‘اندفاع’… سباقات الدراما والفكر والإخراج

حجم الخط
0

ما الذي يمكن أن تتوقعه عندما تشاهد ملصقاً دعائياً لفيلم يحمل صورة لشابين وسيمين يرتديان ملابس سباق السيارات؟ أو تشاهد إعلان نفس الفيلم لتجد سيارات ‘الفورمولا 1’ الأشهر في العالم تتسابق باندفاع جنوني؟ ربما تتوقع فيلما رياضيا عن عالم السباقات، أو فيلم حركة من أفلام السيارات التي صارت علامة تجارية ناجحة في سينما القرن الجديد التجارية، سباقات مثيرة ومهارات قيادة صالحة للمشاهدة على الشاشة فقط، وحقنة بصرية من الأدرينالين تضخ تحت جلود مشاهدين شباب يحلم كل منهم أن يكون أحد الأبطال. حسنا.. كل ما سبق لا علاقة له بفيلمنا على الإطلاق!
صحيح أن فيلم ‘Rush’ أو ‘اندفاع’ للمخرج رون هوارد يدور داخل عالم سباقات ‘الفورمولا 1’، وصحيح أنه يروي حكاية واحدة من أشهر المنافسات الرياضية التي وصلت لحد الخصومة والعداء في تاريخ الرياضة بشكل عام، وصحيح أنه يحتوي على قدر لا بأس به من مشاهد السباقات الخطيرة، لكن تصنيف العمل كفيلم رياضي أو فيلم حركة هو وصف مخل يظلم الفيلم على الصعيدين الدرامي والفكري، بل وحتى على مستوى الإخراج. وهي عناصر التميز الثلاثة التي جعلت من الفيلم واحدا من أمتع الأفلام المتنافسة في موسم الجوائز الأمريكي وأكثرها قيمة.

المستوى الدرامي أو هذا ليس فيلما رياضيا
ينتمي ‘اندفاع’ للأفلام الرياضية بالطبع، ولكنه انتماء شكلي فقط بحكم الموضوع، أما الحقيقة فإنه ينتهج قالب سردي بعيد تماما عن السمات التي اعتادت الأفلام الرياضية الاعتماد عليها. فالأفلام الرياضية عموما تعلي من فكرة البطل الفرد المطروح بحيث يتوحد الجمهور معه، سواء كان هذا البطل شخص أو فريق كامل، ولكنه يظل في النهاية جهة أحادية لاستقطاب مشاعر المشاهدين ليحلموا معه بالتتويج بالبطولة بشكلها المادي: الكأس/ الجائزة/ الحزام الذهبي، في مواجهة عدد مختلف من المنافسين، على رأسهم بالطبع المنافس الرئيسي الذي عادة ما يتسم بالنقيض الكامل لمنظومة القيم التي يتم دفع بطل الفيلم باعتباره ممثلا لها.
شكل التنافس الرياضي الفيزيائي بالأساس مع هذا الشكل من البناء أحادي البطولة، يجعل التنافس في غالبية الأفلام الرياضية ماديا، يعتمد على مواجهة البطل الفرد أو الفريق لمجموعة من العوائق الخارجية، يقوم خلاله تغلبه عليها تباعا بالتخلص من هواجسه الشخصية وخوض الرحلة الدرامية الداخلية بشكلها الكلاسيكي. لذلك فلا عجب في أن تكون النسبة الأعظم من الأفلام الرياضية أفلام شديدة التقليدية، يمكن توقع مسارها، حتى أن خسارة روكي بالبوا من أبوللو كريد في نهاية الفيلم الرياضي الأشهر ‘روكي’، تظل حتى يومنا هذا مصنفة كأكثر نهاية مفاجئة في فيلم رياضي، رغم أن خسارته لا تعدو كونها غلافا خارجيا للانتصار، فمن البداية وضع روكي هدفه بالوقوف على قدميه طوال الجولات، ولكن هذا ليس موضوعنا الآن.
موضوعنا هو القالب المغاير الذي اعتمد عليه سيناريو بيتر مورغان (الملكة، فورست نيكسون، آخر ملوك سكوتلندا)، والذي يتخلص من مراهقة البطل الواحد، على الرغم من أن القصة نفسها مغرية باتخاذ صف أحد المتنافسين نيكي لاودا وجيمس هانت، ولكن الكاتب المخضرم يدخلنا حكايته من كلتا الزاويتين ووجهتي النظر، بحيث يتم التصعيد الدرامي باستمرار محافظا على التوازن بين الجانبين، يميل حينا لهذا وحينا لذاك، ولكنه يبقي التساؤل مطروحا باستمرار في ذهن المشاهد: أيهما البطل؟ وإلى أيهما يفترض أن أنحاز؟
الإجابة هي لا أحد، لا يجب أن تنحاز لأي البطلين، فالصراع بينهما أعمق من مجرد تنافس مادي على بطولة، حتى لو كانت هذه البطولة هي ‘الفورمولا 1’ نفسها. الصراع هنا داخلي بالأساس، يتعلق ببناء شخصيتيهما ومنهج كل منهما وما تمثله الرياضة بالنسبة له. والمصاعب والعوائق الخارجية التي تقوم عليها الأفلام الرياضية، هي هنا مجرد أمر هامشي، صحيح أن التنافس على البطولة، ولكن الخصم هو منظومة كاملة من الأفكار والأحكام، وليس مجرد عدد من المنافسين لاحظ التهميش المقصود لكل المتنافسين الآخرين بخلاف البطلين، وكأن كل من يحيط بهما مجرد هواة، رغم أنهما احتلا في بعض السباقات ترتيبا يقل كثيرا عن الثاني.

المستوى الفكري أو بين بيليه ومارادونا
في هذا التهميش للمنافسين وتركيز الصراع على البطلين، يكمن سر تميز الفيلم على المستوى الفكري، وهو أمر يمكن للجميع إدراكه والتفاعل معه، لكن الإدراك والتفاعل والتأثر سيكون أكثر بكثير إذا ما كان المشاهد مثل حالتي من محبي الرياضة ومتابعيها. فالمنافسة الهائلة التي جمعت نيكي لاودا وجيمس هانت لم تكن أبدا حالة متفردة قاصرة عليهما وعلى عالم السباقات، بل هي باختصار المعضلة الأكبر في تاريخ كل الرياضات ذات الطابع الجماهيري.
لماذا يمارس اللاعبون الرياضة؟ الإجابة النموذجية التي ترددها كل القنوات الرسمية تقول أنها لتقويم الجسد وضبط الحالة الصحية وتحقيق الإنجازات للنفس وللوطن، وكل هذه الاسطوانات المحفوظة التي لا يمكن إلا أن تعترف بوجاهتها، ولكن هل هذا هو كل شيء؟ بالطبع لا.
الرياضي هو شاب بالأساس، ناجح في مجاله، محبوب وذو شعبية ضخمة في حالة الرياضات الجماهيرية، تتاح له فرص استمتاع بالحياة لا تتاح لغيره من ذوي الحيوات الاعتيادية: كاميرات وأضواء في كل مكان، أموال تتهافت عليه وجميلات تلقين بأنفسهن تحت أقدامه. فهل يمكن لشخص أن يدعي أن هذه أشياء سيئة يجب تجنبها؟ الحقيقة أن بإمكاننا أن نقول هذا، أو لا نقوله، فتاريخ نجوم الرياضة عموما ينحصر بين النموذجين: بيليه ومارادونا، لاودا وهانت.
نيكي لاودا الرياضي البيليهي نسبة لأسطورة الكرة البرازيلية النجم المنضبط، الزوج المخلص، الذي يقضي وقته في قاعات التدريب، ويكرس حياته بالكامل من أجل هدف وحيد: ألا أترك لنفسي سببا ألومها عليه إن لم أتمكن من الفوز. بينما جيمس هانت على النقيض، رياضي مارادوني الهوى، يتغيب عن التدريب أحيانا، يتزوج فتاة قابلها للتو، ثم يتركها تحب غيره ليدخل علاقات بأخريات، يشرب بكثافة وربما يتعاطى المخدرات، هو باختصار نموذج لإنسان لولا موهبته لكان سكيرا خاسرا ينام على الرصيف، ولكن الموهبة ليست أمرا هينا.. الموهبة أكبر من الحياة نفسها.
عظمة ‘اندفاع’ الفكرية تكمن في عدم انتصاره لأي من النموذجين، فمن الممكن أن تتبع نظريات البرامج الرياضية وتزعم أن هانت مستهتر يهدر موهبته ويحرم نفسه من البطولات، ومن السهل أن تكون متمردا فتقول أن لاودا هو من يضيع حياته فلا يستمتع بسنوات شبابه كي يعيش خريف عمره على أطلال أمجاد قديمة. لكن كلا الأمرين تبسيط لتعقد النفس البشرية، وإهدار لحق كل إنسان في أن يعيش الحياة التي تسعده، وهو أقدر على اختيارها من كل النظريات والنصائح.
مسار دراما الفيلم هو وصول البطلين إلى نقطة لقاء بعد أن بدآ حياتهما عدوين حقيقيين، عدوين يمثل كل منهما شكلا متطرفا للنموذج فيصير الآخر هو الشيطان بذاته: هانت يرى لاودا محدود الموهبة يعتمد على الاستذكار والتحضير التقني، ولاودا يجد هانت مجرد عابث لا يدعو للاحترام أو الوضع في الاعتبار، حتى تثبت الأيام وتجربة السباقات العنيفة المشبعة بخطر الموت، ثبت لكل منهما أن الآخر وإن كان مختلفا، فهو صادق في شغفه، متصالح مع شكل الحياة التي يحلم بها.
وفي مشهد بديع، وبعد أن يسارع لاودا بالعودة للمضمار مشوه الوجه حتى لا يشاهد بطولته على الشاشة تذهب لخصمه اللدود، وعندما يقاطعه صحفي أحمق بسؤال سمج عن تشوه وجهه، لا يكون من هانت الخاسر الأكبر من العودة إلا أن يمزق الصحافي ضربا، غضبا مما قاله لمنافسه.. هنا نضج هانت، هنا أدرك هانت قيمه موهبة عدوه، هنا اعترف هانت أن لاودا شخص عظيم بموهبته واجتهاده، يستحق الاحترام من كافة من هم دونه، حتى لو كانوا ينتمون لمعسكر الخصم. وهو النضج الموازي لاعتراف لاودا بأن هانت الذي فاز ببطولة وحيدة في حياته، هو أشرف وأنبل الخصوم وأحقهم بالفوز، وأن انتصاره الوحيد كان كافيا ليرضيه مدى الحياة حتى وإن استمر خصمه بعدها في جني البطولات.

المستوى الإخراجي أو رياضة من الجحيم
كل ما سبق من تعقيد سيكولوجي يغلف علاقة البطلين ببعضهما وبالمضمار، كان من الممكن أن يتحول لعمل متوسط المستوى، ما لم يكن المخرج واعيا بأمرين: أولهما عمق الحكاية الأبعد بكثير من مجرد تنافس رياضي، وثانيهما مدى سوداوية الرياضة نفسها برغم ما يبدو عليها من جماهيرية وأضواء مبهرة.
نجوم ‘الفورمولا 1’ الذين نشاهدهم في الصور بملابسهم الملونة وسياراتهم الآتية من عالم الأحلام، يفتحون زجاجات الشامبانيا مبتهجين بالانتصار وحولهم الحسناوات، هم في الحقيقة محض مقامرين بحياتهم، يدفعهم الشبق للسرعة في كل مرة للانطلاق في رحلة نسبة الموت فيها هي وفاة كل عشرين سباقا. رياضة آتية من الجحيم لتقدم عرضا فاوستياً: نشوة السرعة والنصر والنجومية والمال وكل المكاسب، في مقابل حياتك نفسها.
لاودا وهانت وزملاؤهما باعوا أرواحهم لشيطان السباقات، تلك الحقيقة أدركها رون هوارد ليعود عبرها إلى السينما الجادة بعد المحاولات الساذجة لنقل ألاعيب دان براون إلى الشاشة. المخرج المخضرم لم ينسق نحو إثارة عالم السيارات وألوانه وسرعاته الذي نراه باستمرار في أفلام السيارات الموجهة للمراهقين، بل وصل للب المضمار ونقله كما يراه للشاشة: حلبة لصراع النفوس، وقبر للأجساد. وتتابعات السباق الأخير للموسم تصور المضمار بشكل مرعب، كابوس كافكاوي يدخله الأبطال حاملين أرواحهم فوق عجلات القيادة، لتجد نفسك ولأول مرة راغبا في التوسل لهم أن يتراجعوا، لا نريد أدرينالين بل نريدكم على قيد الحياة، وهو انتصار إخراجي لمخرج عاد بقوة بعد أعوام من الترنح.

وفي النهاية
كان من حسن حظي أن يكون ‘اندفاع’ هو أول فيلم أشاهده في 2014، ليشبعني كمحب للسينما أولا، وللرياضة ثانيا، بصورة لم يقم بها عمل آخر منذ فترة طويلة. وفيه تشابك قوة السيناريو كبناء درامي وأفكار يحملها هذا البناء، مع وعي إخراجي بحقيقة الفيلم البعيدة تماما عن الانطباعات الأولى، لتكون النتيجة تحفة سينمائية حقيقية غير متوقعة، تبشر بعام سينمائي نتمناه على نفس المستوى من الجودة.
*ناقد مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية