انعكاس جليّ لتجربته الفكرية الوجودية ومعاناته في السجن والحب
الأعمال القصصية الكاملة لفايز محمود:انعكاس جليّ لتجربته الفكرية الوجودية ومعاناته في السجن والحبعمان ـ القدس العربي ـ من يحيي القيسي: الأعمال الكاملة للكاتب الأردني فايز محمود صدرت مؤخرا عن منشورات البنك الأهلي الأردني في مجلد ضم نحو 300 صفحة من أعماله الإبداعية، وقد جاءت بمرافقتها مقدمة للناقد د. محمد عبدالله القواسمة بعنوان ملامح السيرة الذاتية في أعمال فايز محمود ، وشهادة للكاتب بعنوان الإخلاص للوجود والأدب ، وكتب الروائي والشاعر إبراهيم نصرالله مقدمة لرواية محمود الأبله أما الناقد د. خليل الشيخ فكتب مقدمة لقصص قابيل ، وهناك مقدمة أيضا للناقد د. سليمان الأزرعي لقصص بلا قبيلة .وقبل الولوج إلي هذه الأعمال نمر علي سيرة الرجل المختصرة، فهو من مواليد المفرق عام 1941، وقد عمل خلال فترة الستينيات صحافيا في عدد من الصحف المحلية والعربية مثل: المنار و فلسطين و الحوادث و البيان الكويتية، كما عمل في الإذاعة الأردنية خلال بداية السبعينيات معلقا سياسيا ومنتجا ثقافيا، وخلال الفترة من 1974 ـ 1976 التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية وعمل معلقا سياسيا في إذاعتها العاصفة في بيروت والقاهرة والجزائر، كما عمل خلال الثمانينيات في الصحافة الإماراتية والأردنية، وتولي خلال عام 1988 منصب مدير تحرير مجلة أفكار الثقافية التي تصدرها وزارة الثقافة، ثم رئيس تحرير مجلة صوت الجيل ومستشارا للوزير حتي عام 2001.أما إصداراته فقد بلغت نحو عشرين كتابا في القصة والرواية والسرد التأملي والفكر، ومنها: الحقيقة: بحث في الوجود 1971، العبور بدون جدوي ـ قصص 1973، الأبله ـ رواية 1979، القبائل ـ قصص 1981، مشكلة الحب: العناء الإنساني دون جدوي 1982، تيسير سبول ـ العربي الغريب 1984، الحرية والضرورة في مجتمعات الإنسان والنمل 1985، أوراق فلسفية 1988، ثلاثة نقوش محجوبة 1989، صدي المني 1990، قابيل ـ قصص 1990، شروق: نصوص الخفاء 2000، بلا قبيلة ـ قصص 2002. يقول فايز محمود في شهادته الإبداعية التي تصدرت أعماله الكاملة موضحا علاقته بالكتابة والوجود إن كافة قصصي الماضية تعكس حالة وجدانية وشعورية أو فكرية تنم في شتي تكويناتها عن أسبقية الرغبة في الحوار مع الآخرين، وليس في ذلك شيء مما قد يفهم علي أنه هذيان، لا بمعناه الإيجابي إن وجد ولا بمعناه السلبي المتطرف في الانخلاع عن الواقع . ويضيف محمود إن البؤرة المركزية في تكويني المعيشي والتثقيف الذاتي الذي وجدت نفسي مصوغا به، جمع هذه البؤرة في تلافيف وشتيت الفكر ومادته الواقعية أو المعرفية، والشطر الدرامي الذي يغوص في أحشاء الشعور في كليهما، فلا تعود القصة هكذا إلا محض شعور غير محدد مهما قد يبلغ عمقه أو يتسطح، ولا يغدو الشعور المحض قصة غائمة الملامح تنبت من بذرة محكمة بسلطة الحكي .أما بخصوص أعماله الكاملة ، فيقول عنها إنها تضم الغالبية الأغلب من كتاباتي القصصية، وهي تعكس منظور هامشي الذي لا أستغني عنه في متن تجربتي الأدبية والفكرية والحياة، هامش أجد أنني قد أوسعه فيما أوتي من فرصة بعد، إن منحتني الحياة عمرا وقدرا وجيزا من الكفاية المعيشية .أما الناقد والروائي د. محمد عبدالله القواسمة فيقول في كشفه عن ملامح السيرة الذاتية في أعمال فايز محمود السردية، والتي بدت في محاور: المكان الأول، الكتابة، السجن، المرأة، الصداقة كان فايز محمود منذ صغره يحلم أن يكون كاتبا كبيرا، لذا فهو دائم المطالعة والبحث في العلوم المختلفة، إنه يعزو صموده في هذه الحياة القاسية، وبخاصة بعد فشل حبه إلي انشغاله بالقراءة والكتابة، هكذا نسمع صوت فايز نفسه في مخاطبة مجاهم بطل قصة الخطأ من مجموعة العبور بدون جدوي يقول لولا الكتب لكنت يومذاك انتهيت، لكن إشراقا سطع علي حين غرة في ذهنك، جعلك تنتبذ التفكير السوداوي، لأجل أن تعيش طول عمرك الباقي لتحقيق الحلم، بأن تغدو كاتبا كبيرا .أما بخصوص بروز السجن في كتابات فايز، فيشير القواسمة إلي خروجه إلي بيروت وانضمامه إلي المقاومة الفلسطينية لأسباب وجودية بحتة كما يقول فايز نفسه تورطت في العمل السياسي الذي لم أحمل له عبر حياتي كلها الثقة في ممارسته ذات البعد الواحد، فقد تأكدت أن ما ينقص الإنسان العربي هو التزامه الأخلاقي أولا وأخيرا.. ويقول القواسمة بعد هذه الإشارة عاد فايز محمود إلي الوطن ليزج به في السجن، ويمكث فيه خمس سنوات، وكان خلالها يكتب المقالات ويؤلف الكتب، وقد أنهي في السجن روايته الأبله التي كانت ثمرة تأملاته الفكرية في الواقع والطبيعة البشرية في محاولة للتوفيق بين التجربة الخاصة وتجارب الآخرين .وفي خلاصته لمقدمته يري د. القواسمة أن وقائع الحياة التي عايشها فايز محمود تجلت في أعماله السردية، وبدت شخصيته متمثلة في كل شخصية رئيسة من شخصيات قصصه، كما توضحت أحداث الحياة التي مر بها في سروده بدءا من فشله في حبه الأول وانتهاء بالظروف المعيشية القاسية التي أحاطت به، وفكر إثرها بالانتحار، وكذلك كانت الأمكنة التي شهدت حياته أمكنة رئيسية في قصصة وأهمها مدينة المفرق، وظهرت شخصيات أصدقائه، وبخاصة تيسير سبول ممثلة في مواضع عديدة من أعماله.. .ويري الروائي والشاعر إبراهيم نصرالله في مقدمة مبتسرة لرواية الأبله أنها حالة انفلات كاملة من القيد، بل لعلها طموح لسحق القيد بقدمين عاريتين، فحين كتب الأبله كان يريد الوصول إلي النافذة بكل قوته ليري العالم كيف يسير، وعندما لم يستطع استعاد الماضي وأطلق الذاكرة بكل هذه الشفافية المجروحة .أما الناقد د. خليل الشيخ فيري في مقدمته للمجموعة القصصية قابيل أن فهم نتاج فايز محمود يحتاج إلي شرط رئيس، لا أظن ناقدا يستطيع الاستغناء عنه، وهذا الشرط هو معرفة حجم المعاناة الداخلية التي يحياها فايز في رحلته لفهم ماهية الإنسان. لقد فزع فايز محمود إلي الفلسفة فكتب عن الحقيقة لعله عبر معرفتها يرتاح، ولكنه أحس أن العبور دون جدوي لأن إدراك ماهية الإنسان وتوزعه بين الحرية والضرورة يشبه فهـم ثلاثة نقوش محجوبة ، وها هو يعود إلي قابيل يسعي عبر قراءة تاريخه كما رسمته المخيلة السامية، وعبر إعادة صياغته إلي محاولة الارتقاء بالإنسان وهو في هذا اللقاء يترجم الشهوة الداخلية للفنـــان التي يعززها الموقف الفلـسفي، هذه الشهوة التي تسعي إلي رؤية الوجه الداخلي للإنســـان وهو يواجه الموت، سواء أكان هـــذا المــوت للذات أم للآخر، إن اللقاء مع الموت يشكل الذروة الفنية في هذه المجموعة، حيث يتجسد هذا اللقاء علي نحو تراجيدي يمثل في المحصلة النهائية الصراع الأبدي بين هاتين اللحظتين… ، ويتابع د. الشيخ تحليله قائلا إن أجواء مجموعة قابيل القصصية وجودية تماما، يسيطر عليها الموت، ولكن سيطرة الموت هذه هي التي تدفع أبطالها كي يتشبثوا بكل جزئية من جزئيات الحياة، وكي يتعلقوا بها رغم تناقضاتها الكثيرة التي تبعث علي اليأس في نفوسهم لذا يغدو الموت عدوا يتجنبونه، وفي الوقت ذاته صديقا يتوقون إليه، إن هذه المجموعة التي تبدأ بـ قابيل وتنتهي في النهاية بانتحار تيسير سبول لتجسد عبر إحساسها بالفجيعة مقولة شوبنهور التي تري أن الموت هو الهدف الحق للحياة بمعني أن حذف الموت من حياة البشرية يجعلها غير قابلة البتة للتفلسف، ويصادر كل النزعات للتأملات العقلية .وأخيرا نلتقي مع مقدمة لمجموعة بلا قبيلة التي صاغها الناقد د. سليمان الأزرعي، ويقول عن هذه المجموعة وصاحبها ربما لا أكون مغاليا إذا قلت إنني من قلــــة يعرفون الغبن الذي لحق بالكاتب والمبدع الصامت، الزاهــد بلا قبيلة، مقطوعا من شجرة، غير قابل لأن يكون قلمه حوزة لحزب أو جهة سياسية أو تجمع…. ولقد مارس فايز محمود حياة السجن والحرية باستقلال كبير، وهذا ما أجج لديه قلقه الوجودي التقدمي النبيل، هذا القلق الذي أدعو القاريء لأن يتمثله بنفسه عبر قراءته لهذه المختارات، وفي أعماله الفكرية في الكون والوجود ترجم فايز هذا القلق المسؤول تجاه الحياة في أكثر من كتاب، امتزج فيه الفكري بالإبداعي، حيث لا تعثر في تلك الكتابات علي الفكر المجرد الخالص، ولا تجد نفسك أمام أدب خالص أيضا، وإنما مزيج منهما معا، إنه فكر مجبول بحس إبداعي رهيف، أما في مجال الكتابات الإبداعية فقد تجلي قلق محمود الوجودي مرة أخري، ولكنه بلغة إبداعية خالصة هذه المرة، عكسته حركة الشخوص في أعماله القصصية، وصراعاتها الداخلية، وبوحها الساخن بالأعباء الكبري، التي يئن تحت ثقلها نموذج المثقف الإنساني الكبير، وهو النموذج الغالب في قصصه، وكأنما أولئك الأبطال نسخ حية من مبدعيها في مختلف إيقاعاته الحياتية، وصور معاناته الواعية .وبعد فإن أعمال فايز محمود الكاملة في جزئها الأول، توفر فرصة للقراء وطلبة الجامعات والمثقفين والباحثين لمعاينة تجربة مبدع أردني متميز عجنت معاناته الحياتية وقلقه تجاه الكون والحياة مع ما يكتب من سرود علي قدر عال من الإتقان، والسلاسة والعمق، وربما تجيء هذه الأعمال منبهة ولو بشكل متأخر لمعاناة أديب لا يكاد يجد قوت يومه، فيما تتناهبه الأمراض وصروف الزمان، وهذا أمر غير قابل للتأخير، فربما بعد وقت ليس بالبعيد سيأكل الندم من يندم علي ترك مبدعي الأردن نهبا للظروف القاسية التي دفعت فايز أكثرمن مرة للانتحار متوافقة مع قلقه الوجودي.0