اندراج طاقة الثورات في مؤسسات

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

في قراءة تحليلية سوسيولوجية لثورتي الياسمين في تونس والميدان ( ميدان التحرير) في مصر يبرز أستاذ علم الاجتماع ساري حنفي محطة هامة في مسيرة الثورتين. لقد أشار إلى أهمية الدور الذي لعبته أحزاب المعارضة والنقابات والاتحادات الطلابية والجمعيات المدنية الحقوقية في دعم الحراك الشًّبابي غير المنظًّم وفي إعطائه الزًّخم اللازم للاستمرار والتعبئة والتأطير للصٌّمود في وجه الهجمة البربرية الأمنية الشًّرسة التي قامت بها الأجهزة الأمنية الرسمية بالتعاون التام مع بلطجية الحزب الحاكم وأزلامه.

هذه محطة يجب أن لا تغيب عن بال الجميع حتى لا نضيع في سيل الكتابات والأحاديث التي تبالغ في ترسيخ الإعتقاد بأن قيام الثورات في الأرض العربية لا تحتاج إلى أكثر من شباب متململ قادر على استعمال التعامل مع وسائل الاتصال الاجتماعي الحديثة من مثل الفيسبوك والتويتر. وبترسيخ مثل ذلك الاعتقاد الاختزالي المبسًّط يخرج هؤلاء بنتيجة مؤدًّاها عدم حاجة الحياة السياسية العربية في الحاضر والمستقبل للأحزاب والنقابات والاتحادات والجمعيات المهنية والاجتماعية المختلفة بعد أن حل محلها شباب رسائل الإنترنت والتلفونات المحمولة.

شباب ثورة الأمة العربية، التي قامت وستقوم، يجب أن لايسمحوا لأنفسهم بالوقوع في هذا المطبٍّ الفكري والمنهجي السياسي. فالحراك الثوري التغييري الذي قاموا به لم يكتمل بعد ولم يصل إلى غاياته المجتمعية الكبرى ولم يتمأسس ليصبح أداة حماية لما تمً وأداة تطوير لسيرورة سياسية ستمتدٌ عبر العقود القادمة. وعلى الشباب أن يدركوا بأن الشعوب العربية الثائرة، التي أوقظتها وجيًّشتها حيويًتهم وعفويتهم في الدرجة الأولى، لا تستطيع أن تبقى في درجة عالية من الغضب والثورية لمدة طويلة إذا لم تجد مؤسسات تنضوي تحتها وذلك من أجل بلورة مطالبها بصورة مستمرة ومن أجل قيادة نضالها لتحقيق تلك المطالب المتجدٍّدة عبر الزًمن. كما عليهم أن يدركوا أن الثورات التي لا تنتهي بأن تصبح مشروعاً سياسياً ـ اقتصادياً ـ اجتماعياً ـ ثقافياَ متكاملاً تذبل مع الزًمن ومن ثًّم ترجع الأوضاع إلى ما كانت عليه.

إذن نحن أمام طاقة شبابية وشعبية هائلة أثبتت أنها أقوى من أعتى الماكنات الاستبدادية والأمنية الظالمة. لكن الطاقة التي لا تندرج في مجرى محكم، يحميها من التبدُد غير المفيد، ويبقي قوًتها للحراك والفعل والإنتاج، لا يمكن الاعتماد عليها لمدد طويلة تحتاجها المشاريع النهضوية الكبرى. والاندراج المحكم ذاك لن يكون ذا فاعلية إلاٌ باندراجه في مؤسسات قائمة أو في مؤسسات جديدة تقوم الآن أو في المستقبل القريب جداً.

الشباب، رجالاً ونساءً، الذين فجروا الثورات، يحتاجون إذن أن ينخرطوا في الحال في الأحزاب والحركات والنقابات والاتحادات والجمعيات القائمة ويرفعوا من فاعليتها ومستويات ونوع نشاطاتها، أو أن يخلقوا مؤسسات جديدة مماثلة أكثر حيوية وقدرة ونجاعة من تلك التي سبقتها. أما بقاؤهم كمراقبين أو متظاهرين في الساحات بين الحين والآخر أو مجيٍّشين لمشاعر الغضب هنا وهناك أو راضين بأن، يكونوا شهداء الواجب كأفراد.. أما بقاؤهم كذلك فانه سيعطي فرصة كبيرة للثورات المضادة الداخلية وللارتهانات والتدخلات الخارجية.

لقد فاجأ شباب الثورة أمُتهم والعالم بقيام ثورة من نوع جديد دخلت تاريخ التجربة السياسية الإنسانية. ذلك لا يكفي. الجميع بانتظار مفاجأة أخرى: ابتداع أساليب وطرق جديدة لتنظيم طاقة الرفض والتغيير والأمل التي فجروها في صفوفهم وفي صفوف شعوبهم وذلك من أجل تنظيم أنفسهم ومجتمعاتهم في مؤسسات ديمقراطية قادرة على الفعل في الحاضر والمستقبل وملهمة لمسيرة الثورة حتى وصولها لنهاية معقولة وعظيمة.

يجب أن تخيٍّبوا، يا شباب الأمة، ظن من قال بأن أكثر الثورات راديكالية ستصبح محافظة في اليوم التالي لقيام الثورة. هذا مصير بائس لتضحيات هائلة مبهرة قمتم بها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية