انطباعات عابرة
د. محي الدين عميمورانطباعات عابرة بمجرد أن أفتح عيني كل صباح أشعل التلفزة لأطمئن علي تواصل الصمود الرائع لرجال حزب الله في مواجهة الغزو الإسرائيلي، وأسجل تقديري للكفاح البطولي الذكي الذي جعل قوات العدو الإسرائيلي تتصور وكأنها تحارب أشباحا لا يُرون. ولقد فشلت إسرائيل عبر كل مرحل المواجهة في اختطاف رجال المقاومة أو في اغتيالهم بالأسلوب الذي استعمل وأدي إلي استشهاد العشرات من قيادات المقامة الفلسطينية.والسبب هو أن المجاهدين في لبنان التزموا بأهم قواعد حرب العصابات التي استعملها الفيتناميون ثم الجزائريون ولم يخلطوا بين العمل الفدائي والعمل الإعلامي، ولم يكن يتقاطر علي الشاشات الصغيرة عشرات القياديين يصرحون ويهددون وينددون، ويكشفون أنفسهم للعدو الذي يرصد كل شيئ، مباشرة أو عبر عملائه، ثم يروح يستأصلهم واحدا بعد الآخر.ہ السيد محمود معارض سوري يعيش في لندن، تخصص في استعراض مثالب الحكم السوري وجرائمه، كما يقول، علي فضائية المستقلة، وبحجم هائل من المرارة يقطر من كل التدخلات.وكنت اشتبكت معه هذا خلال حوار تلا اغتيال رفيق الحريري، كنت قلت فيه بأنني لا أري داعيا للتسرع في إدانة سوريا، وبأن المشتبه الأول فيه هو مصالح الموساد، الخبيرة في هذا النوع من التشويش السياسي الذي ينطلق من عمليات إجرامية تنسب لخصوم إسرائيل، وبأنني، وإلي أن يصدر تقرير دولي موثوق به، سأظل أقف بجانب دمشق وأرفض أن أقف بجانب من يحاول تجريمها.وفوجئت بأن الرجل ركبه جن أزرق، ولم يكتف بتناول الشأن السوري بل راح يتطاول علي الجزائر بملاحظات تدل علي جهل مطبق بأحداثها، وهكذا وجدت نفسي مضطرا لكي أريه أين يُباع الزنباع ، وبحجم كبير من العنف، رغم أنني أتفادي ذلك في حــــواراتي وأترك الانفــــعال الزائد للخصوم.وبالأمس، وخلال برنامج حول أحداث لبنان، قال السيد محمود أن الوطن العربي يوجد بين عدوين، إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخري، ثم راح يلقي اللوم علي حزب الله، تماما كما فعل البعض، فأدركت أي نوع من المعارضة ينتمي إليها المذكور كبعض رهوط المعارضة التي دخلت بغداد علي ظهر الدبابات الأمريكية، وتصورتُ من يمولها رغم تناقض المذاهب والولاءات العقدية.ولعل من فوائد العدوان الأخير أنه أعطانا الفرصة لكي نكتشف الكثير عن وطننا العربي. ہ نادي الداعية المودرن بتكاتف إسلامي لمواجهة العدوان الإسرائيلي، وحث حكام العرب والمسلمين علي ردّ العدوان علي المستضعفين والمدنيين العزل، وإلي هنا والأمر طبيعي جدا ويستحق الشكر والتقدير، لكن بقية البيان الإعلامي الذي أصدره عمرو خالد لا يمكن أن تمر بــــدون تعليق، حيث يقول متسائلا بأننا : كنا ننتظر رؤية الجيوش العربية والطــــائرات العربية والصواريخ العربية (..) فإذا لم تتحرك فما الحكمة إذن من وجودها ؟ ثم يواصل بيانه داعيا المسلمين إلي حسن التضرع إلي الله وطلب الإغاثة منه للانتقام من المعتدين .وما قاله عن الجيوش والصواريخ والطائرات هو ما يمكن أن يقوله أي مواطن عادي مُحبط، يتابع أنباء الصفقات الكبيرة من الأسلحة الغربية التي تدفع بعض الدول العربية ثمنها، وكلها أقل من مستوي السلاح الإسرائيلي بل والإيراني (إذا كان العدوّ المحتمل هو إيران، كما يخطط البعض) وجلها يأكله الصدأ في المخازن، لكن صدور القول عن رجل مثقف يذكرنا بعملية التحريض والتعريض التي قامت بها أنظمة وأحزاب لاستفزاز دفع جمال عبد الناصر في 1967 ودفعه إلي طرد القوات الأممية والانزلاق إلي حرب كانت نتيجتها الهزيمة المحققة.والآراء العسكرية مقبولة إذا قدمها رجال من طراز الفريق سعد الدين الشاذلي، ذكره الله بكل خير، ولكن من الصعب تقبلها من رجل لعله لم يطلق رصاصة واحدة في حياته علي زجاجة فارغة. ودور الداعية هو أساسا إعلان موقفه من الفتاوي المنطلقة من خلفيات مذهبية ضيقة أو الصادرة بتوجيهات من وليّ الأمر تطبيقا لتعليمات جاءت من بعيد، تجرم المقاومة الإسلامية وتدين رجالاتها.وكنا نريد أن نسمع رأي البيه فيما قاله أولمرت من أن دولا إسلامية عبرت عن ضيقها مما قام به حزب الله واستند له رئيس الوزراء الإسرائيلي في محاولة تسميم اللبنانيين، وكنا نأمل أن يدعو لمواقف عملية بسيطة يقوم بها المـــواطن للمساهمة في ردع الذين يدعمون العدوان ومن بينها المقاطعة الميدانية للمنتجات الأمريكية وعدم إيداع الأموال في البنوك الأمريكية.لكنه فضل أن يستعرض عضلاته في غير اختصاصه، بل إن دعاءه إلي الله للانتقام من المعتدين كان عاما ولم يتكامل مع الدعاء لنصرة المجاهدين، فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ولا قوات مظلية.وما زلت أطرح التساؤلات عن دعاة يمارسون عمليات تخدير للجماهير، هي في حد ذاتها أكبر دعم للعدوان، والذين كشفت الوقائع عمن يتولي تمويلهم وتلميعهم ثم إدارتهم بأداة التيلي كوماند .ہ هناك عدة حقائق يجب أن تكون أمامنا ونحن نعيش علي وقع مجزرة قانا الثانية.- الأولي هي أن النظام العربي كله فقد شرعيته بدرجات متفاوتة، وأوضح هنا أنني لا أقصد السلطة وحدها ولكنني أضيف إليها الطبقة السياسية العربية التي عجزت عن القيام بمهمة طبقة سياسية تعتمد علي مؤسسات حزبية هرمية النشاط، وتتقدم بأفكار واضحة محددة لقيادة جماهير فقدت ثقتها بالجميع، لأنها تنتظر من يوجهها ويؤطرها وليس من يكتفي بأن يصرخ معها بنفس صرخاتها.والاستثناءات تؤكد القاعدة.- الحقيقة الثانية هي أن إسرائيل تمارس عملية إبادة جماعية G‚nocide منظمة ومخططة، هدفها التعامل مع العربي كهندي أحمر يجب قتله أو عزله في محتشدات كالحيوانات البرية، وهذا واحد من عناصر وحدة الفكر مع الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا، وبالطبع، بدرجات متفاوتة.ولقد قالت إسرائيل بأنها قصفت قانا بالأمس لأنه كانت تطلق منها صواريخ حزب الله، ورغم أنه لم توجد أي آثار لذلك في مكان المذبحة فإن السؤال المطروح : هل أطلقت صواريخ حزب الله من قانا في منتصف التسعينيات وهي التي كانت تحت حراسة الأمم المتحدة، وهل أطلقت صواريخ حزب الله من صبرا وشاتيلا في بداية الثمانينيات، وهل أطلقت صواريخ حزب الله من مدرسة بحر البقر في مصر في الستينيات وهل أطلقت صواريخ حزب الله من دير ياسين وكفر قاسم في الأربعينيات.والمصيبة هي أن بعض الأعراب يقبلون تحليلات إسرائيل أو … يتفهمونها !!. ہ ما زلــــت أري ضــــرورة استقالة كل من الأمين العام لجامعة الدول العربـــــية ليجسد موقــــف رجولة ترفض الانبطاح، وأن يستــــقيل الأمين العام للمؤتمر الإسلامي اعترافا بالفشل والتخاذل، وأنا واثق بأن استقالة كل منهما، وبدون تراجع عنها، سيكون لها وقع بالغ الأهمية علي الأحداث.وفيما يتعلق بالعمل العربي هناك مسؤولية خاصة تتحملها الدول التي ترتبط بعلاقات مع إسرائيل، وأبسطها استدعاء السفير للتشاور، هكذا.ويبقـــي أنه إذا لم تعـــقد قمة عربية فورا فنأمل ألا تعقد أبدا.ہ كاتب ووزير جزائري سابق8