انقطاع المازوت عن مستشفيات لبنان الضربة القاضية!

عبد معروف
حجم الخط
0

بعد انهيار العملة الوطنية، وفقدان البنزين والأدوية والارتفاع الجنوني بأسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، وصل الانهيار لقطاع الكهرباء، وغرقت المدن والقرى بالعتمة الشاملة. العتَمة التي لطالما كانت هاجساً مؤرقاً للمواطنين، تحوّلت إلى واقع مرير، بعد أن توقفت مؤسسة الكهرباء التابعة للدولة عن العمل، وأطفأت المولدات الخاصة بسبب فقدان الوقود «الديزل» من الأسواق.
وتعتبر أزمة الكهرباء المزمنة في لبنان معضلة مركبة من مزيج فساد وهدر ومنافسة سياسية وخلل ديموغرافي وأخيرا انهيار أمني.
ويشبه قطاع الكهرباء القطاعات الحيوية كافة، التي تديرها الدولة، والتي أصابها الترهل ونخرها الفساد.
ويشهد القطاع نقصاً مزمناً في التغذية ويعتمد على الدعم الحكومي ويتكبّد خسائر فنية وغير فنية تتراوح نسبتها التقديرية بين 36 و40 في المئة، حسب الدراسات التي صدرت عن وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان.
ولسد الفجوة بين الإمداد والطلب على الكهرباء، أُجبر الأهالي على دفع اشتراكات مكلفة للحصول على الكهرباء من مولدات خاصة تخرج عن السيطرة ومراقبة الحكومة، ويملكها أفراد يقومون بتوزيع الكهرباء على المنازل والمؤسسات، تعوض سياسة التقنين القاسية التي تتبعها الدولة مقابل مبالغ كبيرة.
وفي هذا السياق، اعتبر المواطن حسين الملاح أن التقنين القاسي لقطاع الكهرباء ينعكس سلبا على الاقتصاد وعلى الشعب اللبناني، وأضاف «صرفت الدولة مبالغ طائلة على الكهرباء منذ 1990 قدرت بـ43 مليار دولار، من دون جدوى».
وأكد أن عجز الموازنة وديون لبنان تتراكم بسبب الكهرباء و«المواطن يدفع فاتورتين، واحدة للدولة وثانية لأصحاب المولدات» وتابع «المضحك المبكي أننا موعودون بعتمة كاملة».
يتميز قطاع الكهرباء عن باقي القطاعات في لبنان بكلفته الهائلة، وخسائره الكبيرة التي بلغت أرقاماً قياسية بالنسبة لبلد صغير، حيث تجاوز الـ43 مليار دولار، وكان من أبرز الأسباب في أزماته الاقتصادية الحالية، وهذا كله من دون أي حلول جذرية أو مستدامة.
وقد ازدادت الأزمة قسوة خلال الأشهر القليلة الماضية، لأن انهيار الكهرباء، لم تتأثر به الإنارة أو تشغيل المكيفات أو حتى تشغيل البرّادات خلال فصل الصيف، فحسب بل تعني توقّف توزيع المياه، وإطفاء آلات الأوكسجين في المستشفيات وإطفاء غرف العمليات، لعدم قدرة أي مولّد خاص على تزويد المستشفيات 24 ساعة يومياً.
«حياة قاسية نعيشها» قال نايف النمري (70 عاما) لـ«القدس العربي» وأضاف وهو يقف أمام منزله في بلدة الشويفات قرب بيروت «أنا مريض، خرجت من البيت بسبب شدة الحرارة وأحتاج لدواء أبحث عنه منذ أكثر منذ أسبوعين ولم أجده حتى الآن، نعاني في النهار والليل. نعيش بدون كهرباء والأدوية مفقودة من الصيدليات، والأسعار جنونية، حياة قاسية وصعبة» وختم قائلا: «كيف يطلبون منا العيش. نصرخ ولا نجد من يغيثنا».
لا تختلف حال المواطنين في كافة المناطق، فالكهرباء تغيب بشكل شبه كلّي عن بيروت وطرابلس وصيدا وصور والبقاع وجنوب لبنان، والمعاناة واحدة. ففي جنوب بيروت قرب مدينة الدامور يعيش أهالي بلدة حارة الناعمة، بظلام دامس منذ أيام طويلة، معظم المحلات التجارية أقفلت أبوابها بسبب تلف المواد الغذائية التي تحتاج لثلاجات لحفاظ الألبان والأجبان واللحوم والمواد الأخرى، وبعض المحلات أقفلت أبوابها بسبب الفوضى العارمة بأسعار المواد الغذائية بعد فقدان العملة قيمتها الشرائية وتخبط الأسعار.
يقول وليد مزهر ويعمل مدرسا في البلدة: «أزمات كثيرة أصبحنا نعاني منها، نتعذب ونعاني القهر والذل، ولا يبدو أن هناك معالجات في الأفق، بل يريدون منا التعايش مع الأزمة ومع الحرمان والقهر، نصطف بطوابير الذل لتعبئة سياراتنا بمادة البنزين أن وجد في محطات الوقود، ونمضي أوقاتا طويلة أيضا نبحث عن أدوية وحليب لأطفالنا، تتلف الأطعمة والمواد الغذائية بدون ثلاجات وبرادات».
وقال لـ«القدس العربي» والتعب يرتسم على تقاسيم وجهه: «على ما يبدو، لا يعملون لإيجاد الحلول، بل يريدون أن يعتاد الناس العتمة كما تعوّدوا شحّ البنزين والغاز المنزلي».
وفي صيدا أوضاع الكهرباء أسوأ حالا من المناطق الأخرى في لبنان، حيث شهدت المدينة انقطاعًا شاملا للكهرباء عن معظم أحيائها بعد إطفاء غالبية المولّدات، وأعلن العديد من أصحاب مولدات الكهرباء توقفهم عن العمل، بعدما تفاقمت أزمة شح المازوت وأدت إلى عدم قدرتهم على تأمين التيار الكهربائي لعدد كبير من أحياء المدينة وبلدات جوارها.
وإذ اسف أصحاب المولدات في بيان اتخاذهم هذا القرار، ناشدوا الحكومة متمنين مساعدتهم للحصول على الكمية الكافية من المازوت ليتمكنوا من «إبعاد شبح العتمة عن أهالي المدينة والجوار وتأمين الحد الأدنى من ساعات التغذية لا سيما في هذه المرحلة الصعبة التي تداخلت فيها الأزمات الاقتصادية والمعيشية والصحية بأعلى درجاتها».
يخرج المئات من أبناء صيدا من منازلهم كل ليلة، يفترشون الشوارع والساحات العامة وشواطئ البحر، يقفلون الطرقات العامة بالإطارات والعوائق الحديدة، يطلقون نداءاتهم وصرخاتهم طالبين بالمعالجات السريعة، وتعبيرا عن رفضهم للأوضاع المعيشية التي تمر بها البلاد بشكل عام ومدينتهم بشكل خاص.
وفي الإطار نفسه، اعتبر الخبير الاقتصادي المتخصص في قطاع الكهرباء نزار فايد أن «كل الحلول التي وضعت حتى تاريخه لقطاع الكهرباء لم تسفر سوى عن زيادة بالتقنين والمزيد من اهتراء الشبكة».
ولفت إلى أن «الكلفة الإجمالية لتلك البواخر تتجاوز المليار دولار سنويا، تضاف إليها كلفة تزويدها بالمحروقات وتبلغ مليار دولار ويتم تغطيتها بسلف من الخزينة لمؤسسة كهرباء لبنان».
ووفق فايد، تشير الأرقام الرسمية إلى أن «40 في المئة من إجمالي الدين العام البالغ نحو 85 مليار دولار صرف على قطاع الكهرباء، بحيث تم صرف أكثر من 43 مليار دولار على القطاع من 1992 وحتى 2020».
وتابع أن تعقيدات الإنتاج تبقى الأصعب بفعل الإهمال الفاضح للمعامل القديمة، وذكر أن المعامل لم تتم صيانتها بشكل جيد، وتقدم الأعمال فيها أعيق بسبب تضارب التوجهات السياسية بين إنشاء معامل جديدة أو استئجار بوارج.

الخطر يهدد المرضى

وأعرب مدراء المستشفيات في المدن اللبنانية عن قلقهم بسبب الخطر الذي يهدد حياة المرضى بعد انقطاع الكهرباء وإطفاء المولدات الخاصة.
وأكد المدير العام لمستشفى بهمن في الضاحية الجنوبية من بيروت علي كريّم أنّ «المستشفى أمامه وقت قصير جدا، فخزّان المازوت الأساسي قد نفد مخزونه، لكنّ الخزّانات الصغيرة ما تزال تحتوي على كميّة من المازوت قرب مولّدات الكهرباء، وإذا لم نتمكّن من تأمين المازوت لتغذية المولد الكهربائي فسنكون أمام كارثة حقيقية».
ولفت إلى أنّه تواصل مع نقيب المستشفيات الخاصّة سليمان هارون، كما أجرى اتّصالاته بكلّ المعنيّين، وأبلغهم بأنّ الأمور باتت خطيرة، فـ»القصة مش مزحة». وأكّد كريّم أنّ «هناك سعياً لتأمين المازوت، وقد أخذنا وعوداً بذلك اليوم» آسفاً لما وصل إليه حال القطاع الصحيّ في لبنان، قائلاً: «نحن لا نطلب أموالاً ولا حتى مساعدة، ما نريده المازوت كي لا يموت المرضى».
وأكد نقيب المستشفيات في لبنان سليمان هارون تبلّغه «نفاد المازوت من مستشفيات قرطباوي وبهمن والحياة، فيما ينتظر المرضى ومنهم على أجهزة التنفس». وقال: «حتى اللّحظة ما من حلول في الأفق على الرغم من المساعي، ويجري البحث في نقل المرضى إلى مستشفيات أخرى ما لم يتوفّر المازوت». أمّا في باقي المستشفيات، فيؤكد النقيب أنّ المخزون «لا يكفي لأكثر من أيام قليلة».
يُذكر أن المستشفيات أطلقت صرختها، محذّرةً من نفاد كميّات المازوت لديها التي يصعب إيجادها في الأسواق نتيجة الاحتكار والسوق السوداء، ما يهدّد القطاع الصحي بكارثة، في الوقت الذي يشهد لبنان انتكاسة كبيرة في مواجهته لانتشار فيروس كورونا المستجدّ وعودة الارتفاع في أعدّاد الإصابات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية