انقسام حاد داخل الحزب.. هل أنهى إمام أوغلو فرصه بالترشح والفوز بالرئاسة التركية مبكراً؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
2

إسطنبول- “القدس العربي”: منذ توليه رئاسة بلدية إسطنبول قبل ثلاث سنوات، قدّم أكرم إمام أوغلو نفسه إلى الشارع التركي على أنه المرشح المقبل للمعارضة التركية لمواجهة الرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقررة يونيو/ حزيران العام المقبل، ورغم نفيه المتكرر، إلا أن كافة خطواته السياسية وتحركاته الداخلية والخارجية كشفت بوضوح عن اندفاعة الكبير جداً نحو المنافسة على الرئاسة.

هذه المساعي التي أخذت منحاً جديداً في الأيام الأخيرة من خلال خطوات متسارعة حملت رسائل اعتبرت “قطعية” نحو نيّته الترشح للرئاسة، تخللتها عثرات وضعت إمام أوغلو أمام مواجهة غير مسبوقة مع أوساط حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة الذي ينتمي إليه رئيس البلدية الطامح لإعادة سيناريو أردوغان بالوصول من رئاسة بلدية إسطنبول إلى رئاسة الجمهورية.

وتفجرت الخلافات بسبب خطوات وتصريحات لاقت غضباً واسعاً في أوساط الحزب الذي ينتمي إليه، بعدما تسربت تقارير مختلفة طوال الأشهر الماضية تؤكد أن إمام أوغلو يعمل من أجل فرض نفسه كمرشح مؤكد للحزب في الانتخابات الرئاسية المقبلة، على الرغم من عدم وجود توافق حوله داخل الحزب، وصولاً للحديث عن معارضته لتوجهات زعيم الحزب ولجنته المركزية في ظل التكهنات حول نية كمال كليتشدار أوغلو بالترشح، وتأكيده رغبته في استمرار إمام أوغلو في رئاسة بلدية إسطنبول.

حملة انتخابية مبكرة

طوال السنوات الماضية، سعى إمام أوغلو الذي اتهم بإهمال بلدية إسطنبول والانشغال في حسابات سياسية أكبر من المدينة التي يديرها، إلى القيام بحملة انتخابية مبكرة لتقديم نفسه كمرشح أول لمنافسة أردوغان استناداً إلى فوزه في رئاسية بلدية إسطنبول الأهم في البلاد، ونجاحه في تحقيق فارق كبير على مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم ليكون أول سياسي يعيد المعارضة للبلدية لأول مرة منذ نحو ثلاثة عقود.

وفي هذا الإطار، بدأ إمام أوغلو في إطلاق تصريحات مختلفة حول الملفات السياسية العامة للبلاد ومستقبلها، وتنظيم تجمعات خطابية مكثفة ولقاءات مع قادة الأحزاب السياسية فهمت على أنها “حملة انتخابية مبكرة للرئاسة” كما بدأ بالمشاركة في محافل دولية مختلفة والتقاء سفراء ومسؤولين دوليين، وبحث الملفات السياسية المتعلقة بمستقبل البلاد، وهو ما جلب له الكثير من الانتقادات من أوساط الحزب الحاكم، قبل أن تبدأ الانتقادات تنهال على إمام أوغلو من أوساط المعارضة ومؤيدي حزبه.

وفي هذا الإطار، قام إمام أوغلو، ثاني أيام عيد الفطر، بجولة في مدن البحر الأسود ذات الأغلبية المحافظة والداعمة تقليديا لحزب العدالة والتنمية، واستهلها من مدينة ريزة مسقط رأس أردوغان، مقيماً تجمعات شعبية في أكثر من محافظة، وقدّم وعوداً انتخابية بشكل غير مباشر في جولة فُهم أنها جاءت بهدف إيصال رسالة على أنه قادر على حشد أصوات الناخبين حتى من “معقل أردوغان” لتعزيز فرص ترشيحه للانتخابات الرئاسية.

وخلال جولته، استخدم إمام أوغلو حافلة كبيرة كتب عليها بخط كبير اسمه، ومجهزة لإلقاء الخطابات الجماهيرية من على سطحها، وهي الحافلة المعروف تقليدياً في تركيا أنها مخصصة لزعماء الأحزاب السياسية وتستخدم في الحملات الانتخابية، وهو ما اعتُبر بمثابة “إعلان واضح” من إمام أوغلو بفرض نفسه كمشرح للانتخابات الرئاسية على الحزب، و”تلويح” بالترشح بشكل مستقل أو عن حزب آخر لو لم يختره حزبه لهذه المهمة، الأمر الذي فتح الباب لأول مرة أمام انتقادات علنية من شخصيات مؤيدة للحزب لإمام أوغلو كانت من الداعمين له تقليدياً.

هجوم واعتذار

على غرار ما يفعله الرئيس التركي من اصطحاب صحافيين وإجراء حوار صحافي موسع في طائرته خلال جولاته السياسية، اصطحب إمام أوغلو في حافلته عددا من الصحافيين الأتراك، وأجرى معهم حواراً صحافياً خلال عودته من جولته في محافظات البحر الأسود ونشرت على نطاق واسع صورة تظهر الصحافيين الذين دعاهم لمرافقته في هذه الجولة.

ومن بين الصحافيين ظهرت “ناجلهان التشي” وهي صحافية تركية معروفة بقربها من الحكومة، ولديها خلافات سابقة حادة مع القاعدة الشعبية لحزب الشعب الجمهوري الذي ينتمي إليه إمام أوغلو. حيث اتهمت سابقاً بالهجوم على مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية بوصفه “ديكتاتور” ومواقف أخرى خلال أحداث غيزي بارك بحديثها عن أن مؤيدي المعارضة المشاركين في هذه الأحداث دخلوا المساجد بزجاجات الخمر واعتدوا على المحجبات.

هذه الخطوة أثارت غضب شريحة مهمة من مؤيدي الشعب الجمهوري الذين عبروا في كتابات غاضبة عن رفضهم  خطوة إمام أوغلو باصطحاب هذه الصحافية، وهو ما حاول الناطق باسم إمام أوغلو التقليل منه بالقول إنها “أصوات قليلة غير مؤثرة وأن إمام أوغلو لا يلقى لها بالاً” وهو ما زاد من حدة الغضب اتجاه إمام أوغلو الذي بادر للحديث بنفسه لاحقاً مهاجماً منتقديه بشكل حاد وبطريقة اعتبرت أنها “متكبرة” حيث استخدم مثلاً شعبياً تركياً يحمل عبارات حادة ضد منتقديه قائلاً إنه “لا يلقي بالاً على الإطلاق بهذه الانتقادات” وأن البعض يحاول التضحية به من خلال صورة.

هاجم إمام أوغلو منتقديه بقوة قبل أن يضطر للاعتذار منهم

الكلمات الحادة التي استخدمها إمام أوغلو زادت من حالة الغضب المتصاعدة ضده في أوساط حزبه وكبار مؤيديه من الذين منحوه أصواتهم في الانتخابات الماضية، والذين لوحوا بأنهم لن يمنحوه أصواتهم لاحقاً، قبل أن يضطر إمام أوغلو للخروج والاعتذار علناً عن كلمات المثل الشعبي الذي استخدمه ضد منتقديه، لكنه أيضاً أبدى إصراراً على صحة ما يقوم به من خطوات ورفض الانتقادات الموجهة إليه.

كما دخل إمام أوغلو في مواجهة أخرى مع علي كوتش، رئيس نادي “فنربختشه” التركي، وهو أحد أندية إسطنبول العريقة الذي يميل جانب مهم من مناصريه للتصويت إلى حزب الشعب الجمهوري، وهو ما أثار جانب مؤيدي الحزب أيضاً ضد إمام أوغلو ليحتل هذا الجدل المتصاعد النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي.

مستقبل إمام أوغلو السياسي

في خضم هذا الجدل، اعتبر كتاب وصحافيون مؤيدون ومعارضون، أن إمام أوغلو ارتكب خلال الأيام الأخيرة أخطاء كافية لإنهاء فرصه بالترشح أو الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأبدت شخصيات معروفة في حزب الشعب الجمهوري رفضها ترشيحه للانتخابات المقبلة، معتبرين أنه “لن يكون المرشح الأنسب” للحزب، فيما رأى آخرون أن الأيام الأخيرة أثبتت “تخبط إمام أوغلو وعدم قدرته على إدارة الأزمة بشكل صحيح”.

وكتب مغردون: “أحدث إصدارات نتفلكس فيلم: كيف تنهي حياتك السياسية في أيام، بطولة إمام أوغلو”، وكتب آخر: “أردوغان نجح من خلال صحافية فقط إنهاء أحلام إمام أوغلو بالرئاسة”، وغرد آخر: “إمام أوغلو خسر ثمار عمل ثلاث سنوات خلال أيام فقط”، فيما حثت شخصيات من حزب الشعب الجمهوري أنصار الحزب على التوقف عن إثارة هذا الجدل على منصات التواصل الاجتماعي “لأنه يخدم أردوغان وحزب العدالة والتنمية فقط”.

ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة شكلت تحولاً مهماً في مسار اختيار المعارضة لمرشحها للانتخابات الرئاسية، وعلى الرغم من صعوبة الجزم باستبعاده تماماً من خيارات الحزب، إلا أن التوقعات تشير إلى أن حظوظه تراجعت كثيراً، ليبقى السؤال الأهم حول مدى التزام إمام أوغلو بقرار الحزب في حال قرر عدم ترشيحه أم أنه سوف يتجه للترشح من خلال حزب آخر أو بشكل مستقل؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية