انشراح اللغة وشعرية المُواربة في «نايات العشق» للشاعر أمجد مجدوب رشيد

للشعر عظمة موصولة، بشكل واثق ووثيق، بهاجس التحليق، وبمكابدات السفر الأورفيوسي المستديم، نحو التخوم والأقاصي، بفتنها الموقظة للذات والأشياء والعالم. سفر أورفيوس، وهبوطه إلى العالم السُّفلي، لم يكن ليحدُث، لولا نفخ الأخير في الناي، باعثا طيورا محلقة بأكثر من جناحين، في سماوات السحر والإبداع الآسر.
النايُ نفسه، سيستدرجُ ميثيته البدئية، في زمن غير الزمن. صحيح هو زمن قدسي، لكن قدسيته، في هكذا مقام|مقال، هي من نوع آخر، إنه زمن العشق، وزمن الشعر، وزمن الشاعر الجميل، أمجد مجدوب رشيد. فبعد ديوانه الأول الموسوم ب «وأظهرك على العشق كله»، الصادر سنة 2004، يُطل علينا الشاعر أمجد مجدوب رشيد، هذه السنة، بإضمامة شعرية أنيقة وباذخة، شكلا ومضمونا، تحت عنوان»نايات العشق»، عن مطبعة أميمة بفاس. يتكون الديوان من164صفحة من القطع المتوسطة، ويضم في تضاعيفه، سبع نايات وناي، كل ناي يتكون من مجموعة من القصائد، تراوحت بين القصيدة والومضة والهايكو، أيضا وعطفا، جمعت بين قصيدة التفعيلة وقصيدة الثر. غلاف الديوان زُين بلوحة رائعة وماتعة، بريشة الشاعر نفسه، وهي بعنوان يتعالق ويتساوق مع عنوان المجموعة «بستان نايات العشق»؛ في حين زين غلاف الواجهة الخلفية بلوحة من توقيع الشاعر عزيز أزغاي. قام بتقديم هذه الأضمومة الدكتور الشاعر أحمد مفدي. فماذا عن المدونات الجمالية التي أنتجت شعرية خاصة ومائزة في هذا الديوان؟
إن الكتابة في هذه الإضمامة الشعرية الشائقة، كتابة جاحدة، وتأبى الاستقرار في غير برزخ المواربة والبين-بين، بلُغتها المنسابة والمتماوجة مثلما جمل موسيقية منسابة، تفتحُ جروحا وندوبا عميقة في تبدّيات المعنى المنشرح والمتكاثر. هي كتابة، بالمعنى الذي تقترحه التنظيرات النقدية الحديثة، من توقيع يد مرتعشة؛ يد تسعى جاهدة لتحريف الخط عن مجراه ومداه، حتى لكأن حروف الكلمات تكفر بماء المعنى وتجعله، من ثم، منهمرا كشلال بوح آثم. الآثام اللغوية، هنا، ناجمة عن وعي مسبق، وعن موتيفات اختبارية في الكتابة تشكل قاعدة ومنطلق الشاعر. نقرأ في إحدى فيوضات هذا الديوان، تعريفا للشعر أشبه ما يكون ببيان للكتابة عند هذا الشاعر المتمكن من أدواته. يقول الشاعر:
الشعر كوخ بلا سقف
تظلله النجمات
…………………….
أترك للعابرين
دوما
نوافذي مشرعة
والحدسُ يُحاورني (ص34)
فالشعر بالنسبة للشاعر، ليس تعمية، ولا تصريحا، بل هو عوالم بدون سقف، ومن أراد أن يرى ما بالداخل فما عليه سوى الصعود إل سقف اللغة؛ ومن كانت تعوزه اللياقة اللغوية، فليكتف بنوافذ القصيدة دون أن يطمع في الأبواب لأنها موصدة جدا. وأما عن الشاعر فيخاطبه قائلا:
لك عصا الكشف
ونحو الغور
خطاك (ص35)
لقد أصبح الشاعر كشافا ومغامرا بتعبير نيتشه. عصاه لغته، ويقينه غوره في المجهول. ولنا أن نتصور شكل اللغة في هذه المغامرة. لأجل هذا وذاك، فإن الارتعاش في الكتابة، سمة بارزة وفارقة في الديوان. الارتعاش مكر وخداع الكتابة الشعرية الحداثية الجديرة بهذا النعت، إنه التفجير بلغة أدونيس. إلا أن ما يجعل التفجير اللغوي، في هذه الإضمامة الباذخة يحقق حداثته الخاصة، كونه يؤسس لشعرية جديدة، آثرت تسميتها، ب»الكتابة المواربة»، تلك التي تُطرّز ماء اللغة بكثير من الانشراح.ولأن ماء الكتابة، من ماء هيراقليطس، فالسباحة فيه لا تكون إلا مرة واحدة. لذلك تجد الشاعر أمجد مجدوب، يكتب بيد ويمحو بأخرى، يفكك ويهدم ليبني من جديد محتفظا، فقط، بالطروس. أفكر هنا في فكرة التفلسف بالمطرقة عند نيتشه، بالقدر الذي أفكر في فكرة الكتابة بالأرجل دائما عنده.نقرأ في الصفحة 18-19:
حلو التثني يغريني
بالقرب، فأتعرى،
(يسّاقط لحائي،
أرتعش،
أنتفض..)
وليس من شك، أن الكتابة المرتعشة، هي المقابل الموضوعي لفكرة «التلعثم» على مستوى الكلام بالمعنى الدولوزي (دولوز). إن التلعثم (الارتعاش، المحو، المواربة)، هي محاولة لزعزعة المواضعات التقليدية للكتابة المحافظة ، لغة ومعنى، تلك التي شاخت واستحكمت في الإبداع، وقصّت أجنحة طيور- أنغام الناي الأورفي:
كلُّ حاكم
شاخت في كفه
السلاسل ص120
أيضا وعطفا نقرأ في الصفحة123
بالاسم الذي أهوى
ما أهوى
وأمحو
وأثبتُ
وما أثبتُه يشيخ
وما أمحوه
يتناسل
ولئن كانت ناياتُ العشق، في الديوان، نفخا في الخيال، والخيال مسكن الحقيقة الباطنية (الاستعارة- المجاز)، إذ نستحضر هنا هايدغر حينما قال: (اللغة مسكن الوجود)، مثلما نستحضر مدى اندهاشه للاستعارة، علما أن الحقيقة الباطنية كانت دائما وأبدا نار الصوفية، فإن النايات، هاهنا، هي عبارة عن طيور محلقة لزاهد (في اللغة) في سماء العشق الصوفي الملبّدة بفخاخ المخاتلة والمواربة:
خمرتي نوره
كأس عشق
سقاني حبيب
ومنه
إليه
صببتُ له ص156
وفي فيض شعري آخر، يبوح الشاعر بما يُشبه انفجار المكنونات، وبداية تكوينها من جديد، متمردا على كل ما علق بالذات من ذبول وصبابة:
ها أنا ذا
صرتُ ضبابا
وصرت
سحابا
فهبّ علي
حولني
غيثا
وكتابه ص 154
وللعشق في الديوان، حضورٌ قويٌّ، منذ العنوان، يجعله يعترشُ باقي الثيمات الأخرى المتفرّعة من أغصانه. فالعشقُ سيرٌ على الطريق الباطني نحو المعرفة الحقة والصافية، ليس من شك أنها معرفة فوق عقلية.إنها معرفة الحدوس اللدونية ، حيث المسالك تتوالج، والمكنونات تتخالج. والسائرُ في هذه المكابدة، في نظر ديونيسيوس، إنسانٌ «مكرّس»، لا يستقبل معرفته، إلا المكرس. ولكي يعشق الشاعرُ المُكرس، حسب ديونيسيوس، عليه « أن يسعى بتوتر إلى التأملات السرية» (ورد هذا في كتاب، التفكير والإبداع، لفاديم روزين ص124). يقول الشاعر:
خذي بيد هذا المجنح الأعمى
بيد بركان حدوس
تغلي وتقذف
مواجعها،
دليه على نافذة يُطلُّ منها
على حديقة
خلف المجرات. ص26
والشاعر أمجد مجدوب، في تأملاته، في متان هذه الإضمامة، اختلق لعشقه شعرية مخصوصة، وموسومة «بالمواربة» و «الجانوسية»، نسبة إلى جانوس إله الأبواب المتحفز دائما، إلى الداخل والخارج، بوجهين متعاكسين (هذا التعبير يعود لرشيد بنحدو، في مقال بعنوان، عن المبدعين النقاد-العلم الثقافي -11 مايو 2002). إن ثيمة العشقُ، في مقام، هذا الشاعرالملبّد بالمكر اللغوي، تحوّلُ شعريتها باستمرار، مبنى ومعنى، بخذروف المواربة والمخاتلة والمراقبة الجانوسية.لنتأمل هذا التحول في تبدّيات»العشق»:
– من لفح العشق. (ص131)
– وبرق العشق في الضلوع. (ص152)
– لشهقات العشق. (ص51)
فبين لفح- وبرق- وشهقات، تحول معنوي لنفس الثيمة.إلا أن الحقيقة التي يثبتها صعود هذه المقامات، كون العشق، في فيض هذا الشاعر شمس لا تغيب. ولنا أن نتذكر هنا الشمس(الاستعارة) وغيابها عند دريدا.يقول الشاعر في الصفحة 52:
أحمد تتوهج في نفخته شمس العشق
شمس لا تغرب
ولما كانت الشمسُ، هي النور الذي يضيء الوجود، ( لازلنا دائما مع دريدا)، وأن الحقيقة شمس واحدة، في نظر السهروردي، فإن غروبها لا يعني سوى غروب المعنى. لقد ظلت هذه الشمس ملبدة في تضاعيف هذا الديوان، باعتبارها استعارة مصابة بالتعدد والتكثر، إذ مدار الشمس، هو خط مسيرة الاستعارة عند رائد التفكيكيين ، ومن ثم فإن حضورها القوي، في هذه الإضمامة، ضمان لحضور المعنى كفائض بتعبير بول ريكور.
بقيت الإشارة إلى أن هناك ملمحا فنيا آخر، جعل قصائد الديوان تختلق فرادتها، كتجربة مائزة ومتميزة ضمن حساسيات شعرية جديدة أصبحت تؤثث فضاءنا الشعري بالمغرب، نقصد بهذا الملمح ، التجانسات الصوتية، كدال لافت للانتباه، يجعل الصورة في القصيدة جانوسية، أي أنها تقدم نفسها بوجهين.وجه ينظر إلى المعنى من وراء حجاب، ووجه آخر يراقب الكلمات التي تأبى القول، وهي تتصادى وتتدانى، بشكل مثير، مُحدثة إيقاع ضرب ناقوس، يصاحب النايات، في أنغامها. إن التجانس الصوتي ، في هذه المجموعة، يحضر كإيقاع خبئ يستعيض عن الإيقاع الممتلئ.أليس الإيقاع، كدال، أكبر وأعم من الوزن، كما يري ميشونيك؟
لنتأمل الأمثلة التالية، وهي غيض من فيض .
1- العناوين (ملاح- مليح –لمحة – حلمة –ملح)ص 128- 129
عاد لها 2-
يافعا ولها
فلها ص 129
وما أكثر الجناسات الصوتية، والتكرار بأنواعه، والتوازي، والتنغيم، في هذا الديوان بما يجعل إيقاعيته، في الكثير من المناسبات، تترفع عن أن تكون غنائية رتيبة، لتتحول إلى ترديدات صوتية خبيئة وصادمة.
أما بعد، إن شعرية المواربة، في هذه المجموعة الشعرية المترفة، شعرية تستقوي بتمنُّعها وبدهشتها الخاطفة، تلك التي يتوالج فيها الخفاء والتجلي، الغابر والظاهر. المواربة خيط رفيع، أو حجاب شفيف، يفرق بين الهنا والهناك، بين الداني والقصي، ولعمري تلكم حداثة خاصة، حداثة تحفر أخاديدها في الأراضي المستباحة والتخوم والمضايق(أفكر هنا في أبي نواس)، متجاوزة، بذلك حداثة الآن والهنا، إلى حداثة الآن والهناك، في تناسب متشاكس بين التقليد والتجديد. إنها حداثة الشاعر أمجد مجدوب رشيد، في أبهى تجلياتها الإبداعية القشيبة.

٭ شاعر وناقد من المغرب

محمد الديهاجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية