بغداد-“القدس العربي”: مواجهة عسكرية جديدة بين إيران والولايات المتحدة، تلوح في سماء العراق، في وقت واصلت القوات الأمريكية تسليم المزيد من قواعدها إلى القوات العراقية والتمركز في قاعدتين كبيرتين فقط، مترافقا مع تحشيدات أمريكية في المنطقة، وسط حديث القوى الشيعية وإيران عن نوايا أمريكية للقيام بانقلاب في العراق وتوجيه ضربات إلى الميليشيات، لتغيير الأوضاع وإبعاد البلد عن النفوذ الإيراني.
وضمن تصاعد التهديدات المتبادلة، حذّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إيران من دفع “ثمن باهظ” إذا ما هاجمت هي أو حلفاؤها في العراق القوات الأمريكية المنتشرة هناك، وذلك بالتزامن مع قيام قوات التحالف الدولي بتسليم القوات العراقية، عدة معسكرات كانت تتواجد فيها القوات الأمريكية في كركوك والقيارة والموصل والقائم، في إطار إعادة نشر القوات الأمريكية بالانسحاب من القواعد القريبة من المدن التي يسهل استهدافها بصواريخ الكاتيوشا، والتمركز في قاعدتين كبيرتين هما قاعدة الأسد في الأنبار وقاعدة حرير في أربيل التي تم جلب بطاريات صواريخ باتريوت لحمايتهما من الهجمات الصاروخية.
ورغم أن قائد التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” أكد أن “الانسحاب كان مقررا منذ فترة ولا علاقة له بالهجمات الأخيرة على القواعد أو كورونا” إلا أن القوى الشيعية والميليشيات الموالية لإيران، اعتبرت هذه التحركات تمهيدا لعمل عسكري أمريكي ضدها، خاصة وأنها تأتي مترافقة مع إعلان وزارة الخارجية الأمريكية، فرض عقوبات جديدة على 20 حزبا وشخصية شيعية عراقية، لأنهم “ينتهكون السيادة العراقية ويستغلون الاقتصاد العراقي لتحويل الأموال إلى فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني”.
ويتحدث القادة الشيعة وجيوشهم الإلكترونية عن سيناريوهات لنوايا أمريكية لتوجيه ضربة قوية للميليشيات الموالية لإيران، إضافة إلى سعي أمريكا لفرض شخصية غير خاضعة لإيران لرئاسة الحكومة العراقية. وهو ما حدا برئيس الوزراء العراقي المستقيل، عادل عبد المهدي، للتحذير من تحركات “قد تقود” لأعمال حربية في العراق، في إشارة إلى تسريبات صحف أمريكية عن نوايا وزارة الدفاع الأمريكية للقيام بعمليات محتملة تستهدف فصائل مسلحة موالية لإيران، إضافة إلى تهديد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بعملية شبيهة بعملية اغتيال قاسم سليماني.
وفي هذا الإطار، يتسابق القادة الشيعة بإطلاق التصريحات والتهديدات، ضمن حملة منظمة تتحدث عن انقلاب وضربات أمريكية محتملة قريبة على الميليشيات وقادتها واستعدادات الفصائل للمواجهة. وفيما أكد عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية، النائب عن تحالف الفتح كريم المحمداوي “ورود معلومات إلى الجانب العراقي تفيد بنيّة الولايات المتحدة الأمريكية، شن هجمات تستهدف الحشد و(فصائل المقاومة الإسلامية) فضلاً عن عمليات اغتيال تطال قادة عسكريين وسياسيين” فإن القيادي في الحشد الشعبي كمال الحسناوي، أعلن “أن ما كنا نسمعه من تسريبات عن ضربة أمريكية تستهدف فصائل الحشد بات أمرا ملموسا وعلنيا ووشيكا” كما أشارت تسريبات من لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي إلى أن “واشنطن سوف لن تكتفي بقصف جوي يطول مقار الفصائل المسلحة بل أن الترجيحات تفيد بوجود عمل عسكري على الأرض تنفذه قوات أمريكية تم استقدامها لهذا الغرض وهي موجودة الآن في دولة مجاورة”.
وقد ربطت التصريحات بين التحركات العسكرية الأمريكية داخل العراق وخارجه، وبين محاولة تشكيل حكومة جديدة برئاسة عدنان الزرفي التي تتهمه قوى شيعية بالولاء لأمريكا، حيث أعلن النائب عن تحالف الفتح في البرلمان العراقي حامد الموسوي “أن الإدارة الأمريكية تسعى لجعل العراق قاعدة لها لمراقبة الشرق الأوسط عبر دعمها لعدنان الزرفي” متهما رئيس الجمهورية برهم صالح والمرشح لرئاسة الوزراء عدنان الزرفي، بأنهما مواليان لأمريكا.
ووصلت التهديدات إلى إعلان رئيس كتلة “الفتح” محمد الغبان في تغريدة على موقعه في “تويتر” إن رئيس الجمهورية سيكون تحت طائلة المساءلة القانونية والبرلمانية خلال اليومين المقبلين وسينتج عنها بطلان مرسوم التكليف، مؤكدا أن عدنان الزرفي لن يرى “كرسي الرئاسة”.
ويشير المراقبون أن الميليشيات وأحزاب السلطة الشيعية، تتخوف من احتمال فتح رئيس الحكومة المكلف عدنان الزرفي، الذي رشحه برهم صالح من دون موافقة التحالف الشيعي، ملفات حساسة مثل نفوذ الميليشيات والحشد الشعبي، إضافة إلى الإبقاء على القوات الأمريكية في العراق.
ولأن الطرف الإيراني يحرص على ابراز دوره مع تشكيل كل وزارة جديدة، فقد أكدت مصادر سياسية وإعلامية وصول قائد فيلق القدس اسماعيل قآني إلى بغداد في زيارة سرية، أجرى خلالها لقاءات مع قادة شيعة لحسم خلافاتهم حول اختيار رئيس الوزراء المقبل وبحث الوجود الأمريكي في العراق، فيما هدد مساعد قائد الحرس الثوري الإيراني العميد يد الله جواني، من أن “أي عملية عسكرية أمريكية في العراق ستبوء بفشل كبير”. أما وزارة الخارجية الإيرانية فاعتبرت إن “الأنشطة (العسكرية) الأمريكية تتعارض مع الموقف الرسمي للحكومة العراقية وبرلمانه ” وإنها قد تجرّ المنطقة إلى “وضع كارثي”.
وهكذا وفي خضم التهديدات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة على أرض العراق، ومع صعوبة تصور امكانية تشكيل حكومة برئيس وزراء غير متفق عليه بين الأطراف المؤثرة، فقد يحصل قبول بالزرفي في النهاية بعد أخذ تعهدات منه بعدم المس بنفوذ الميليشيات ومصالح إيران، وذلك لعلمهم بتشدد الولايات المتحدة وعدم سماحها بتكليف رئيس وزراء شيعي متشدد وموالي لإيران مئة في المئة، مع عدم استبعاد سيناريو وقوع مواجهة محدودة تنتهي بالاتفاق على الحد الأدنى الذي يضمن مصلحة البلدين المتصارعين في العراق، ويوقف حالة الانهيار فيه جراء تدهور أسعار النفط وتفشي كورونا والفراغ الدستوري إضافة إلى التذمر الشعبي من العملية السياسية.