علاء جمعةبرلين ـ ‘القدس العربي’: بعد الفضيحة الجنسية المدوية التي هزت الكنيسة الكاثوليكية والتي كان ضحيتها أطفال عاملون بالكنيسة والتي جعلت من ربع الكاثوليك الالمان يفكرون بترك كنيستهم طبقا للبحوث التي نشرتها وسائل الاعلام الالمانية، انطلقت حملة اعلامية مكثفة لتشمل عموم المانيا تهدف إلى كسر الصمت ولجم الجناة بالاضافة الى تعيين الحكومة الألمانية مفوضا حكوميا لمتابعة ومعالجة هذه الظاهرة الخطيرة في المجتمع. وتأتي هذه الحملة طبقا لمقررات جلسات سابقة كما نشر موقع ‘دويتشه فيليه’ باللغة الالمانية سميت بجلسات الطاولة المستديرة والتي شكلتها الحكومة الألمانية للتصدي للاعتداءات الجنسية على أطفال وذلك تحت رعاية واشراف كل من وزيرتي الأسرة والتعليم الاتحاديتين كريستينا شرودر وأنّته شافان ووزيرة وزيرة العدل سابينه لويتهويزر شنارنبرغر، كما ضمَّت الطاولة عددا من السياسيين والحقوقيين، والأطباء النفسيين، وممثلين عن الكنيسة والمدارس الداخلية الكنسية، والاتحادات الرياضية ونقابات المعلمين من مختلف الولايات الألمانية واستعانت الحكومة الألمانية بفنانين محترفين معروفين لنقل رسالة الحملة إلى المجتمع. ومن بين هؤلاء المنتج السينمائي والمخرج الألماني فيم فيندرس وزوجته دوناتا الى جانب المصور الفوتوغرافي السويسري البرتو فينزاغو. الذين يتولون الإشراف الفني على الحملة. وقال المخرج فيم فيندرس في مؤتمر صحافي نشرته محطات التلفزة الالمانية ‘أملك ما يكفي من الخبرة للتعامل مع أحداث احتفظ أصحابها بها بسرية ولفترة طويلة وأعلم مدى فائدة الحديث عن الموضوع’. ويضيف ‘أن الحديث عن هذه الأمور المغمورة في عمق الإنسان يساعد كثيرا على تجاوز تداعياتها ويعتبر فيندرس أن الحديث عن هذه الأمور بعد سنوات طويلة من الصمت يشكل الخطوة الأولى صوب العلاج النفسي التام. وترافق الحملة ملصقات ملونة وجداريات كبيرة في مختلف المدن الالمانية بالإضافة إلى إعلانات توعوية في وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة الالمانية هدفها هو ‘أن الحديث عن الموضوع يساعد كثيرا’ على ترسيخه في عقول أفراد المجتمع. وتكمن خلفيات هذه الحملة في حقيقة أن الكثيرين من الضحايا والجناة لا يكشفون وقائع ما جرى لهم أو ما فعلوا إلا بعد مرور عقود عديدة على الحدث المشين.
وفي ايار (مايو) الماضي تم استحداث مركز استشاري هاتفي لغرض فسح المجال أمام الضحايا والجناة للحديث عن عما تعرضوا له من استغلال جنسي أو ما قاموا به من فعل من هذا النوع. وتناوب حوالي 65 كادرا متخصصا في العمل في المركز، كانوا يستقبلون النداءات الهاتفية ليل نهار ومبدين استعدادهم لمساعدة كل من يطلب ذلك دون المساس بسرية الحديث. وبمناسبة إطلاق الحملة الوطنية لمكافحة استغلال الأطفال جنسيا قدمت المفوضة الحكومية كريستينه بيرغمان لوسائل الاعلام الالمانية حصيلة أولية لعمل المركز الاستشاري وقالت في مقابلة مع المحطة الاخبارية الاولى داس ايرسته ‘إن المركز تلقى لحد الآن 2500 نداء ورسالة خطية. وما أثار دهشتي هو أن حوالي 60 في المائة من المعنيين بالأمر يتحدثون لأول مرة في حياتهم عن هذا الموضوع. أما عنصر الدهشة فيكمن فعليا في أن الفترة الزمنية الكامنة بين لحظة وقوع الحدث والحديث عنه لا تقل عن 20 عاما. ويحتاج عدد غير قليل منهم إلى فترة قد تصل إلى 40 أو 50 عاما كي يكسر حاجز الصمت، كما يقول يورغ فيغرت مدير قسم الأمراض النفسية للأطفال والشبيبة بالجامعة التعليمية بمدينة اولم، بجنوب ألمانيا. وتلقى المركز الاستشاري الهاتفي الكثير من دعوات المتضررين الذين يطالبون بفتح المزيد من هذه المراكز إلى جانب تقديم العلاج النفسي المجاني لمساعدتهم على طريق تجاوز هذه الأزمة التي تبقى ترافق الضحايا طيلة حياتهم. كما يطالب البعض منهم بضرورة تعديل المواد القانونية التي تسمح بمحاكمة الجناة على أفعالهم الشنيعة حتى بعد عقود طويلة من الصمت. ورحبت المفوضة بيرغمان بفكرة أحد القساوسة الذي طالب بضرورة تقديم تعويضات مالية للضحايا، ولكن بشرط أن لا يكون ذلك ثمنا مقابل الصمت. إلى ذلك طالب رئيس الأساقفة الألمان الكاردينال غيورغ شترتسنكي في برلين بتوخي الحذر عند ترسيم القساوسة في أروقة الكنيسة الكاثوليكية. وقال: ‘تساورنا الشكوك داخل الكنيسة في الفترة الأخيرة حول أفراد يقررون العيش في العزوبية قبل أن ينضجوا في تعاملهم مع رغباتهم الجنسية لدرجة تفرض علينا الآن التدقيق في اختيار من يُجاز له العمل الرعوي ومن لا يجاز له’. وأضاف: ‘لم أكن أتوقع أبدا أن يصل عدد حالات الاعتداء إلى هذا الحجم، ولكن ما دام حصل ذلك فلا بد أن يعلن على الملأ’. واعترف بأن الفضيحة هذه أدخلت الكنيسة في أسوأ أزمة عاشتها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وبدوره وجه المطران الألماني شتيفان أكرمان، الذي عيّنته الحكومة أخيرا مفوضا للتحقيق في حالات الاعتداء الجنسي في الكنيسة الكاثوليكية، انتقادات لعدد من زملائه الأساقفة في ألمانيا وللفاتيكان. وأضاف: ‘لقد خان القساوسة الثقة التي منحها الناس إياهم بأفظع ما يكون’. وشبَّه أكرمان الأزمة الحالية للكنيسة باندلاع بركان آيسلندا قائلا إن فضيحة الاعتداءات الجنسية فجرت القشرة الخارجية للكنيسة كما فجر البركان القشرة الخارجية للأرض مضيفا: ‘تولّد عن ذلك سحابة سامة ذات رائحة عفنة’. ورأى أن الفضيحة جعلت العديد من القساوسة يقفون مع أنفسهم وقفة محاسبة واسترجاع للأخطاء، والنظر في ماضيهم الشخصي، والتساؤل عما إذا كانوا هم أيضا مذنبين. وطالب أكرمان رجال الدين الكاثوليك بألا تنحصر تساؤلاتهم في الانتهاكات الجنسية، بل أن يتجاوزوها إلى التساؤل عما إذا كانوا قد ضربوا أطفالا أو تغاضوا عن أخطاء لزملائهم في إشارة إلى المطران الألماني فالتر ميكسا الذي استقال من منصبه بعدما اعترف إثر نفي قاطع منه بضرب قاصرين عملوا بالكنيسة تحن اشرافه.