واشنطن-»القدس العربي»: ظهر انقسام الحزب الديمقراطي بشأن إسرائيل بشكل حاد يوم الثلاثاء الماضي عندما انخرط الرئيس جو بايدن والنائبة رشيدة طليب في نقاش متوتر على مدرج مطار ديترويت، بطريقة أثارت عناوين الصحف في الولايات المتحدة.
وكانت طليب، وهي من أصل فلسطيني، ولا تزال جدتها تعيش في الضفة الغربية المحتلة، تنتقد باستمرار ما تعتبره رد فعل جبان وخجول من البيت الأبيض تجاه الاحتلال الإسرائيلي، في حين كان بايدن يتمسك، بالسياسة التقليدية للرؤساء، الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، مؤكداً على قوة الدعم الأمريكي لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وصياغة أي نقد بلغة دبلوماسية حذرة للغاية.
وبحسب الباحث نيال ستاناج، فإن المشاحنة بين بايدن وطليب (ديمقراطية من ميشيغان) تعكس مدى الصدع العميق في الحزب الديمقراطي تجاه القضية، مؤكداً أن هناك فجوة متنامية بين الديمقراطيين الأكبر سناً والأكثر تقدماً والأكثر وسطية والأعضاء الأصغر سناً والأكثر تقدمية في الحزب، وقال إن الأمر لا يتعلق فقط بالصراع الحالي، بل برؤيتين مختلفتين عن إسرائيل نفسها.
وبالنسبة للعديد من الناس من جيل بايدن، فقد كانت هناك عدة أكاذيب وخرافات متعلقة بكيان الاحتلال، بما في ذلك أن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط وأنها «تنهض من أهوال المحرقة التي لا توصف» وأنها تواجه تهديداً مستمراً للقضاء عليها من الدول المعادية المحيطة بها.
وبالنسبة للتقدميين الأصغر سناً، فإن إسرائيل لا تحمل أي تشابه مع هذه الصورة الزائفة، وهم يعلمون جيداً، كما يضيف ستاناج، أن إسرائيل هي قوة محتلة وأنه لا يوجد أي تهديد وجودي
لها منذ أكثر من 48 عاماً تقريباً.
وأكد العديد من المحللين الأمريكيين أن جيل الشباب في الولايات المتحدة هو أكثر ميلاً لرؤية إسرائيل على أنها المتنمر في الشرق الأوسط وأنه يتم تسهيل هذا الدور من قبل واشنطن، سواء من حيث ميزانيتها العسكرية وجهودها الدبلوماسية.
وفي الوقت الحالي، يسعى بعض الديمقراطيين إلى منع صفقة بيع أسلحة تم الاتفاق عليها مؤخراً من قبل الولايات المتحدة لإسرائيل بقيمة 735 مليون دولار. ويضغط التقدميون، أيضاً، من أجل شروط أكثر صرامة على 3.8 مليار دولار من المساعدات العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل سنوياً.
ويميل الكثير في اليسار الأمريكي إلى رؤية أوجه الشبه بين القضية الفلسطينية والنضال من أجل العدالة الاجتماعية والعرقية في الداخل.
واتهمت عضوات الكونغرس رشيدة طليب وإلهان عمر وألكساندريا كورتيز بكل وضوح إسرائيل بأنها عبارة عن نظام عنصري.
ويرى المراقبون أن الكثير من الليبراليين الأمريكيين الشباب ينظرون إلى الصراع بأكمله من منظور مختلف تماماً عن نظرائهم الأكبر سناً، مثل زعيم الأغلبية تشارلز شومر ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، وقالوا إن الأشخاص الذين تشكلت وجهات نظرهم في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مثل كلينتون زبيلوسي كانت لديهم فكرة زائفة عن ديمقراطية وحيدة في الشرق الأوسط تدعى إسرائيل، ولكن لا يوجد الآن أي شخص يبلغ من العمر 25 عاماً يؤمن بذلك.
وأكد المحللون أن انتقاد إسرائيل لم يعد يقتصر على يسار الحزب الديمقراطي فحسب، إذ طالب 28 من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين بوقف لإطلاق النار في الأسبوع الماضي في رسالة قادها السيناتور البالغ من العمر 34 عاماً، جون أوسوف.
صدى النضال الفلسطيني
وقد استغل قادة الحزب الجمهوري الصحوة الديمقراطية تجاه القضية لتصوير نقاد كيان الاحتلال الإسرائيلي على أنهم يقدمون المساعدة لحركة حماس، وبشكل عام يحاول الجمهوريون الظهور كمدافعين عن إسرائيل، وفي الواقع هذا ليس غريبا عليهم، إذ أن غالبيتهم من العنصريين الذين يؤمنون بالخرافات والمغالطات الدينية المحرفة، ولا تعنيهم قضايا إنسانية مثل حقوق الإنسان أو العدالة وغير ذلك.
وبالنسبة لوسائل الإعلام الأمريكية، فلم تكن هناك مفاجآت جديدة في طريقة تعاطي الصحافة وشبكات التلفزيون الرئيسية مع العدوان الإسرائيلي، فهي منحازة كالعادة مع الاحتلال لسبب لا يحتاج لدراسة كثيفة، وهو أنها مملوكة جميعاً من عائلات تميل للصياغة الإسرائيلية، وعلى الرغم من ذلك، فقد كان هناك مؤشرات على أن كيان الاحتلال الإسرائيلي يخسر بوضوح «معركة العلاقات العامة» في الولايات المتحدة.
ولا ينعكس التغيير في المواقف داخل الحزب الديمقراطي فقط، حيث تعتقد أغلبية ضئيلة من الأمريكيين الآن أنه يجب على الحكومة الأمريكية ممارسة المزيد من الضغط على إسرائيل، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة غالوب هذا العام، وقال خبراء في استطلاعات الرأي إن المشرعين في الكونغرس يميلون إلى إسرائيل أكثر مما يفعل الجمهور الأمريكي.
ووفقاً لهذه الاستطلاعات، فإن غالبية الناخبين الديمقراطيين يؤيدون فرض عقوبات أو على الأقل شكل من أشكال الإجراءات الأكثر صرامة على إسرائيل بسبب توسعها في المستوطنات.
وبحسب ما ورد في عدة تقارير أمريكية، فقد بدأت «علاقات الصداقة التي لا تتزعزع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي» بالاهتزاز، وبدأت التساؤلات عن سبب تقديم أموال الضرائب الأمريكية لتمويل ماكنة الدمار الإسرائيلية، وظهر بوضوح بالنسبة للعديد من الأمريكيين أن إسرائيل ليست «ديمقراطية شجاعة» بل «كيان عنصري هش».
تردد صدى النضال الفلسطيني من أجل الحرية في جميع أنحاء العالم، مما دفع النشطاء المحبين للحرية والعدالة إلى تنظيم مظاهرات ضخمة في المدن الأمريكية الرئيسية، بما في ذلك واشنطن ونيويورك، وقد وضع هذا الدعم إدارة الرئيس بايدن في مأزق، إلى درجة بذل المزيد من الجهود للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بعد أن أرسل في البداية دبلوماسياً منخفض الرتبة إلى المنطقة.
ولاحظ المحللون أن وسائل الإعلام لم تعد تسيطر على السرد حول فلسطين، حيث لا يستطيع أي أحد إخفاء الحقيقة والصورة عن وسائل التواصل الاجتماعي، وكان من الصعب إخفاء الجرائم الإسرائيلية.