انحدار

حجم الخط
0

حسين حسن السقاف إذا كان من رجال الأمن من يقوم بإقلاق سكينة المواطن وأمنه ويعمل على الاتجار بما هو ضار و ممنوع بعد أن تملكه الاعتقاد بأن الجريمة هي أقصر الطرق إلى تكوين الثروة. إذا كان من القائمين على صحة الناس هم الذين يعملون على نشر الأمراض والأوبئة ليتم لهمبذلك الاستئثار أو الاستفادة من إبرام المقاولات بشأن محاربة تلك الآفات. إذا كان من بعض كبار قادة الجيش الذين تقع على عاتقهم مهمة الدفاع عن الأرض وسيادتها والذود عنها من نجدهم سباقين إلى بيع هذه الأرض وهذه السيادة ويتاجرون بالسلاح و إشعال الحروب والفتن الداخلية. وإذا كان من القائمين على تزكية الناشئة وتربيتهم من يقوم بتجهيل الناشئة و تغبيتهم. ما أوردناه وغيره مما قد يدور بخلدك ربما يجعلك تعتقد بأن المثقفين والمبدعين -باعتبارهم نُخَب الأمة- قد سقطوا سهواً من هذه المعادلة ومن هذا المعترك الذي يسعى فيه المتعاركون إلى تحقيق مصالحهم الذاتية التي تتعارض بطبيعتها مع الصالح العام. وربما يعتقد المرء بأن الناس قد ألهتهم هذه المسرحية عن النظر إلى ما هو جميل من تلك الإبداعات، غير أن الأمر لم يقف عند ذلك فحسب. فلم تعوز الشياطين حيلةً ولا سلاحاً في محاربة كل ما هو جميل، فتستبد بها وبزبانيتها شهوة الوأد لتلك الإبداعات فتجدهم تارة يستخدمون سلاحهم باسم الحداثة وتارة باسم النزعة القومية وتارة أخرى باسم الأممية أو الشعوبية وأخرى باسم الدين والفضيلة من أجل ذلك تجدهم يتكبسلون بما يجدونه مناسباً من تلك الأقنعة للفتك بهذه الإبداعات تماما مثل الفيروس الذي يفتك بالأجسام السليمة، فكلما وجدوا إبداعا استعرت لديهم هذه الرغبة الجامحة للنيل منه بغية تسطيح و تصحير الحياة مما هو جميل، لتشذ بعد ذلك أذواق البعض من الناس حتى أنهم يرون في القبح جمالا وفي الجمال ما تستقبحه ذائقتهم، فاختلط على كثير من الناس من هو ناقد بمن هو حاقد ومن يمارس مهنة النقد التي يعوَّل عليها في تهذيب ذائقة الأمة إلى من يمارس شهوة الحقد تحقيقاً لتشويه هذه الذائقة. ولا ينفي ذلك وجود نقاد يتمتعون بالذوق الرفيع المتجدد واضعين نصب أعينهم الأهداف السامية للأدب والفن كرسالة إنسانية تنشر المحبة بين بني البشر من خلال الحوار والاحتكاك الثقافي الايجابي متجاوزين كل الحواجز والحدود التي يضعها المستفيدون من صناعة صراع الحضارات والثقافات غير أن تلك النخب من النقاد والمفكرين يخوضون ببسالة الصراع الأزلي بين الخير والشر.

لعل نتائج هذا الصراع توشك أن تعصف بكيان الأمة مستفيدة من الدور السلبي للإمبراطورية الإعلامية والدعائية ولينعكس ذلك سلباً على جملة من مجالات الإبداع ولتعصف بكياننا حتى ان ذلك قد أثَّر في فطرة وسلامة ذائقة أبنائنا من خلال ما ظهر مؤخراً في برامج الأطفال في التلفزة و ما برز أيضاً في بعض الأعمال الأدبية و الإبداعية بكافة أجناسها في مجال المسرح والشعر والرواية والقصة حتى ان هذه النتاجات بدت مبتورة الانتساب والصلة بتراث أمتنا لتأتي بما هو متناقض مع نفائس ذلك التراث التراكمي الذي نفخر به والذي أصبح اليوم في خضم هذه التداعيات- هو كل ما بقي ليذكرنا ونذكر به الآخرين بأننا كنا في يوم أمة ذات شأن عظيم. كاتب وروائي من حضرموت/ اليمن[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية