رام الله- “القدس العربي”: تطغى أخبار سقوط الأمطار وتفاصيل المنخفض الجوي الجديد بعد انقطاع طويل في فلسطين المحتلة على أخبار وصول مسؤول السياسة الأمريكية الخارجية أنتوني بلينكن ولقائه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
ويبدو أن زيارة بلينكن، بعد زيارة مسؤولين أمريكيين رفيعين، قبل أيام، ليست بالحدث المهم بالنسبة لشريحة واسعة من الجمهور الفلسطيني، فيما هطول المطر بعد توقف طويل قارب الـ 40 يوماً شكّل انتعاشة لقلوب الفلسطينيين، وتحديداً قطاع المزارعين الذين يعتبرون الفئة الأبرز في المجتمع الفلسطيني.
وحل بلينكن في اليوم الأخير من “المربعانية” (يوم أمس) ضيفاً على المقاطعة في رام الله، فيما بدأ اليوم ما يعرف بـ “خمسينية الشتاء”، التي تمتاز بمطرها وتقلب جوّها أيضاً.
وبحسب مزارع ساخر تحدثت معه “القدس العربي” فإن سقوط المطر في يوم قدوم المسؤول الأمريكي منح زيارته واجتماعه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس أهمية أكثر من قيمة الاجتماع ومخرجاته.
ويعتبر المطر بمثابة الفعل المنتظر في فلسطين، التي مرت بظاهرة انحباس مطري شديد خلال الفترة الماضية.
ولا ينخرط مزارعون في مناطق غور الأردن بنقاشات سياسية، لكن فرحتهم بالمطر تجعلهم يسخرون ويضحكون من زيارة المسؤول الأمريكي، في ظل أنها لن تغير من طبيعة واقع مناطقهم الزراعية الشاسعة التي تتعرض لأكبر عملية استهداف بالاستيطان.
وبعيداً عن السياسة وأحاديث النخب السياسية الفلسطينية، وضمن مشروع ” تراثي هويتي”، أصدرت مؤسسة عبد المحسن القطان مقطوعة غنائية تراثية حملت اسم “إمبو.. إمبو”، وتعكس حالة تمني الفلسطينيين للمطر، تماماً مثلما يفعل الطفل الصغير عندما يطلب الماء من والديه.
تقول مقاطع الأغنية الحديثة، وهي فكرة وكلمات كل من محمود أبو هشهش وعامر شوملي:
“إمبو إمبو يا ربي إمبو إمبو يا ربي/
خبزي قرقد بعبّي/
إمبو إمبو يا ربي خبزي قرقد بعبي/
حطيته تحت الجرّة يالله رحمتك يالله/
إمبو إمبو يا ربي خبزي قرقد بعبي/
حطيته تحت الإبريق يالله يا بلول الريق/
إمبو إمبو يا ربي خبزي قرقد بعبي/
يا ربي يا ربنا تبعت شتا لزرعنا/
إمبو إمبو يا ربي خبزي قرقد بعبي/
يا ربي ما تواخذنا كلو من مشايخنا/
إمبو إمبو يا ربي خبزي قرقد بعبي/
مشايخنا هالكبار ربي تحرقهم بالنار”.
وموسيقى الأغنية، التي تعكس شوق الفلسطيني للمطر، وتمنيه نزوله، من تأليف فارس شوملي، وهي من غناء كل من حنة الحاج حسن، عطا خطاب، شادي وراسنة، فارس شوملي، زينة زعرور.
واستندت الأغنية إلى أغان شعبية، مصدرها الحاجة ثريا خروب، من قرية حبلة بقلقيلية، حيث زوّدت القائمين عليها بأغانٍ تراثية قديمة حول الاستسقاء، كما أنها استندت بتأليف كلماتها إلى كتاب توفيق كنعان “مقامات الأولياء ومزاراتهم في فلسطين” (1927).
وخلال أربعين يوما بالتمام والكمال صلّى الفلسطينيون عشرات المرات صلوات الاستسقاء، فيما كان تأثير انقطاع الأمطار على مزروعاتهم الحقلية بشكل مباشر، الأكثر حضوراً.
وتمتد مربعانية الشتاء بين الفترة الممتدة من صباح يوم 22 كانون أول لغاية مساء يوم 31 كانون ثاني، والتسمية جاءت من عدد أيامها الـ40 والتي تعتبر أشد أيام السنة برودة ومطراً حسب الموروث الشعبي.
وبحسب ما كتبه الباحث خالـد أبـو علي فإن “مربعانية الشتاء” تبدأ من موعد الانقلاب الشتوي، لغاية نهاية شهر يناير/كانون الثاني، ولكن على أرض الواقع فإن هذه الفترة قد تكون أقل أو أكثر من ذلك حسب الأنظمة الجويّة السائدة.
واستعاد الفلسطينيون، خلال الفترة الماضية، عدداً كبيراً من الأمثال القديمة التي لخصت بدورها واقع الحال، وكان من أبرز ما تم تداوله: “المربعانية يا بتشَرّق يا بتغـرّق”، ما يعني أن المربعانية إما أن تكون جافة بفعل الرياح الشرقية، أو تكون مطرًا مُغرِقًا بفعل الرياح الغربية. وعادة يرى الفلاحون أنه إذا بدأت المربعانية بالمطر فإن الموسم سيكون سنة خير، وإذا بدأت برياح شرقية فهي سنة محل.
وخالفت المربعانية هذا العام كل توقعات الفلسطينيين وتمنياتهم، فقد اعتادوا أن تبدأ بالعواصف الرعدية والأمطار الغزيرة والبرد الشديد.
ومن الأمثال الأخرى “المربعانية، يا بتربِّع يا بتقبِّع”، و”المربعانية، يا شمس تحرق يا مطر تغرق”.
وبحسب أبو علي فإن بداية المربعانية عند أجدادنا وضمن أعرافنا الاجتماعية والتقليدية ارتبطت بذكريات وتجارب الأجداد حول قدوم البرد والأمطار الأشد على مدار العام، وعلى مدى أربعين يوماً، وهو أمرٌ يتّفق مع العلم الحديث حيث تعمل الزاوية التي تدور بها الأرض بعد هذا التاريخ على ازدياد عدد ونشاط المُنخفضات الجوية التي تؤثر على منطقة بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية خلال هذه الفترة.
وبحسب فرح صوافطة، الخبير في قطاع المياه، فإن مربعانية هذا العام هي من أكثر المربعانيات جفافاً في حدود ما يتذكر.
وفي ما يتعلق بمعدل الهطول قال، في حديث صحافي، إن نسبة الهطول لم تتجاوز الـ25% من المعدل السنوي للهطول، و50% من المعدل السنوي في مثل هذا الوقت من العام.
وشدد صوافطة أن الأربعين يوماً كانت فيها الرياح الشرقية بعد كل حالة مطرية خفيفة، بمعنى أنه لم تحدث أي منخفضات حقيقية، ما تسبب بحالة من الجفاف للطبقة السطحية من التربة، وهو ما أثر على الإنبات.
وبحسب صوافطة فإن قلة الأمطار تسبب ضغطاً على المياه الجوفية. حيث الري من خلالها بدلاً من المطر، وهو أمر اضطر إليه قطاع كبير من المزارعين.
وتمنى الخبير المائي أن تأتي المنخفضات الجوية، وليس أمطار محلية كما حدث خلال الفترة الماضية، وأضاف: “ما دام بأوروبا وأمريكا الشمالية منخفضات قوية وقطبية فإن ما يأتينا هو الرياح الشرقية التي لا تحمل أي رطوبة تقود إلى الأمطار”.
وقال جمال الموسى، مستشار في مجال الأرصاد الجوية، عن السبب في عدم تشكل منخفضات جوية في شرق البحر المتوسط، إن المنخفضات الجوية القوية تحدث في غرب أوروبا وشمالها.
ويرى أن هذه الوضعية تجعل من حركة الرياح المصاحبة لها عكس عقارب الساعة، وهو ما يمنع من نزول الهواء البارد إلى شرق البحر المتوسط ويمنع تشكل المنخفضات.
أما عباس ملحم، المدير التنفيذي لاتحاد المزارعين الفلسطينيين، فقرأ تأخر هطول المطر بمجموعة من المخاطر التي تعكس حدوث تبدلات في المناخ تلقي بظلالها على فلسطين.
ويرى أن تأثر هذه التحول المناخي يضر بمحاصيل إستراتيجية في فلسطين، وتحديداً قطاع الزيتون الموسمي، الذي يعتمد كمية الأمطار وعدد ساعات البرودة الشديدة.
ويضيف ملحم: “بدون ساعات برودة ومطر كاف فإن المخاطر أبعد من الأشهر الحالية والمحاصيل الحقلية، إنما لمواسم حصاد أخرى، مثل الزيتون”.
ويشدد على أن تبدل المناخ يستوجب تدخلات عاجلة رسمياً وأهلياً للتحرك ومواجهة تداعياته، ووضع خطة وطنية إستراتيجية لمواجهة تداعيات تأخر وتراجع سقوط الأمطار وساعات البرودة الشديدة.
ويضيف: “الأمطار القادمة ستكون أفضل للمحاصيل الحقلية، لكن ما حدث هذا العام قد يؤثر على أنماط الزارعة، إذا استمر الحال في سنوات قادمة، فالمخاطر كبيرة. وتتطلب العمل الدؤوب”.
ويطرح ملحم مجموعة من الأسئلة من وحي حالة الانحباس المطري التي بدأت تشهد تبدلاً خلال الأيام القادمة، مثل: ما طبيعة التحول في أنماط الغذاء وإنتاجه في فلسطين بفعل حالات الانحباس المطر؟ ما هي أنماط الزراعة التي يمكن تبنيها في ظل التحولات المطرية والمناخية؟
وتابع: “لقد أصبحنا بحاجة إلى خبراء في تبدل المناخ ليقدموا لنا وللمزارعين رؤية للمخاطر المترتبة على قلة المياه. وهو أمر يؤكد على أهمية وصول المزارع لمصادر المياه التي يسيطر عليها من الاحتلال الإسرائيلي”.
ويطالب بضرورة عقد ورشة عمل وطنية يشارك فيها الجميع يتم تطبيقها على شكل برنامج عمل متكامل يستهدف المزارعين من أجل إعانتهم ومساعدتهم على مواجهة التغيرات التي أصبحت تخيف المزارعين وتهدد مصادر عيشهم.
ويشدد خبراء على أن الحد الأدنى من الأمطار يفترض أن يكون في مثل هذا الوقت من العام حوالي 150 ملم. و150 ساعة برودة، وهو أمر لم يصل نسبة 25% حتى اللحظة.
يذكر أن المواطنين في بلاد الشام كانوا يقسمون فصل الشتاء إلى قسمين؛ الأول أربعينية الشتاء (المربعانية)، وخمسينية الشتاء، التي مدتها خمسون يوماً من 31 كانون الثــــاني إلى 21 آذار، وهي بدورها تقسم إلى أربعة سعود: سعد الذابح، سعد بلح، سعد السعود، سعد الخبايا، حيث مدة كل سعد 12 يوماً ونصف، إلى جانب ما يطلق عليه المستقرضات 7 أيام، وتقع ضمن الخمسينية، وهو ما يضع عليه الفلسطينيون آمالاً كبيرة في تحسن نسبة الهطول.