إن تجاهل الناقد الأوروبي للسرد العربي القديم المتماس جغرافيا وتاريخيا مع أدبه، تجاهلا شبه كامل هو من قبيل المفارقة التي فيها ينفر الناقد الغربي من الرومانسية والتعصب لفظيا، ولكنه يطبقهما عمليا، مغالطا قوانين الفن والحياة. فميخائيل باختين بحث عن الأصالة في الحكاية الهزلية، لكن بانحياز واضح إلى أدب الإغريق والرومان. وهو الذي يعد من أوائل النقاد المهتمين بدراسة السرد الشعبي في كتابه «أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية في العصر الوسيط وأبان عصر النهضة» وأول من خص أعمال رابليه الكاملة المسماة «لابلياد» بدراسة موسعة نال بها أطروحة الدكتوراه عام 1946، ونشرت لأول مرة في شكل كتاب وباللغة الروسية عام 1965 وترجم إلى اللغة الفرنسية عام 1970، وفيه جاء باختين بأفكار جديدة وتحليلات مثيرة سلطت الضوء على الحكاية الهزلية وتاريخها الممتد إلى آلاف السنين مؤكدا (أن الأصالة العميقة للثقافة الهزلية الشعبية القديمة لم يتم الكشف عنها بعد).. لكن اعتراضنا هو على تتبعه لتاريخ الحكاية الهزلية بطريقة انتقائية أوقعته في تناقضات كثيرة منها:
ـ قوله إن الضحك والهزل من اختصاص الشعب الذي يضحك في الساحة العامة، وهو قول يتناقض مع تحديده أصل الأدب الهزلي في العصر القديم المسيحي، أي بما لا يزيد عن ألف سنة عن العصر الوسيط. ولا خلاف في أن أصل الحكاية الهزلية أقدم من ذلك بكثير، أي من قبل أن يعرف المجتمع البشري صراع الطبقات في المجتمع الروماني، ومن قبل ظهور الأديان السماوية في المجتمعات السامية، وقد قامت هذه الحكاية على قاعدة لا واقعية خرافية هي المنطلق لظهور الأنظمة السردية القديمة.
ـ تجنب باختين ذكر الشرق والحضارة العربية الإسلامية، باستثناء موضعين مرّ بهما مرورا عابرا، الأول قوله: (في الأشكال والعبادات الدينية الموروثة عن العصر القديم المفعم بتأثير الشرق، يلاحظ بوادر المرح والضحك أحيانا، المحتفية في الطقوس الدينية والجنائزية في التعميد أو الزواج). والثاني قوله وهو بصدد تحديد دور سانشو في «دون كيخوته»: (الدور الذي يلعبه إزاء دون كيشوت نشبهه بدور باروديات العصر الوسيط إزاء الأفكار والطقوس السامية، وبدور المهرج إزاء المراسيم الحادة وبدور إباحة أكل اللحم إزاء الصيام).
ـ لم يتعمق في توضيح دلالة «التقاليد الموروثة» الواردة في قوله: (كل أشكال الشعائر والعروض الفرجوية، المنظمة على الصيغة الهزلية والمكرسة من قبل التقاليد الموروثة، كانت تنتشر في كل بلدان أوروبا).
ـ تأكيده أن الكرنفالية هي الأصل والمثال الطوباوي لمرحلة الحضارة البدائية وفلكلور الشعوب البدائية والملحمة البطولية القديمة وطقوس العالم القديم (لقد تم إدراك فكرة الكرنفال وتجلت بطريقة بالغة الدقة في أعياد الإله زحل الفلاحية الرومانية.. وقد ظلت تقاليد أعياد زحل حية في كرنفال العصر الوسيط) يتعارض مع تحليلاته لأعمال رابليه التي فيها تتحول الكرنفالية من كونها أصلا تاريخيا إلى فكرة كونية (طبيعة الكرنفال الخصوصية أنه صيغة خالصة للوجود) كما تتناقض مع تحديد الكرنفالية بأنها الحياة كلها/ حياة الشعب الثانية/الشكل الأولي للحضارة الإنسانية والمحتوى الجوهري، والمعنى العميق عن تصور العالم/ تصور محدد وملموس للزمن الكوني/ انتصار لنوع معين من التحرر المؤقت من الحقيقة السائدة/ النظام القائم والإلغاء المؤقت لكل العلاقات التراتبية والامتيازات والقواعد والتابوهات. ولعل السبب وراء هذه التحولات في الفهم الباختيني هو عدم تلاؤم الكرنفالية بمعناها المسرحي، مع هزلية رابليه التي فيها الكرنفالية سمة وليست أصلا أو قاعدة.
إشارته إلى أن الحمقى والمهرجين هم من يمثلون كرنفال العصر الوسيط، جاءت كمحصلة لتفسيرات حركات دون كيخوته الجسدية، ما يعني أن كرنفالية الحكاية الهزلية هي غير كرنفالية المسرحية الكوميدية، التي تصور الواقع على نية محاكاته محاكاة ساخرة، وفق قانون الاحتمال الأرسطي.
ـ إشارته إلى أن الحمقى والمهرجين هم من يمثلون كرنفال العصر الوسيط، جاءت كمحصلة لتفسيرات حركات دون كيخوته الجسدية، ما يعني أن كرنفالية الحكاية الهزلية هي غير كرنفالية المسرحية الكوميدية، التي تصور الواقع على نية محاكاته محاكاة ساخرة، وفق قانون الاحتمال الأرسطي. في حين كانت المحاكاة الساخرة التي عرفتها المرويات القروسطية تقوم على قلب الواقع لفظيا بالتخييل، ولهذا اتخذ السرد شكلا غير واقعي هو امتداد للحكاية الخرافية، التي هي أصل الحكاية الهزلية ولولا امتلاك دون كيخوته جسدا غير مألوف الشكل (كرش يتدلى) لما كان مضحكا. وهزلية هذا الشكل جعلت باختين يفسر أبعاده تفسيرات ثقافية، منها هذا التفسير: (يختلط كل أفراد العصر الوسيط ببعضهم بقدر يقل أو يكثر وفيها يتعايشون لمواقيت محدودة. وقد خلق هذا الأمر نوعا من ثنائية العالم ونقول إنه إذا تجاهلنا هذه الثنائية فإننا لن نفهم الوعي الثقافي السائد في العصر الوسيط، ولا حضارة عصر النهضة. إن جهل وتبخيس الضحك الشعبي في العصر الوسيط يشوهان صورة التطور التاريخي بأكمله الذي شهدته الثقافة الأوروبية في القرون الموالية). ولم يفصح ميخائيل باختين عن طبيعة هذا التطور التاريخي ومن الذي أثر في الثقافة الأوروبية.
ـ بالمقايسة على هزلية بطن دون كيخوته توصل باختين إلى أن (واقعية النهضة لم تقطع حبل السرة الذي يصلها بالبطن الخصب للأرض والشعب) وترك فرضيته الكرنفالية، وتبنى فرضية جديدة هي غروتيستكية الجسد وعليها تقوم باروديا دون كيخوته (صور الجسد وسط ذلك الركام الهائل من الخرافات والأعمال التي تتصل بعجائب الهند وكذاك البحر السلتي.. أدب مشاهد أحوال الآخرة، ذلك الأدب الوافر وهو الذي يحدد كذلك صور خرافات العمالقة ونجد بعضا من عناصره في الملحمة اليونانية في النوادر وفي الطرائف الألمانية) ولكن فرضية غروتستيك الجسد لم تحمل باختين على الإجابة عن سؤال من أين ورث ثرفانتس تقاليد الحكاية الهزلية؟
ومثل باختين في التجاهل، الإنكليزي ايان واط (1917ـ 1999) الذي انتقد الحكاية الهزلية في قصص العصر الوسيط، سعيا منه إلى تثبيت دعائم الفكر الواقعي في السرد، ومثاله فيلدنغ في (جوزيف أندروز ) 1742 وعدها (مكتوبة على نحو متعجل وبمقاصد مختلطة نوعا ما، فهي تبدأ بمحاكاة ساخرة لرواية ريتشاردسون باميلا، ومن ثم تتواصل بروح سرفانتس) في حين نقل عن فيلدنغ حكاية ساخرة وصفها بالمفعمة حيوية والناجمة عن تفاعل الشخصيات. وفسر واط الأمر بأنه تركة من تركات الملحمة الهومرية.
واعتبر واط عام 1742 عام كتابة الرواية بعد أن كانت شكلا أدبيا سمعته في الحضيض لأنه كان يسير على منوال أدباء الرومانس لكن (ظهور روائيينا الثلاثة ديفو وريتشاردسون وفيلدنغ، خلال جيل واحد لم يكن مصادفة محضة، وأنه ما كان لعبقرياتهم أن تخلق الشكل الجديد لو لم تكن شروط عصرهم مواتية.. ولو كانت الرواية واقعية لمجرد أنها نظرت إلى الحياة من جانبها الأسوأ، فإنها ليست حينئذ إلا رومانسا مقلوبا، لكنها حاولت أن تصور كل تنوعات التجربة الإنسانية) وفي هذا القول مغالطتان: الأولى تاريخية لأن أدب عصر النهضة، نهل من السرد القديم واستمد تطوره منه أيضا. والمغالطة الثانية فنية وهي، أن الشكل السردي لا ينبثق من فراغ والمحاكاة الساخرة كانت زمن هؤلاء الروائيين تقليدا سرديا قديما جربوا فيه وطوروه. أما قوله إن الرواية أثارت ما لم يثره شكل أدبي آخر وهو التوافق بين العمل الأدبي والواقع الذي يحاكيه، فليس وراءه سوى تعظيم ديكارت ومنهجه في الشك ناهيك عن الانحياز والتخندق عند العنصر الأبيض وأوروبية نشأته. ولا غرو أن الأدب منذ الأزل ينطلق من الواقع ويعود إليه باللامحاكاة أو المحاكاة أو بهما معا.
كاتبة عراقية