د.عبد الكريم مرّاح ظهر الشاعر الجزائري ابراهيم قرصاص في أول ديوان شعر الكتروني ينفرد به الشعر الجزائري في العالم الرقمي، بمثابة خلاص جديد ومختلف تماما عن غيره من الملفوظات الشعرية العربية، ليس لأنّ صاحب الديوان هو أول شاعر جزائري ينشر إنتاجه الشعري الكترونيا، فهذا الأمر أتاحته التكنولوجيا لجميع المبدعين ولكن لأن ديوان ابراهيم قرصاص مغاير من حيث المفاهيم الشعرية الجديدة ـ الجديدة حتى بالنسبة لشعراء الحداثة -، فمن أول وهلة يعلن الشاعر قرصاص أنّ نصوص ديوانه الالكتروني ‘لا تهدى ولاتردّ’، بمعنى أنه أنهى تقليدية طويلة الأمد في صفحات الإهداء التي جرت عليها العادة عند الكتّاب والشعراء والمبدعين وهم ينشرون إبداعاتهم الورقية أو حتى الالكترونية، ناهيك عن أن ّ هذا الديوان ليس شعرا خالصا، كما عرّفتنا به كلّ دواوين الشعر ولكنه حسب نظرية الشاعر قرصاص الذي اختار المغامرة بإقحام الفكر والسياسة والدين في الشعر ـ طبعا ليس على طريقة الأغراض والأنواع الشعرية المعروفة (شعر سياسي أو شعر ديني أو مدح وهجاء، كما جرت عليه القصيدة العربية)، لذلك نقرأ في صفحة التصنيف هذه العبارة:’كأنّه الشعر’ وليس ديوان شعر . ماذا تريد أن تقول قصيدة قرصاص؟ الذي يقرأ هذا الديوان الالكتروني سيجد نفسه في نهاية المطاف قد تخلّص نهائيا من عبء الأزمة النفسية والذهنية التي لازمته طويلا وهو يقرأ للشعراء العرب ـ منذ شعراء النكسة العربية إلى اليوم ـ ‘هذا ليس مجاملة للشاعر قرصاص’ لأنك حتى لو أردت مجاملته فإنه كشاعر لا يقبل منك المجاملة وهو كذلك كإنسان لا يحب المجاملة ويعتبرها خدشا لضمير الإنسان وإعاقة مزمنة لازمت الشعر والشعراء في المنابر ‘ ولذلك جاءت العبارة الشعرية عند هذا الشاعر الجزائري جديدة تماما ـ حتى على النفس الشعري، فاسمع ماذا يقول :- الخيال، رأسمالية الفقراء يمشون حفاة على أرصفة الشيراطون.فهو ينتقل بالحكمة إلى الشعر وبالسياسة إلى الحكمة وبالنقد إلى العقل، رغم أن كلّ عبارات الديوان صادمة، لأنه يؤمن بمقولة ‘العلاج بالصدمة’، بعد أن تأمّل طويلا حركة الواقع الإنساني من حوله وإفرازات وجودية التاريخ ومآثر البشرية التي تركتها الحفريات، لذلك فإن العبارة الشعرية عند الشاعر ابراهيم قرصاص واضحة ـ ليس كوضوح الشمس طبعا ـ ولكن كوضوح الشاعر وشفافيته في لحظة غموض هذا العالم، الذي فاجأ إنسان التكنولوجيا بمقدرته على إحياء اللقاء بين الحضارات وبين المعايير الأخلاقية والعقائدية بين بني البشر وهذا ما أجده ـ أنا القارئ ـ في ابراهيم قرصاص المبدع وهو يقول مرّة أخرى :لم تعد القصيدة تلد الرجال كما كانت تفعل صحراء العرب.كما هو واضح وجليّ أن ّ القصيدة العربية الحداثية لم تجرؤ على قول ما قالته قصيدة قرصاص حتى اللحظة، لتورّطها في الغموض الجبان ـ حسب تعبير قرصاص- وانكماشها في تقليدية النسق الوثني القديم، مما أفرز وثنيات جديدة بقيت تربك الشعر العربي بمسمياته التقليدية في الشكل والمضامين، فيبدو ابراهيم قرصاص الشاعر متجاوزا /أو/ ابن بيئة التجاوز، لذلك فهو لا يحفل بالنعرات ولا يحبّ ترديد ما قد قيل، فانظر مثلا هنا ماذا يقول :ليس عيب أن تنكح الريحالعيب أن تستبق الأحكام.فهو قد خرّب ما كان يجب تخريبه وأعاد بناء حقيقة الذوق كما كان في مجراه الابداعي الخلاّق الأول، لذلك فإنّ قراءة واحدة لهذا الديوان الالكتروني ستبقيك منتشيا بقراءته بما هو حلال في مخيلتك العقائدية وبما هو حرام أيضا في مخيلة القارئ الآخر، هو كأنه شعر وكأنه فلسفة وكأنه معارضة سياسية وكأنه دين وكأنه أيديولوجيا، لذلك سأختم بإحدى العبارات الشعرية لهذا الديوان الذي يمكن قراءته بأكثر من لغة وبأزيد من منهج، لأننا كقراء لا نصادف الابداع باستمرار ونحن في طريقنا في الحياة أو حتى أثناء عودتنا منها وفي هذا أسمع الشاعر قرصاص وهو يقول بعظمة لسانه في إحدى صفحات الديوان هكذا :رأس سكّير في كلّ الأجواءانقر ـ فقط ـالتسلية ليست شماليةفكلّ الجنوب أهواءحتميّة ‘آينشتاين’ والضّحك عادة قوميّة شعواءفلا تهتمّ كثيرا مع إليساوآخر المصريين والسّخريات البطولية على الفضاء.انقر ـ فقط ـلا تعارض هذه الأنباءهذه الدّودةأميريّة على بساط الجلساءوهو ‘البروفايل ‘نعت موصوف بملايين التعساءفي خرقة الأرضتعب ينتشي بالبذاءةوالتعرياتفهكذا يبصم الشّرفاء.