر.. فلسطين.. يا ابنائي غزة ستصمد وستهدأ امواج الشر وتتكسر علي صخور شواطئها.. وسينحسر الطوفان الذي اراد ابتلاعها.. فشواطئ غزة اقوي واشد من كل العواصف.. ورجال غزة احرار ميامين، وهم لم ولن يطأطئوا هاماتهم، ونساء غزة كما عهدناهن في بيت حانون ـ لن يلدن الا ابطالا احرارا.. واطفال غزة كلهم فوارس علي صورة فارس عودة ـ ومن يكن قدوته فارس عودة فهو حتما سيظل مثل الحصان البري من الصعب ترويضه.. غزة ستلفظ الانقلابيين وستجبرهم علي الاعتذار عما اقترفته ايديهم، وما سنوه من سنن تتناقض مع ما يتفق عليه الجميع في بلادنا.. ولن تقبل منهم اي تبرير لما حصل علي ارضها من جرائم وانتهاكات.. والي ان يحصل ذلك.. لا بد لنا ـ بل وعلينا دين ـ ان نقف مع اهلنا اخوتنا الغزيين.. وقفة صلبة متينة نساعدهم فيها علي تجاوز المحنة.. ومنع تجويعهم واغراقهم بالدم.. وهو ما يخطط ويعد العدة له اعداء شعبنا ومحتلو بلادنا الغزاة الاسرائيليون.ہ كاتب من فلسطين8