في دولة ما في أمريكا اللاتينية بعد أن طوّق قائد الانقلاب القصر الجمهوري رفع الهاتف طالباً رئيس الجمهورية المحاصر وخاطبه بكل احترام: ‘يا سيادة الرئيس لقـــــد انقلب القادة على حكمك.. انت لديك ذخيرة تكفي لمدة ثلاثة أيام ونحن لدينا ذخيرة تكفي لمدة أسبوعين فلماذا لا تقوم بالاستسلام بهدوء، حقناً للدماء ونحن نعدك بالمحافظة على حياتك وتأمين مغادرة سيادتك البلاد بسلام’. فكّر رئيس الجمهورية بعقلانية ووافق على شروط قائد الانقلاب.. للأسف ما انطبق على حالة الانقلاب هذه فإنه ينطبق تماماً على حالة جيوش العالم الثالث بأغلبيتها الساحقة فما دامت الدولة قاصرة عن تصنيع أسلحتها وذخائرها فإنها محكومة سلفاً بما تقرره الدولة المصنِّـعة، ولنا في حرب رمضان سنة 1973 خير مثال على ذلك، فما كان لقواتنا أن تستمر في قتالها المظفر لولا الجسر الجوي الروسي لكل من سورية ومصر للإمداد بالذخائر والأسلحة.
وقوله تعالى: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة) هذا يعني تصنيع السلاح ووسائل الدفاع وليس استيرادها من الغير، إنّ زراعة القمح وتصنيع البندقية يجب أن يكون الهدف الأول للدولة أو مجموع دول الأمة وليس الحصول عليه من الآخرين وحتى لو كان بشروط شراء ميسرة أو حتى مجاناً، ان الأسلحة التي يتم شراؤها حالياً من قبل البعض المفروض أنه مؤتمن على أموال الأمة ومستقبل أجيالها لا تهدف لا الى رد عدوان أو الى تحرير أرض، بل تهدف الى امتصاص فائض المال العربي وتدويره في مصانع الأعداء الذين يدّعون صداقة بعض حكومات العرب، أو لتهيئة العرب للدخول في حروب لصالح الأعداء مع الأشقاء والجيران مما يخلق بيننا وبينهم عداوات وشكوكا لا تنتهي أبداً، بحيث نضعف جميعاً لصالح الصهيونية العالمية والاستعمار الأمريكي، وفي النهاية لن يختلف مصيرهم عن مصير صدام حسين عندما تنتهي مهمتهم.
إنّ قوة ومنعة الأمم لا تأتي باستيراد السلاح ولكن بتصنيعه على أراضيها بواسطة سواعد وعقول أبنائها، والطائرة المستوردة لن تساوي أبداً في أية مواجهة جديّة مع عدو حقيقي سوى قيمة خردتها لأن هذه الطائرة إما انها سوف تمنع من التحليق أو سوف يعطّل من صنعها كافّة أجهزتها الإلكترونية والحساسة، هذا إذا كانت قد سُلّمت أساساً بمثل هذه الأجهزة، أي أنها لن تكون وقت الشدة أفضل من قنٍ للدجاج أو مأوى للخراف أو قل عشٍ لصقور الصيد.. كم كان من الاجدى لو استُثمرت هذه المليارات في مساعدة باكستان المنكوبة أو باقي شعوب الأمة المنهوبة، فالحكومات لن تحتاج الى هذه الطائرات في قمع مظاهرة أو السيطرة على مسيرة سلمية.. وأخيراً فإنّ الوقوف الى جانب باكستان الآن ومساعدتها في محنتها وعدم تركها وحيدة وإشعارها بمدى أهميتها للأمة كل الأمة وهي فعلاً مهمة جداً لنا جميعاً، باكستان هي مظلتنا النووية ودرعنا ونابنا التي يجب أن لا تضعف أبداً والحفاظ عليها كذلك أهم من أقنان دجاج طائرة.
كذلك فإنّ تحويل هذه المليارات الى مشاريع صناعية وزراعية وتقنية وبحث علمي وجامعات ومستشفيات على مستوى الأمة هو الذي يحميها ويحمي انسانها وحاكمها حاضراً ومستقبلاً وليس شراء الأسلحة من الأعداء أو ايداع الأموال في مصارفهم.
داود البوريني