“انفجار العصر” أَغرق لبنان في “غموض بنّاء” وخلط الأوراق!

رلى موفّق
حجم الخط
0

4 آب/اغسطس 2020 تاريخ لن يُنسى. سيتحدثون عن “بيروتشيما” عن “ست الدنيا” التي تموت واقفة على أيدي محترفين في الإبادة بـ2755 طناً من نترات الأمونيوم. سيذكر التاريخ أن بيروت بلا رئة، انقطعت أوصالها مع العالم، تمّ تفجير مرفئها، سقط أبناؤها بالآلاف بين قتلى وجرحى ومفقودين. وتشرّد نحو ثلث سكانها.

يغرق الحكم وأجهزته في تفاصيل إدارية عن كيفية وصول هذه المادة الشديدة الانفجار إلى مرفأ بيروت، وتخزينها لسنوات ست فيها، ما حوَّلها إلى “قنبلة ذرية موقوتة”. يحاولون رمي المسؤولية على إهمال مُتراكم وفساد مُستشرٍ وتقصير فادح وتواطؤ فاضح، وكأن ذلك كله ليس عنواناً لسقوط سياسي مدوٍ ولعطب مؤسساتي قاتل وانهيار أخلاقي متماد.

في قرارة النفس، يدركون أنهم سقطوا يوم أسقطوا من قصيدة نزار قباني عن بيروت التي غنتها ماجدة الرومي “إن الثورة تُولد من رحم الأحزان”. فقبل أيام، في الأول من آب، نقلت وسائل الإعلام المرئية احتفالاً فنياً لمناسبة عيد الجيش، فإذ باللبنانيين يُصعقون من حذف الفرقة الموسيقية التي أنشدت القصيدة المغناة لهذا “البيت الشعري”. خافوا من لفظ كلمة “ثورة” وقد يكونون مُحقّين في خوفهم.

هنا في بيروت يرددون: “إن ما بعد 4 آب ليس كما قبله” فهل سيكون فعلاً كذلك، لجهة أن “الثورة تولد من رحم الأحزان” أو أن هذه التركيبة الحاكمة ما عاد من الممكن لها أن تستمر؟

لا يزال من المُبكر الجزم بمآلات هذه المجزرة وتداعياتها السياسية. فالإرباك هو السمة الطاغية في بيروت، إرباك لدى السلطة يُقابله إرباكٌ لدى المعارضة وبينهما شعب عالق بمآسيه وإحباطه وقلقه وخوفه من الغد الآتي بجوعه وقهره وعتمته وظلمه.

في المعطيات، لا شيء واضحاً. لم يخرج مسؤولو لبنان إلى شعبهم والعالم برواية متماسكة عن انفجار بيروت. يتلطون وراء تحقيق مُنتظر تسبقه الشكوك بصدقية نتائجه، وهي شكوك مشروعة، إذ كيف لسلطة وأجهزتها كانت تعلم بوجود 2755 طناً من نترات الأمونيوم الشديدة الانفجار مُخزنة في مرفأ بين الأحياء السكنية، أن تُؤتمن على تحقيقٍ شفاف يُحدّد الأسباب الفعلية وراء الانفجار؟

التحقيقات الأولية جنحت نحو رمي الأسباب على “إهمال تراكمي” مع تجنب احتمالات أن يكون اعتداءً خارجياً أو عملاً تخريبياً. كان لافتاً صمت “محور الممانعة” عن اتهام إسرائيل بهذه الإبادة. فإذا كان في الاتهام توظيف سياسي واستراتيجي في خضم الصراع المفتوح بين أمريكا وإيران، فإن في الصمت توظيفاً أيضاً. بات جلياً أن “سياسة الغموض البنّاء” تُشكل راهناً ركناً أساسياً في الصراع. تتلقى إيران ضربات موجعة تستهدف منشآتها على أراضيها وقواعدها في سوريا، فيما الصمت سيّد الموقف إنفاذاً لـ”سياسة الغموض البنّاء” من قبل “المحور” على أقله. تعضّ وحلفاؤها على الجراح لتمرير المرحلة الدقيقة الفاصلة عن استحقاق الانتخابات الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، والحفاظ على ما لديها من أوراق قوة بانتظار الجلوس إلى طاولة المفاوضات وصولاً إلى التسوية الكبرى.

فقبل “انفجار العصر” كانت الأنظار تتّجه إلى حكم المحكمة الخاصة بلبنان في جريمة العصر – جريمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري التي وقعت في قلب بيروت في 14 شباط/فبراير 2005. جرى التوقّع بأن الحُكم، الذي كان مقرراً أن يصدر يوم الجمعة في 7 آب/أغسطس، سيُدين عناصر “حزب الله” المتهمين بالجريمة. “حزب الله” رفض من الأساس تحقيقاً دولياً في الجريمة، وسَخِرَ من الاتهام الموجّه لعناصره ورفض تسليمهم، وكذلك رفض إنشاء المحكمة الدولية والاعتراف بها وبما سيخرج عنها. لكن ما قبل إعلان الحكم شيء وما بعده شيء آخر. قبل الحكم اتهام، أما بعده، فإدانة سيترتب عليها مزيد من الضغط على الحزب داخلياً خارجياً.

ورغم أن “حزب الله” وتيار “المستقبل” الذي يتزعمه سعد الحريري، بوصفه ولي الدم، قد ربطا النزاع قبل سنوات خوفاً من فتنة شيعية – سنية، ورغم توجه الحريري، تحت شعار “إننا نريد العدالة وليس الانتقام” إلى عدم نكء الجراح واقتناعه بأن لا بديل عن الاتفاق مع “حزب الله” فإن المخاوف كانت حاضرة من ردّات فعل متفلتة في الشارع السني الذي يشهد حالاً من الإحباط المتزايد مع الانكفاء المميت للطائفة السنية عن موقعها الوطني في المعادلة اللبنانية. وهو انكفاء يظلله إبعادٌ وتهميش واستعلاء يتشارك فيه تحالف التيار العوني – حزب الله، ويزيد من انكشاف السنّة وسط تراجع رصيد الحريري السياسي والشعبي لبنانياً وعربياً ودولياً، وبدء ظهور مواقف سياسية مناهضة من ضمن العائلة، يُعبّر عنها شقيقه الأكبر بهاء الحريري. أما خارجياً، فمن الطبيعي أن تتم الإفادة من الحكم، ولا سيما من قبل واشنطن للدفع باتجاه تصنيف “حزب الله” بجناحيه السياسي والعسكري على أنه منظمة إرهابية على المستوى الأممي، وممارسة ضغوطات إضافية عليه.

كانت تُخيّم، في أوساط بيروت، أجواء من الترقُّب والقلق من حدث كبير قد يدخل على الخط يحرف الأنظار أو يقلب المعادلات، ذلك أن محطة 7 آب لا يمكن أن تمر دون أي تداعيات وكأن شيئاً لم يحصل. قبل 3 أيام، حصل انفجار مرفأ بيروت الزلزالي.

وقبل 4 آب/أغسطس، كانت الأنظار تتجه إلى “حزب الله” الذي توعّد أمينه العام السيد حسن نصر الله إسرائيل بأنها إذا استهدفت أحد عناصره في سوريا، فإنه سيرد من لبنان. بعدما قتلت إسرائيل أحد قياديي “الحزب” عبر ضربة جوية في محيط مطار دمشق خلال تموز/يوليو الماضي، أكد “الحزب” على لسان المقاومة الإسلامية أن الرد آتٍ. وكانت أوساطه تُروّج أن هذا الرد لا يمكن أن يتأخر، وسيكون بعد عيد الأضحى، لأنه من الاستحالة بمكان ترك إسرائيل تتمادى في عملية تغيير قواعد الاشتباك بين الطرفين.

جاء 4 آب/أغسطس ليقلب المشهد ويخلط الأوراق برمتها. أحدث الانفجار دماراً هائلاً في المرفأ أخرجه من الخدمة، وربما لن يعود إلى العمل قبل سنوات. أوقع قتلى يتوقع أن يفوق عددهم المئتين مع فقدان الأمل بإنقاذ المزيد من المفقودين، وفاق عدد الجرحى الخمسة آلاف. شرّد مئات الآلاف خارج منازلهم وتضررت أجزاء واسعة من العاصمة.

حركت “كارثة المرفأ” المياه الراكدة الآسنة. فالبلد مشلول غارق في أزمات مالية واقتصادية، والعهد وحكومة “اللون الواحد” التي يقودها “حزب الله” من الخلف يتخبطان ويعجزان عن إدارة الأزمة، و”حزب الله” يواجه كل أنواع الحصار المالي والاقتصادي، ويشعر بعبء الضغوط وبدء تفلت القوى السياسية التي نجح في تطويعها ترهيباً وترغيباً، منذ آلت إليه الوصاية بعد خروج الجيش السوري من لبنان، وأن المرحلة المقبلة حبلى بالتطورات التي تستدعي أن يكون محميّ الظهر في الداخل، مع اشتداد الهجمة عليه.

وقعت الواقعة، فأبدى المجتمع الدولي قدراً من التعاطف الإنساني مع بيروت لتخرج من تحت الردم. حط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على وجه السرعة في العاصمة اللبنانية، حاملاً مبادرة سياسية أسماها بـ”ميثاق جديد”. التقى أركان السلطة، وجمع المعارضة والموالاة في اجتماع واحد. لم يُغيَّبْ “حزب الله”، حيث كان رئيس كتلته البرلمانية محمد رعد حاضراً. بالنسبة إلى ماكرون، فإن “حزب الله” جزء من الحكومة والبرلمان، ومن التركيبة اللبنانية وصل عبر صناديق الاقتراع، وانتخبه جزء من الشعب اللبناني، وإن كان في أعين كثيرين في الخارج منظمة إرهابية.

باريس تشبك في علاقاتها ومصالحها مع طهران، ولم تنحُ منحى ألمانيا وبريطانيا في تصنيف “الحزب” بشقيّه السياسي والعسكري إرهابياً. وأكثر، فإنها سبق أن طرحت في أوقات سابقة عبر مؤتمر نظمته في “سان كلو” الفرنسية مبدأ المثالثة بين المسيحيين والسنة الشيعية في النظام بدل المناصفة القائمة بين المسيحيين والمسلمين. هي من الطامحين لإعطاء جوائز الترضية لإيران في لبنان، على الرغم من أنها راعية نشوء لبنان الكبير قبل مئة عام كملجأ للأقليات التي أعطت امتيازات للموارنة.

لكن المطلوب أن يبقى لبنان واقفاً على رجليه إلى حين التسوية وتوزيع الجوائز والكعكة. ما حاول القيام به هو محاولة إحياء التسوية الرئاسية التي هُرِّبت قبل الانتخابات الأمريكية 2016، وجاءت بميشال عون حليف “حزب الله” رئيساً للجمهورية وبسعد الحريري رئيساً للحكومة، وأمَّنت لـ”حزب الله” مزيداً من السيطرة على البلاد بفضل قانون انتخاب صاغه على قياس أجندته وطموحاته. نصر الله لا يُمانع في إحياء التسوية. في الأصل، لا يُمانع في عودة الحريري، ولكنه أيضاً يحتاج إلى غطاء حليفه المسيحي في رئاسة الجمهورية وهذه ضرورة له في هذا التوقيت، حين تشتدّ المحاولات الأمريكية على لبنان، لاستعادة توازنه المفقود من جديد.

ثمّة اعتقادٌ أن مبادرة ماكرون ستُزهر لكنها لن تَعْقُد. في المعطيات أن ترحيب نصر الله بمبادرة ماكرون يحمل في طياته إشارات إيجابية عن رغبة بتلقّف المسعى، فهو يُدرك أن الوضع اللبناني لا يمكن أن يتحمّل مزيداً من الضغوطات بعد انفجار 4 آب/أغسطس، وإذا كانت العودة إلى “حكومة وحدة وطنية” قادرة على منع انهيار لبنان الكليّ في الأشهر الفاصلة عن الانتخابات الأمريكية، فإن ذلك يعد مكسباً له. ليس في حسابات “حزب الله” الذهاب بعيداً في تنازلاته. لن يُسلّم بلجنة تحقيق دولية في الانفجار، لأنه يعتبرها من أدوات الضغط عليه. صحيح أن أصواتاً ارتفعت في بيروت من قوى المعارضة مطالبة بلجنة تحقيق دولية، وكان أكثرها وضوحاً وحِدّة صوت الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب مواكبة من المجموعة العربية التي طالبت بانعقاد مجلس الأمن وموقفاً شديداً من المجتمع الدولي. وسيؤشّر قرار مجلس الأمن بالمطالبة بتحقيق دولي من عدمها إلى مسار التعامل الأممي لجهة ما إذا كان سيمنح سلطة بيروت الراهنة فترة سماح أم لا.

لا معطيات واضحة بأن تحرّك ماكرون يحظى بدعم أمريكي – عربي على بياض. على أن تجنيب لبنان حدّة الصراع في المنطقة فيه مصلحة أيضاً لواشنطن إذا نجحت باريس في إقناع طهران بعدم استخدام لبنان ساحة وجرّه إلى حتفه. حاول الرئيس الفرنسي عبر زيارة بيروت أن يُمسك العصا من الوسط، مدّ ورقة إنقاذ للتركيبة السياسية، لكنه في المقابل، وعد الناس الذين طالبوه بالتدخل لتخليصهم من قتل السلطة لهم بفسادها وإهمالها وسرقتها مالهم وأحلامهم وتدمير طموحاتهم وتجويعهم، بأنه سيتحرّك لحمايتهم. بالأمس قال أمام البرلمان الفرنسي إنه سيطلب تجميد حسابات المسؤولين اللبنانيين. حضّ المجتمع المدني على دور أفعل، بث من جديد الروح إلى حراك الشارع الذي لم يتجرّأ السياسيون على النزول إليه خوفاً من غضب الناس. ومَن نزل أكل نصيبه من الشتائم والرفض.

عاد الرهان على الشارع لإحداث تحوّل جذري في طبيعة ممارسة السلطة. بدأت الاستقالات في البرلمان تتوالى، ومعها بدأت الدعوات إلى عصيان مدني. لكن الرهان محفوف بمخاطر جمّة من سيلان الدماء، والسؤال يكمن في ما إذا كان المجتمع الدولي، الذي قرّر مساندة لبنان إنسانياً، وسيعقد لأجلهم مؤتمراً، سيكون حاضراً لحماية الناس، إذا قرروا أن يثوروا مجدداً في وجه قاتليهم بـ”نترات الأمونيوم” رمز تفكّك الدولة الكُليّ!.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية