انفجارات بيجر: اختراق إسرائيلي لسلاسل توريد حزب الله وبداية لحرب سيبرانية جديدة

إبراهيم درويش
حجم الخط
3

لندن – “القدس العربي”:

قال المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” ديفيد إغناطيوس إن “ضربة المعلم” التي نفذتها إسرائيل ضد حزب الله، قد تسحق جهود التوصل إلى اتفاقية وقف إطلاق النار وتدفع إلى حرب شاملة. وقال إن المشاهد القادمة من لبنان يوم الثلاثاء أشبه بفيلم لجيمس بوند حيث انفجرت أجهزة “بيجر” وبشكل متتابع في جيوب مئات اللبنانيين حول البلد، فيما ظهر وكأنها عملية “عبقرية” جمعت بين الهجوم السايبري والتخريب. إلا أن حزب الله هو من سيكتب الفصل المقبل من فيلم الإثارة في الزمن الحقيقي.

وكان المسؤولون الإسرائيليون في ليلة الثلاثاء يحضرون للهجمات الانتقامية، لو لم يتم احتواؤها، والتي قد تشعل حربا إقليمية شاملة، حاول المسؤولون الأمريكيون منعها ولأكثر من عام.

وقال إغناطيوس إن إسرائيل لا تعلن عن المسؤولية، وهي ليست بحاجة لعمل هذا. فعمل بهذه البراعة والجرأة في لبنان لا تقوم به أي دولة، غير إسرائيل.

حزب الله هو من سيكتب الفصل المقبل من فيلم الإثارة في الزمن الحقيقي

فمشاهد الفيديو التي أظهرت مقاتلي حزب الله وهم يسقطون على الأرض بواسطة أجهزة الاتصالات الخاصة بهم كانت بمثابة رسالة إسرائيلية لا لبس فيها إلى الجماعة المدعومة من إيران: نحن نملككم ونحن قادرون على اختراق كل مساحة تعملون فيها. وعندما يفكر حزب الله في الرد، فعليه أن يتصرف بأن إسرائيل قد يكون لديها مفاجآت لهم، ولديها فعلا”، حسب قول مصدر على معرفة بالتفكير الإسرائيلي في مقابلة مع الكاتب يوم الثلاثاء.

ويقول إغناطيوس إن مسؤولي إدارة بايدن نأوا سريعا بأنفسهم عن الهجوم في لبنان، قائلين إنهم لم يتلقوا أي إشعار مسبق.

وبالنسبة للرئيس جو بايدن ونائبته كامالا هاريس، فإن التوقيت لا يمكن أن يكون أسوأ: يأتي هذا التصعيد الحاد وخطر اندلاع حرب أوسع نطاقا قبل أقل من شهرين من الانتخابات الرئاسية – وقد يؤدي ذلك إلى تفجير أي فرصة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين.

ويضيف أن المسؤولين الأمريكيين كانوا على اتصال مع الإيرانيين من خلال قناة خلفية يوم الثلاثاء لإبلاغها بأن الولايات المتحدة لم يكن لها أي دور في الهجوم. والحقيقة هي أن شعور الإدارة الأمريكية في الوقت الراهن هو أن حزب الله مرتبك ومذعور، وأنه لن يقوم برد عسكري فوري. وإذا وقع هجوم، يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن إسرائيل قادرة على احتواء الضرر، وأن الولايات المتحدة سوف تساعد في الدفاع عن إسرائيل إذا لزم الأمر.

 ويعتقد الكاتب أن قرار إسرائيل شن العملية في هذا التوقيت كان مدفوعا باعتبارات سياسية وعملياتية، فقد تعطلت خطة وقف إطلاق النار التي تقودها الولايات المتحدة، ومعها الأمل في التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع حزب الله لتهدئة الحدود. وبعد أن طورت إسرائيل القدرة غير العادية على تحويل أجهزة الاتصالات الخاصة بخصومها إلى قنابل، ربما حكمت بأن هذه القدرة يجب استخدامها قبل اكتشافها وتعطيل أجهزة النداء أو بيجر كما ذكر موقع “المنيتور” مساء الثلاثاء.

ويرى الكاتب أن رغبة إسرائيل بتوجيه ضربة قوية لحزب الله تعكس وجهة نظر واسعة بين الإسرائيليين مفادها أن البلاد لا تستطيع تحمل ما أصبحت حرب استنزاف طويلة مع حزب الله. ورغم أن إسرائيل نجحت فعليا في تحييد حماس عسكريا في غزة، إلا أن حزب الله واصل توسيع هجماته الصاروخية ضد شمال إسرائيل. واضطر أكثر من ستين ألف إسرائيلي إلى إخلاء منازلهم في الشمال، تاركين وراءهم ما يمكن وصفها ببلدات أشباح.

رغبة إسرائيل بتوجيه ضربة قوية لحزب الله تعكس وجهة نظر واسعة بين الإسرائيليين مفادها أن البلاد لا تستطيع تحمل ما أصبحت حرب استنزاف طويلة مع حزب الله

ويضيف إغناطيوس أن الرغبة بالتعامل مع “الشمال” كما يتحدث الإسرائيليون صارت قوية وكثيفة مثل الرغبة في تحرير الأسرى لدى حماس. وبحسب المصدر المطلع على التفكير الإسرائيلي: “عندما يتعلق الأمر بلبنان والشمال، هناك إجماع متزايد في إسرائيل على ضرورة القيام بشيء ما”.

كما لاحظ المصدر أن مجلس الوزراء الإسرائيلي أضاف يوم الاثنين هدفا جديدا إلى قائمة أهداف الحرب: عودة الإسرائيليين إلى منازلهم بالقرب من الحدود مع لبنان. ويعتقد الكاتب أن براعة العملية الإسرائيلية وتفجير أجهزة النداء/بيجر تعطي صورة أن إسرائيل تعرف أسرار سلسلة الإمدادات السرية لحزب الله، التي وزعت الأجهزة المتفجرة.

وكان زعيم الجماعة، حسن نصر الله، قد حذر عناصره في خطاب ألقاه في شباط/فبراير وطالبهم بالتوقف عن استخدام الهواتف المحمولة، التي “أصبحت مثل الأكسجين للجميع”، ولكنها كشفت عن مواقع المقاتلين، وكانت تعمل في بعض الأحيان كأجهزة تجسس إسرائيلية. وقال نصر الله: “لم تعد إسرائيل بحاجة إلى عملاء، إن أجهزة مراقبتها موجودة في جيوبكم، وإذا كنتم تبحثون عن العميل الإسرائيلي، فانظروا إلى الهاتف الذي بين أيديكم وهواتف زوجاتكم وأطفالكم”.

فقد كان نصر الله يعلم أن الأجهزة المحمولة ترسل إشارات إلى أبراج الهواتف المحمولة التجارية التي يمكن اعتراضها بسهولة.

وعليه سارع حزب الله لحماية شبكته العسكرية وتوفير بيجر خاص لعناصره يعمل على نظام من الصعب تتبعه. ولم يكن الحزب يتخيل قدرة العملاء الإسرائيليين على اختراق سلسلة التوريد لبيجر. وهو ما حدث على ما يبدو، حسب قول خبير حرب إلكترونية أمريكي.

وأرسل حزب الله رسالة فيها دلالة يوم الثلاثاء أمر فيها كل عنصر من عناصره حصل على بيجر جديد برميه. وتساءل الكاتب عن العامل الذي أدى لانفجار الأجهزة في الساعة 3:30 مساء الثلاثاء، وعندما بدأت الإصابات بالتدفق على مستشفيات بيروت. وبحسب محلل أمريكي تحدث للكاتب، فقد اشتبه حزب الله بأن البرامج الإسرائيلية الخبيثة ربما تسببت في انفجار بطاريات الليثيوم في أجهزة النداء/بيجر. ولكن مقاطع الفيديو التي التقطت العديد من الانفجارات تجعل هذه النظرية غير مرجحة. ذلك أن بطاريات الليثيوم تسخن بشدة قبل أن تنفجر، حيث تصبح ساخنة جدا بحيث لا يستطيع أحد أن يحتفظ بها في جيبه لفترة طويلة.

ويبدو أن الانفجار كان يسبقه عادة دخان ثم حريق، كما تظهر مقاطع الفيديو. وبحسب مصادر أمريكية، تحدثت للكاتب، فما حدث بالفعل هو أن عملاء إسرائيليين تمكنوا من الوصول إلى أجهزة النداء/بيجر نفسها قبل توزيعها وإدخال كميات صغيرة من المتفجرات القوية للغاية. وقالت المصادر إن البرامج الخبيثة التي تم إدخالها في أنظمة تشغيل أجهزة النداء ربما خلقت محفزا إلكترونيا، بحيث تنفجر أجهزة النداء عند تلقيها مكالمة من رقم معين أو أي إشارة أخرى.

ما حدث بالفعل هو أن عملاء إسرائيليين تمكنوا من الوصول إلى أجهزة النداء/بيجر نفسها قبل توزيعها وإدخال كميات صغيرة من المتفجرات القوية للغاية

 ويرى الكاتب أن العملية كانت رائعة، لأنها استهدفت الجميع في الشبكة العسكرية، بمن فيهم السفير الإيراني في لبنان الذي ظهر في مقاطع فيديو وهو يدخل المستشفى بعد إصابته. ويقول إغناطيوس إن حزب الله فقد نظام اتصالاته الخاص. ولأنها على ما يبدو تمتلك رقم حزب الله فعليا، تستطيع إسرائيل إرسال رسائل تحذر فيها العناصر في حزب الله الذين نجوا بأنها ستقتلهم لو حاولوا الرد، كما أشار مصدر أمريكي.

وبعيدا عن الأثر المدمر للعملية على حزب الله، فإن الهجوم يعلم بداية حرب سيبرانية خطيرة، حيث أصبح أي جهاز مرتبط بالإنترنت قابلا للتحول إلى سلاح. ومن الممكن التلاعب بدوائر الأجهزة “الذكية” بحيث تتعطل بطريقة خطيرة. ففي الهجوم الإلكتروني “ستكسنت” ضد البرنامج النووي الإيراني، تسببت البرمجيات الخبيثة في دوران أجهزة الطرد المركزي بسرعة شديدة بطريقة دمرت فيها نفسها. وفي مستقبل ما يسمى “إنترنت الأشياء”، قد يكون الجهاز الضال هو هاتفك أو ثلاجتك أو جهاز التلفاز.

 ويقول إغناطيوس إنه مع كل تقدم جديد في تكنولوجيا الأسلحة، يتخيل المصممون أنهم سيحتكرون أدوات الحرب القاتلة. فعلى سبيل المثال، كانت الولايات المتحدة تتمتع ذات يوم بما بدا وكأنه احتكار للطائرات بدون طيار، ولكنها الآن أصبحت أداة حرب شاملة. حتى إن جيمس بوند، العميل 007 الجريء سيعرف أن أعداءه يمكنهم توجيه أسلحته ضده.

وترى الصحيفة في تقرير آخر لمجموعة من مراسليها أن العملية الأخيرة هي آخر طلقة في الحرب المستمرة منذ عام في غزة. ونقلت الصحيفة عن مارك بليميروبولس، العميل السابق في سي آي إيه والذي عمل في مجال مكافحة الإرهاب بالشرق الأوسط: “شعوري هو أن الهجوم مصمم لإرسال رسالة وليس تحضيرا للجو من أجل الدخول إلى لبنان”. وقال إن إسرائيل وجهت “تحذيرا صارخا ووحشيا لحزب الله وأنها قد اخترقته تماما، وأن الحرب ستكون كارثية”.

وقالت إميلي هاردينج، نائبة مدير برنامج الأمن الدولي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إنه في حين لا يزال الكثير غير معروف بشأن هجوم يوم الثلاثاء، فمن المرجح أن إسرائيل تسللت إلى سلسلة التوريد التي يستخدمها حزب الله لبيجر الخاص به، ووجدت طريقة لتسليحه فعليا.

ورغم أن الهجوم الإلكتروني ممكن، إلا أنه غير مرجح نظرا لطبيعة أجهزة النداء/بيجر “ذات التقنية المنخفضة”، والتي يستخدمها أعضاء حزب الله جزئيا لتجنب المراقبة الرقمية. وقالت إن أجهزة بيجر لا يمكنها التقاط الصوت ولا تحتوي على كاميرات، وبالتالي فهي تشكل خطرا أقل من الهواتف المحمولة عندما يتعلق الأمر بمراقبة الحركات والاجتماعات.

رغم أن الهجوم الإلكتروني ممكن، إلا أنه غير مرجح نظرا لطبيعة أجهزة النداء/بيجر “ذات التقنية المنخفضة”

وقال دميتري ألبيروفيتش، رئيس مؤسسة سيلفرادو بوليسي أكسيليريتور، وهي مؤسسة بحثية للأمن القومي: “ربما يكون الهجوم المادي، على ما يبدو، هو الأكثر شمولا على سلسلة التوريد في التاريخ، أي استبدال الأجهزة المستوردة بأجهزة تحتوي على متفجرات وتشغيلها جميعها في نفس الوقت من خلال نوع من قنوات القيادة والتحكم”. وقال إن العملية اقتضت “حسابات الربح والخسارة الاستخباراتية”، مضيفا أن إسرائيل كان عليها أن تزن فوائد إصابة عناصر حزب الله مقابل فوائد “الوصول” إلى أجهزة اتصالاتهم لفترة أطول، وهو ما سيؤدي إلى ميزة استخباراتية أكبر.

وقال ويليام ويشلر، المدير البارز لبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلنطي، إن انفجارات بيجر كانت “محرجة للغاية لحزب الله” ويمكن أن تؤدي إلى تصعيد كبير محتمل. ورغم كون الانفجارات محددة إلا أن التأثير النفسي للهجوم قد يكون أكثر أهمية من تداعياته العملية. وقال: “سيشعر حزب الله بالحاجة إلى الرد”. وقال ويشلر إن أيا من الجانبين لا يريد اندلاع حرب شاملة، ولكن إذا حدث ذلك، فإن الخسائر على الجانبين، بما في ذلك بين المدنيين، قد تكون مرتفعة للغاية.

وعلق ثاناسيس كامبانيس، مدير مؤسسة “سنشري إنترناشيونال”، وهي مؤسسة بحثية سياسية عالمية قائلا: “يبدو وكأن إسرائيل شنت الحرب التي كانت تتوق إليها. وقد أظهر حزب الله وإيران قدرا كبيرا من ضبط النفس حتى الآن. ولكن في هذه المرحلة من الواضح أن إسرائيل عازمة على التصعيد، فيما تعتقد مؤسستها الأمنية خطأً أنه سيكون بمثابة ضربة استباقية تحد من قدرة حزب الله على تحقيق التوازن مع إسرائيل”، مضيفا “لا أعتقد أن إسرائيل ستحقق أهدافها الأمنية، فحزب الله قوي واستراتيجي ومستعد وسوف يلحق أضرارا جسيمة بإسرائيل في حرب متصاعدة بالكامل”، و”سيتحمل المدنيون في لبنان وإسرائيل أيضا العبء الأكبر من هذا التصعيد الإسرائيلي”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية