انخراط حميم في الحياة السياسية والنضال الشعبي واستقاء من العامية والمأثور الشعبي

حجم الخط
0

انخراط حميم في الحياة السياسية والنضال الشعبي واستقاء من العامية والمأثور الشعبي

الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب لسليمان جبران:د. نبيه القاسمانخراط حميم في الحياة السياسية والنضال الشعبي واستقاء من العامية والمأثور الشعبيينطلق الدكتور سليمان جبران في دراسته للشعر الفلسطيني في عهد الانتداب من الفرضية التي يراها بان الشعر العربي الفلسطيني في اسرائيل، وخاصة في السنوات 1948 ـ 1967، لم ينشأ من فراغ، وانما هو امتداد طبيعي، بشكل او بآخر، للشعر الفلسطيني في عهد الانتداب، سواء في تقاليده النضالية المناهضة لحكم الآخر او في مبانيه واسلوبه، خصوصا ان ابناء الرعيل الاول من الشعراء الفلسطينيين في اسرائيل كانوا تثقفوا وشرعوا في الكتابة قبل 48 ايضا (المقدمة ص5).وحيث ان نيتَه ـ كما وضحها في المقدمة ـ كانت القيام بدراسة الشعر الفلسطيني في اسرائيل، فقد رأي ان يعود لمنابع هذا الشعر ليتقصي مميزاته المضمونية والاسلوبية، ليشكل ذلك تمهيداً ضرورياً للدراسة التي ينوي انجازها.ويُشير الدكتور سليمان جبران الي مصادر دراسته والمراجع التي حصل عليها وينبهنا الي خلل بين وقف عليه وهو ان مواقف وتقييمات كثيرة في هذه المراجع تحكمها اهواء كاتبيها حيناً، او اعتبارات خارجية مجانبة للموضوعية حينا آخر و ان معظم هذه المراجع لم تتناول شعر تلك الفترة التأسيسية الهامة، في تاريخ الشعر الفلسطيني والشعب الفلسطيني علي حد سواء، بالتحليل النصي الموضوعي، بل انصرفت غالبا الي عرض الظروف السياسية والشخصية لنشأة هذا الشعر، وانعكاس ذلك في موضوعاته ومضامينه (المقدمة ص 6).بدأ دراسته بتناول نهضة الادب الفلسطيني وظروفها الموضوعية، ثم انتقل لعرض موجز تناول فيه الشعر الفلسطيني ما بين الحربين العالميتين ومن ثم انتقل ليركز دراستَه حول اربعة شعراء يراهم الممثلين الحقيقيين للشعر الفلسطيني في فترة الانتداب البريطاني. كانت مقالة الشاعر اللبناني صلاح الاسير في مجلة الاديب اللبنانية عام 1944 التي استعرض فيها ، بناء علي طلب المجلة، الشعراء العرب المعاصرين في البلاد العربية وتجاهله للشعراء الفلسطينيين ما اثار الجدلَ والنقاش والردود العديدة وما اوصل الدكتور جبران الي النتيجة ان الادب الفلسطيني حتي الاربعينات من القرن العشرين لم يظفر باعتراف الاوساط الادبية المهَيْمنة في القاهرة وبيروت، بل اعتُبر رافدا تابعا ، حتي في نظر بعض ابناء البلاد انفسهم ويُلمح بخَفر الي ان هذا التجاهل قد يكون سببه النظرة الاقليمية، لكنه يُسارع ليعترف بان النهضة الثقافية في فلسطين قد تأخرت فعلاً واختلفت عما شهدته مصر ولبنان من انبعاث ادبي ثقافي في العصر الحديث.(ص13) ويُعيد اسباب هذا التأخر لعوامل تاريخية عديدة اهمها ان فلسطين لم تكن كيانا جغرافيا سياسيا متميزا حتي الحرب العالمية الاولي بل كانت تشكل مع الاردن جندين من اجناد بلاد الشام، وانها لم تكن كيانا مستقلا او شبه مستقل، لا قبل الفتح الاسلامي، ولا قبل المسيح في العصور القديمة ايضا (ص13) وفقط بعد الحرب العالمية الاولي ظهرت فلسطين في كيان جغرافي سياسي مستقل لاول مرة في التاريخ الحديث والقديم وفي ظل الانتداب / الاستعمار البريطاني بالذات .(ص22) ويعارض الدكتور سليمان جبران رأي كل من الدكتور عبد الرحمن ياغي والدكتور ناصر الدين الاسد والدكتور كامل السوافيري الذين رأوا ان بداية النهضة الادبية في فلسطين كانت منذ المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر ويتساءل عن السبب الذي جعل مؤرخي الادب العربي الفلسطيني يُصرون علي منتصف القرن التاسع عشر بداية لمرحلته الاولي. ويشك في ان السبب يكمُن في اعتبار هذا التاريخ، عادة، بداية لظهور وانتشار مفاهيم القومية العربية، او لعلها محاولة لدفع رأي المتطرفين الذين جعلوا سنة 1939 بداية النهضة الادبية في فلسطين، او لعله سبب آخر .(ص15) ويري ان الشعر الفلسطيني بمعناه الوطني الدقيق، لم يُكتَب قبل مطلع القرن العشرين، اما شعر القرن التاسع عشر فهو، وان كتبه شعراء من فلسطين، الا انه لا يعكس مجتمعا فلسطينيا وانتماء فلسطينيا، وانما هو شعر اسلامي في معظمه، لم يجدد في مفاهيم الشعر، او مضامينه او اساليبه شيئا (ص15 ـ 16). موقف الدكتور سليمان جبران هذا يضعنا امام التساؤل الدائم حول مفهومية انتماء النتاج الادبي او صاحبه للبلد الذي ينتمي اليه الكاتب او نتاجه. ويري ،كما يبدو من تَوضيحه، ان المضمون هو المقرر للانتماء. ويحصر النهضة فقط في الشعر، من مُنطلق تمَحور دراسته حول الشعر بقوله: ولكننا نري ان الشعرَ الفلسطيني بمعناه الوطني الدقيق، لم يُكتَب قبل مطلع القرن العشرين (ص15) و ونخلص الي القول بان بداية الشعر الفلسطيني الحقيقية كانت في مطلع القرن العشرين (ص16). وفي هذا اعارض الدكتور سليمان جبران، واري ان النهضة بدأت في فلسطين في الربع الاخير من القرن التاسع عشر مُتَمثلة، ليس في الشعر حصراً، وانما في المدارس والارساليات والمطابع والصحف والجمعيات والنوادي والحركات السياسية والمؤلفات العديدة في مختلف المواضيع شعرا ونثرا حتي ولو كانت عامة في طروحاتها ولا تعكس هموم المجتمع الفلسطيني الذي لم يتبلور بعد. اما ان الادب، شعرا كان ام نثرا، المُعَبر عن الهم الفلسطيني والعاكس للقضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الصهيوني الاستعماري قد تبلور وتطور في القرن العشرين فهذا اوافقه عليه، وكان طبيعيا ان يكون بعد تبلور الوطن الفلسطيني والصراع علي هذا الوطن ومستقبله. يشير الدكتور سليمان جبران في الفصل الثاني من دراسته حول الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب الي التحول الكبير الذي شهدته البلاد نتيجة لتبلور الوطن الفلسطيني المتوحد المعروفة حدوده وهوية مواطنيه لاول مرة في التاريخ. وما عاشته في عهد الانتداب البريطاني، رغم الاضطرابات المستمرة فيما بين الحربين العالميتين، من انتقال البلاد، كما يقول الدكتور عبد الرحمن ياغي، الي اوضاع حضارية جديدة، ودخلت في حياة الناس: الكهرباء والسينما ومسارح التمثيل ومجالس اللهو والغناء، وملاعب الرياضة والمدارس الحديثة وطرق المواصلات العامة والاذاعة والصحافة، مع وما تحمله هذه كلها من عوامل تجميع (ص23). كما ان الصراع علي البقاء والاستقلال مع سلطة الانتداب والحركة الصهيونية ادي الي زيادة الوعي السياسي والاجتماعي ونشوء الاحزاب وعقد المؤتمرات واقامة الجمعيات وصدور الصحف التي وصل عددها الي 22 مجلة و57 جريدة، والي اتساع نطاق التعليم وانتشار المدارس الرسمية والاهلية وارتفاع الوعي الثقافي والفكري كما يقول الدكتور كامل السوافيري.(ص23 ـ 24). ويُنَبه الدكتور سليمان جبران الباحثين الذين تناولوا هذه التحولات التي عاشها الوطنُ الفلسطيني في ظل الانتداب البريطاني من مشاعر الحَرَج التي لمسها في كلامهم فيحاولون التقليل من شأن هذه التطورات بالبحث عن النوايا السيئة للانتداب البريطاني من وراء ذلك او بما طرأ من تقدم اكبر في هذه المجالات في الناحية اليهودية، بقوله لا نظن ان هناك ما يدعو الي الحرج في الاقرار بالتطور الذي طرأ علي نواحي الحياة عامة في ظل الانتداب، ما دامت هذه التطورات وقائع تاريخية لا مجال الي انكارها. ثم ان الحياة لا بد ان تتغير من عصر الي عصر، والانتداب البريطاني، رغم كل مَساوئه، لا يُقارَنُ بالحكم العثماني السابق، كما ان المهمات الرسمية التي انتُدِبَت بريطانيا لتَحقيقها كانت تطوير البلاد وتهيئتها للاستقلال (ص24).والادب، كباقي مَظاهر التطور، كان حظه الاوفر ودورُه الابرز في تصوير اوضاع المجتمع وفي تَصديه للتحديات التي تقف في طريقه. وواصل الشعر دورَه التاريخي في التصدي والمُواجهة والتحريض ودفع الجماهير الي النضال والثورة. وكان النثر والشعر تقاسما الدور: فالشعر يُناضل في وجه التحديات الخارجية ويُجند ابناءَ الشعب في هذا النضال، والنثر يتولي القضايا الداخلية من دعوة الي الاصلاح والتقدم وتَثقيف الاخلاق والتربية علي المبادئ .(ص25). ينتقل الدكتور سليمان جبران في الفصل الاخير من دراسته الي تناول اربعة شعراء يعتبرهم الممثلين الابرز للشعر الفلسطيني في فترة الانتداب البريطاني. واول هؤلاء الشاعر وديع البستاني، ويعتبره رائدا للشعر الفلسطيني في عهد الانتداب وذلك كما يري للاسباب التالية: السبب الاول: ان البستاني اتصل بالقضية الفلسطينية منذ شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1917. وهو الشهر الذي في ثانيه صدر تصريح بلفور واعدا اليهود بالوطن القومي في فلسطين. ومنذ ذلك التاريخ كرس نفسه وقلمَه لمناصرة الشعب الفلسطيني وقضيته (ص29 ـ 31). السبب الثاني: ان وديع البستاني يُمثل المرحلة الاولي من عهد الانتداب، بل يُمكن القول انه يمثل طور الانتقال في الشعر الفلسطيني من الشعر التقليدي الي الشعر التجديدي في الثلاثينات والاربعينات .(ص31) والسبب الثالث: ان البستاني يمثل الجيل السابق علي الشعراء الفلسطينيين الآخرين، وهو اول مَن تنبهَ الي حقيقة الانتداب الانكليزي ووعد بلفور .(ص32-33) يُقرر الدكتور سليمان جبران ان البستاني ظاهرة نبيلة في تاريخ الشعر العربي الحديث عامة. انه امتداد الحلم العربي في كتابات المفكرين والادباء العرب، رواد الفكر العربي الذي اخذ يتنامي منذ اواسط القرن التاسع عشر بشكل ملحوظ، الحلم العربي باقامة دولة عربية موحدة اساسها الرابطة القومية، دونما فَرق بين دين وآخر او فئة واخري، تحقيقا للشعار القومي المعروف الدين لله والوطن للجميع . وقد وهب البستاني فلسطين الكثير من شعره وفكره ونشاطه السياسي والقضائي، وذلك لانه اعتبرها قضية عربية قومية بل القضية القومية الاولي (ص 34). ويري جبران ان النقد الذاتي يقل في ديوان البستاني ويخلو من السخرية المرة بالزعماء ورجال السياسة علي عكس ما نجد في شعر ابراهيم طوقان وابي سلمي. ويعزو ذلك الي كون البستاني لبنانيا مارونيا يقيم في فلسطين آثر الترفع عن النزاعات والخلافات مُكرسا شعرَه وجهدَه في القضايا الوطنية العامة (36 ـ 37). كما ان البستاني كان يدعو دائما الي التآخي بين المسلمين والمسيحيين في الوطن الواحد والقضية الواحدة.(ص 38) ولم تحظ المرأة بالمكانة اللائقة في شعر البستاني بينما كانت قضية فلسطين والتحرر والاستقلال هي شغل الشاعر الشاغل. ويري الدكتور سليمان جبران ان شعر المناسبات واضح في ديوان البستاني. واسلوب قصائد البستاني تقليدي يسير فيه علي نهج الكلاسيكيين الجدد، القصيدة عنده تعبير ادبي عن المناسبة القومية او الاجتماعية، تابعة لها، منفصلة انفصالا يكادُ يكون تاما عن ذات الشاعر. انها وسيلة لتوصيل الافكار والمواقف الي المُتلَقي. ولهذا فهي اقرب الي المباشرة والخطابية. مشفوعة بالايقاع الكلاسيكي الواضح، بعيدة عن الايحائية والصور الذاتية المُركبة. وهو يعمد في معظم قصائده، خاصة القصائد الجادة الي الاوزان الكلاسيكية الفخمة: الطويل فالوافر فالكامل فالبسيط.. والقافية ايضا موحدة مطلقة، باستثناء قصائد قليلة هامشية يُحاول فيها التنويع في القافية وتبدو اقرب الي التجريب. ويعمد احيانا الي القوافي الوعرة لاظهار القدرة والبراعة . ويكثر في قصائده ايضا من الالماع allusion او الاشارة الي الشعر العربي الكلاسيكي. وهو لا يستقي من الشعر القديم فقط، بل يستعير من القدماء احيانا الفاظهم ومصطلحاتهم ايضا. ويلفت النظر ما تتخلل قصائد البستاني من الماعات الي التراث الاسلامي بالذات؛ القرآن الكريم والاحاديث النبوية.(ص 45 ـ 50). ويستغرب الدكتور سليمان جبران عدم اهتمام الباحثين والدارسين للشعر الفلسطيني في عهد الانتداب بوديع البستاني وشعره ويقول : لعل السبب في ذلك ان البستاني لبناني المولد والعشيرة ولكنه يدحض ذلك باستشهاده بتخصيص الدكتور ناصر الدين الاسد للشاعر ابراهيم الدباغ (1880 ـ 1946) وهو فلسطيني النشأة مصري التوطن ولم يذكر فلسطين في شعره الا عرضا مرة او مرتين، ورغم ذلك ظفر باثني عشرة صفحة عن حياته وشعره، بينما وديع البستاني الذي كرس حياته وشعره للقضية الفلسطينية ونُصرة الشعب الفلسطيني حظي باربع صفحات فقط من كتابه الكبير دونما عنوان مستقل ويستهل حديثه عن الشاعر كأنما عرضا .(ص 33 ـ 34). ويعود الدكتور جبران ليسأل عن سبب تجاهل الدارسين للبستاني بقوله او لعل هناك سببا آخر!؟ ويُعلق: ولكننا علي كل حال لا نري ما يُسوغ ذلك مطلقا . وكأني به في نهاية حديثه عن البستاني يُلمح الي السبب الذي قد يكون وراء تجاهل الدارسين لوديع البستاني بتأكيده علي هوية البستاني قائلا: هكذا نجد ان وديع البستاني ليس فقط لبناني المولد فلسطيني التوطن (اشارة الي ابراهيم الدباغ وما حظي به من اهتمام) بل انه ايضا مسيحي المولد والنشأة مسلم البيئة والثقافة ، لا يلتفت الي الرابط الديني بينه وبين الانكليز، اذ هو مسكون بالرابط القومي الوطني؛ الرابط الاول والاهم في حياته وشعره. هذا هو الشاعر وديع البستاني: شاعر لبناني ـ فلسطيني، مسيحي ـ مسلم، اول مَن تصدي للتحدي الانتدابي ـ الصهيوني في فلسطين، فكرس شعرَه وحياته للدفاع عن القضية الفلسطينية طوال فترة الانتداب، فاستحق في رأينا اعتباره رائد الشعر الفلسطيني .(ص50). وكأني بالدكتور سليمان جبران يريد ان يسأل: اهذا يُهمله الدارسون والباحثون ومثل ابراهيم الدباغ، مَن كانت القضية الفلسطينية والوطن غريبة عنه، تُخَصص له الصفحات الكثيرة .. لماذا اهملتم وديع البستاني !! ألأنه لبناني المولد والعشيرة؟ ام لعل هناك سببا آخر.!؟ (ص33).الشاعر الثاني الذي تناولته الدراسة هو ابراهيم طوقان (1905 ـ 1941) الذي اجمع الدارسون علي انه شاعر فلسطين الاول، وقد وصفته اخته الشاعرة فدوي طوقان بانه شاعر الوطن وذلك لانه سجلَ آلامَ فلسطين وآمالَها خلال الانتداب الانكليزي، كما لم يُسَجله شاعر فلسطيني من قبل. ويتساءل الدكتور سليمان جبران: هل هو اكبر شعراء فلسطين في عهد الانتداب لانه سجل آلام وطنه وآماله في شعره فحسب؟ بكلمة اخري: هل الوطنية التي تناولها في شعره هي ما اهله فعلاً لأن يتقدم علي سائر الشعراء، في ذلك العهد، وهم كثر؟ الم يكتب وديع البستاني، قبله وفي الوقت ذاته، في كل الموضوعات الوطنية والاحداث السياسية التي عاشتها فلسطين في فترة الانتداب البريطاني؟ الم يتناول كثيرون من مُجايليه ايضا الموضوعات ذاتها، بشكل او بآخر، ويكرسوا جل قصائدهم لخدمة القضية الفلسطينية؟ ويُحدد الدكتور سليمان سؤاله اكثر: هل تقتصر مكانة طوقان الشعرية علي ما كتبَه في الوطنية دونما اعتبار لاشعاره الاخري، وفي الغزل بوجه خاص؟ (ص53). ويري الدكتور سليمان جبران ان تقدمَ ابراهيم طوقان علي غيره من الشعراء لا يعودُ الي الموضوعات التي تناولها ، فالموضوعات مُلقاة علي قارعة الطريق وقد تناولها كثيرون، وانما يعود الي تَفَرده المتمثل في كيفية صياغة هذه الموضوعات في قصائده، في المقومات الفنية الراقية التي استطاع انجازَها آنذاك (ص54).ويقف الدكتور جبران عند ما اتفق عليه دارسو شعر ابراهيم طوقان من ان شاعرية طوقان تعود الي منابع ثقافته المتنوعة: البيئة البيتية، القرآن الكريم، تَلقي العلم علي يد نخلة زريق، بيئة الصحافة، بيئة الجامعة الامريكية وبيروت المفتوحة الآفاق الاجتماعية، التعرف علي الآداب الاجنبية واتقانه اللغة الانكليزية. ويوافق الدكتور جبران علي ان للدراسة الجامعية ولاجواء بيروت كان الاثر في صَقل موهبة الشاعر الا انه ينفي اثر مَعرفة الشاعر للغة الانكليزية وقراءة الادب الانكليزي علي صَقل شاعريته. كما انه يرفض تصنيفه شاعرا رومانسيا، ويري ان شعرَه ، حتي الغزل منه، اقرب الي الواقع منه الي الخيال، فالحبيبة هي امرأة من لحم ودم لا صورة مُتخيلة بعيدة، والحب في شعره علاقة رجل وامرأة لا عاطفة سماوية مقدسة. كما ان شعره لا يفيض بالحزن العميق وخيبة الامل من الحياة والناس، والشاعر عنده ليس رسولا او نبيا، كما ان الطبيعةَ ايضا ليست عالما امثل يلجأ اليه الشاعر ليبثه خيبته من الحياة والناس ويري ان شعر طوقان اقرب الي مدرسة وسطي بين الكلاسيكية الجديدة بزعامة احمد شوقي والرومانسية المَشرقية لدي جماعة ابولو في مصر خاصة .(ص57) ويري ان الموهبة التي تعهدها الشاعر منذ صغره بقراءة الكثير من التراث الكلاسيكي؛ هي العامل الاول في شاعرية ابراهيم طوقان. كما ان طوقان كان يعتني بقصائده والفاظه ويجود لغتَه. وتأثر بالقول الشعبي فكان اقرب الشعراء الي الروح الشعبية في التعبير واكثرهم استقاء للالفاظ والصور الشعرية من المقول اليومي.(ص59)وينتقل الدكتور سليمان جبران الي ديوان ابراهيم طوقان ويخلص الي ان قصائد الغزل والقصائد الوطنية هي الغالبة علي شعر طوقان عددا وفنا. وان قصائد الرثاء هي في الغالب تقليدية ذات وزن كلاسيكي واحد وقافية مُوحدة. ومعظم قصائد الديوان قصيرة نسبيا، ويري انها الممتازة والمتقدمة علي القصائد الطويلة الملتزمة بالاوزان الكلاسيكية الفخمة والقافية الموحدة والصياغة الرصينة(ص63). ويقف علي المميزات الفنية في شعر ابراهيم طوقان مثل: التنويع في القوافي باستخدام الشكل المقطوعي او التوشيحي في القصيدة. والاهتمام بالايقاع الداخلي الغني وتماسك النص. والمماثلة المحكمة بين شطري البيت الاول وشطري الثاني، والقافية المقيدة غير المردوفة. والصور الشعرية الاصيلة حيث نجح الشاعر في تطوير الصورة القديمة او الاضافة اليها بحيث تبدو صورة طوقانية متصالحة مع سياقها، منسجمة مع فنه الشعري. كما ان صوره الشعرية هي علي الغالب صور واقعية، حسية، يغترفها من الحياة بعيدا عن الرمز والتجريد، لا اغراب فيها ولا تعقيد، مما ساعد علي انتشار شعره. ومن سمات شعر طوقان البارزة روح الفكاهة المنعكسة في اشكال الدعابة والسخرية والتهكم.(ص64 ـ 73).ويعود الدكتور سليمان جبران ليؤكد في نهاية تناوله لشعر طوقان بان الفن الشعري الراقي الذي تميز به شعر ابراهيم طوقان، لا الموضوعات السياسية فحسب، ما جعله يظفر بمكان الصدارة في الشعر الفلسطيني في عهد النتداب . (ص77).وتبقي امنية لم يُحققها الدكتور سليمان جبران في تناوله لشعر ابراهيم طوقان وهي التنقيب والتجميع والدراسة لشعره الكثير المنتشر بين الناس، والذي ينحصر في شعر الغزل، هذا الشعر الذي يُعطي صورة صادقة وعميقة لشخصية وفكر وتحرر ابراهيم طوقان وتطور وتدفق وحرارة وصدق تجربته الشعرية ، الشعر المحرم الذي لم يقم احد بالتنقيب عنه واصداره في كتاب كما حدث مع قصائد ابي نواس المحرمة. وينتقل ليقدم لنا الشاعر عبد الرحيم محمود(1913 ـ 1948) الذي يري فيه ظاهرة نبيلة في تاريخ الشعر الفلسطيني، والشعر العربي الحديث عامة لانه كما قال جبرا ابراهيم جبرا لم يكتف بالكلام عن الشجاعة ومجابهة الموت، كما يفعل معظم الشعراء، بل كان الشاعر الفارس الاول والاكبر في الشعر العربي الحديث. لقد قضي حياته نضالا مُسلحا من اجل فلسطين وكلما جاشت عواطفه كلاما لاهبا وشعرا لاظيا، اتبع القول بالفعل، وحمل بندقيتَه ودخل سوح القتال حيث استشهد في معركة الشحرة شرقي الناصرة سنة 1948.(ص81) ويُوافق الدكتور سليمان جبران كلا من الدكتور ناصر الدين الاسد والباحثة الدكتورة سلمي خضراء الجيوسي علي ان حياة عبد الرحيم محمود القصيرة والحافلة بالاضطراب والتضحيات لم تمكنه من الاخلاص لشاعريته بتكريس الوقت الكافي في توسيع ثقافته وتعهد موهبته.(ص83) كما يري ان استشهاد الشاعر في ساحة القتال وظروف حياته ونضالاته اثرت علي تقييم بعض النقاد لشعره وفنه. ويري ان شهرة عبد الرحيم محمود تكاد تنحصر في قصيدة الشهيد وبالتحديد في البيتين الاول والثاني بالذات :سأحمل روحي علي راحتيوالقي بها في مهاوي الرديفإما حياة تسر الصديـقوامـا مَمات يُغيظُ العِديويتوقف الدكتور جبران طويلا عند قصيدة الشهيد بالتحليل والنقد والتعليق. وينتقل بعدها ليلقي نظرة علي قصائد ديوان الشاعر التي تتوزع علي ثلاث موضوعات اساسية هي: الوطنيات، الغزليات، الاجتماعيات. حيث يخلص الي ان القصائد الجيدة علي الاغلب هي القصائد القصيرة، وان التقليد والمحافظة غطي علي الشكل الايقاعي في القصائد، كذلك القافية الموحدة برزت في القصائد الطويلة خاصة التي كان يعمد فيها الي التصريع. كما انه كثيرا ما كان يلتفت الي الماضي الزاهر ومَثْلنة الدولة العربية-الاسلامية في القرون الوسطي مما يري فيه الدكتور سليمان جبران منحي يعكس في الواقع مواقف فكرية محافظة بعيدة عن الرؤية المعاصرة، لا نقدا مشروعا للحاضر المتخلف المُمَزق فحسب.(ص96). وكان تأثر عبد الرحيم محمود واضحا بالشعر العربي القديم حيث ظهرت في قصائده اصداء الشعر القديم في الالفاظ والتراكيب الكلاسيكية الوعرة. كما ان تقليدية عبد الرحيم محمود تبرز في موقفه التقليدي من المرأة وخاصة في قصيدته نون النسوة وقصيدة حوشوا البنات من الشوارع التي كتبها عام 1931 ويُطالب فيها البنات بالتحجب.ويُشير الدكتور سليمان جبران الي ان التحول في مواقف عبد الرحيم محمود الفكرية والاجتماعية ترك اثره في مبني القصيدة عنده وفي شكلها الايقاعي. حيث نراه يحاول التخلص من المبني الكلاسيكي الصارم في الايقاع المتمثل في الوزن الواحد والقافية الموحدة في قصيدة ذكري الزمان ويعمد الي المبني التوشيحي. كذلك يُشير الي ظاهرة الشعر المَقطوعي الذي برز في قصائده التي تميزت بمناحيها الانسانية والرومانسية واليسارية التي غلبت علي شعره في الاربعينات.(ص99) وفي هذا الشعر وضح الاتجاه اليساري للشاعر المتمثل في الثورة علي المواضعات الاجتماعية والتعاطف مع الطبقات الفقيرة، ومُناصرة العمال، وفي تَبني مواقف الماركسيين الطبقية وبعض مصطلحاتهم ايضا، حتي ان الاستاذ ابراهيم عبد الستار يري ان عبد الرحيم محمود اشتراكي النزعة ذو مبدأ ومذهب في الحياة الانسانية . ولا يُوافقه الدكتور سليمان جبران علي قوله هذا ويقول يصعب القول، في الواقع، ان عبد الرحيم محمود كان اشتراكيا او ماركسيا بكل معني الكلمة، لكنْ من الواضح انه تأثر بالماركسيين والفكر الماركسي (ص101).وكما اشار الدكتور سليمان جبران الي تأثر ابراهيم طوقان باللغة العامية واثرها الواضح في شعره، هكذا يشير الي تأثير العامية علي شعر عبد الرحيم محمود حتي انها تتخلل القصائد الكلاسيكية في المرحلة الاولي من شعره. ويعزو الدكتور سليمان هذا التحول في فكر ومواقف عبد الرحيم محمود الي اقامة الشاعر فترة من حياته في مدينة الناصرة، واتصاله بالاوساط الشيوعية فيها، او نتيجة اتصاله بالشعراء والمثقفين العراقيين خلال الفترة التي قضاها في العراق، او لعل هذا التحول، نتيجة طبيعية لتقدم الشاعر في السن وللخيبات التي لاقاها في فشل الثورة الفلسطينية سنة 1939، وحركة رشيد عالي الكيلاني التي شارك فيها سنة 1941.(ص99).وكان الشاعر عبد الكريم الكرمي ابو سلمي (1909 ـ 1980) آخر شاعر يتناوله في دراسته. ومن البداية يُحدد نقطة اختلاف مهمة ما بين ابو سلمي وكل من ابراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود بان كلا الشاعرين توفيا قبل وقوع نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948 بينما ابو سلمي عاش نصف عمره في فلسطين وطنه، ونصفه الثاني لاجئا مُشردا بعيدا مما ترك اثره علي حياته وشعره.بعد توسع الدكتور سليمان جبران في استعراض حياة وعمل ابو سلمي من بداية حياته حتي سنة وفاته ينتقل لتناول شعره الذي يراه في معظمه شعرا سياسيا يساريا، ويذكر ان العديد من الذين تناولوا شعره السياسي اشاروا الي يساريته والي ربطه الواضح بين القضية الوطنية والقضية الطبقية (ص125 ـ 127)، ويري الدكتور سليمان جبران ان يسارية ابو سلمي برزت بشكل واضح في قصائده منذ الثلاثينات وبشكل خاص في الاربعينات؛ بعد انتقال الشاعر الي العمل والاقامة في حيفا، وارتفاع مكانة الاتحاد السوفييتي بسبب الحرب العالمية الثانية في الشرق الاوسط عامة، وبين المفكرين والشعراء العرب بوجه خاص.(ص127).وكان للغزل حظ وافر في شعر ابو سلمي خاصة قبل عام 1948 حتي ان ابراهيم طوقان سماه رسول الهوي:يا رسـول الهوي صحـابتكالعشـاق طراً، وحزبـك الآرامُشيعة لو حشدت يوماً قواهاهلك الكاشحون واللوامُويقول عنه الكاتب ابراهيم المازني: حياته كلها في دنيا الهوي ويري الدكتور سليمان جبران ان غزل ابو سلمي تميز بالايقاع العذب والالفاظ السائغة والصور القريبة، الا انه لم يخرج في غزله عن مقومات الغزل التقليدية، حتي انه في المراحل المتأخرة، ظل غزله رقيقا ناعما، يحفلُ بالايقاع والصور الشعرية، الا انه قليل التجديد، يكاد يخلو من حرارة التجربة والمشاعر الجائشة .(130 ـ 131) ويذكر ان ابو سلمي في غزله زاوَجَ بين الحبيبة والمرأة والارض والوطن. ويحدد الدكتور جبران مصادر الغزل عند ابو سلمي: المصدر الاول هي فتاته بكل مفاتنها: الوجنات، العيون، الشفاه، الثغر، الصوت، القد، خفة الدم. والمصدر الثاني الوطن بكل عناصر الطبيعة فيه: ليالي اللقاء، نجوم المني، نسيم الربي، طيور المروج، اغنيات الغدير، دموع الجبل . ولكن ابو سلمي في مزاوجته بين الحبيبة والوطن لا يصل الي حد التوحد والتماهي بينهما.ويركز الدكتور سليمان جبران علي السمات الاسلوبية لشعر ابو سلمي قبل عام 1948 مثل: الغنائية التي تبدو واضحة منذ بداية تفجر شاعريته وظلت تلازمه طوال فترات حياته وبارزة، ليس في القصائد الغزلية فقط، وانما في القصائد الوطنية ايضا. ويتميز شعر ابو سلمي بالبساطة والعذوبة وان كان في اول عهده انساق وراء بعض الالفاظ الكلاسيكية الغريبة عن السياق الحديث. ويذكر الدكتور سليمان جبران ان ابو سلمي رغم محاولاته كتابة القصائد التوشيحية في بداية طريقه الشعري وفي الغزل بالذات الا انه سارع للانقطاع عن هذا المنحي في غير الاغاني والاناشيد. (ص139).يختتم الدكتور سليمان جبران دراسته عن الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب البريطاني بقوله مؤكدا ان هذا الشعر تمثل في الشعراء الاربعة: وديع البستاني رائد الشعر الوطني الفلسطيني؛ ابراهيم طوقان ابرز شعراء فلسطين في عهد الانتداب، عبد الرحيم محمود الشاعر الشهيد، عبد الكريم الكرمي الشاعر الذي غني اسمَ حبيبته فلسطين في وطنه وفي المنفي. هؤلاء الاربعة هم في رأينا، مَن وضعوا الاسس الفكرية والفنية للشعر الفلسطيني في فلسطين الانتدابية والشتات، وفي اسرائيل ايضا. ويضيف مؤكدا ما كان قدِ ذكره كثيرا ما يميز الشعر الفلسطيني قبل 48، هو الانخراط الحميم في الحياة السياسية والنضال الشعبي، والمناحي اليسارية فكراً وصياغة، والاستقاء بشكل واضح من اللغة العامية والمأثور الشعبي .(ص142) د. سليمان جبران. نظرة جديدة علي الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب. سلسلة منشورات الكرمل 9. جامعة حيفا 2006.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية