هل وصلت الثورة المضادة أخيرا إلى تونس، بالنظر إلى إعلام مصر والسعودية والإمارات، فالجواب نعم. وكان اقتحام الأمن التونسي مقر قناة «الجزيرة» بعد يوم من إعلانات الرئيس التونسي قيس سعيد التي عزل فيها رئيس الوزراء هشام المشيشي وتعليق البرلمان، صورة عن محاولة نظام سعيد منع الحقيقة للخروج. وكان رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، واضحا في اتهامه إعلام الإمارات بتصريحات لقناة «تي أر تي العربية» ودوره في التحريض على انقلاب سعيد. وأشارت صحيفة «واشنطن بوست»(27/7/2021) إلى أن الأصوات المؤثرة في السعودية والإمارات اعتبرت تحركات سعيد ثورة ضد الإسلام السياسي. ورأت في أحداث تونس المسمار الأخير في نعش الإسلام السياسي ومشاركته بالديمقراطية. ونقلت صحيفة «الغارديان» (27/7/2021) عن دبلوماسي أوروبي قوله إن بعض الدول بالمنطقة لم تمانع ما حدث. وفي أمريكا دعا السناتور الديمقراطي عن كونيكتيكت كريس ميرفي إدارة جوزيف بايدن بالتحقيق في احتمال تدخل سعودي وإماراتي في الأزمة السياسية التونسية. وقالت إلهام فخرو من مجموعة الأزمات الدولية إن التشابه بين التغطية السعودية والإماراتية لانقلاب مصر 2013 والأحداث الأخيرة في تونس «لافتة للنظر».
موقف أمريكي فاتر
وكالعادة بدت المواقف في واشنطن فاترة، فرغم رفع إدارة جوزيف بايدن شعار الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، إلا أن نصف عام على حكمها أعطى حسا من خيبة الأمل. ويرى جوش روغين في «واشنطن بوست» (26/7/2021) أن الوقت ينفد من يد واشنطن في تونس، فهي التي بشرت بأن المعركة في عصرنا هي بين الاستبداد والديمقراطية تبدو عاجزة عن وقف الانقلاب باستثناء المراقبة وإصدار بيانات «حيادية». وذكر الكاتب بما قاله بايدن للرئيس التونسي الباجي قايد السبسي عندما استقبله في مقر إقامته كنائب للرئيس أوباما عام 2015 وهو أن الأمريكيين «يؤكدون على الأهمية التي تضعها الولايات المتحدة كي تنجح الديمقراطية في تونس». واتفق المعلقون الأمريكيون على أن تحركات سعيد هي امتحان لبايدن. وورد في تقرير بمجلة «فورين بوليسي» (28/7/2021) أعده مايكل هيرش
أن الديمقراطية التونسية بحاجة للمساعدة، فهل يتحرك بايدن؟ وأشار في تقريره إلى أن تونس الفقيرة وغير المهمة استراتيجيا تظل مع ذلك الوريث الحي للربيع العربي. وصدر عن العواصم الأوروبية وواشنطن في الأيام الأخيرة توبيخا لطيفا، واختفت تونس من عناوين الأخبار. ونقل الكاتب عن تشارلس دان، الدبلوماسي الأمريكي السابق وبخبرة واسعة في الشرق الأوسط قوله إن رد إدارة بايدن على الأزمة في تونس هو بمثابة «الجلوس متفرجا». وأضاف دان أن بيانات صدرت تدعم الديمقراطية لكن لم يتم اتخاذ تحركات حقيقية. وبالمقارنة «رحب المستبدون في المنطقة مثل مصر والسعودية بسيطرة الرئيس التونسي على السلطة». ويرى نقاد مثل دان أن إدارة بايدن فشلت في تحقيق ما تعهد به بلينكن في خطاب مهم له في 3 آذار/مارس وقال فيه إن السياسة الأمريكية «ستحفز السلوك الديمقراطي وتشجع الآخرين على القيام بإصلاحات مهمة ومحاربة الفساد». ويرى محللون أن نجاة الديمقراطية التونسية هي الحل طويل الأمد لمسألة التطرف الإسلامي، مشيرين إلى إن إدارة بايدن لديها خيارات للضغط على تونس إن أحسنت استخدامها. ولاحظ ديفيد غاردنر في صحيفة «فايننشال تايمز» (27/7/2021) أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تبنتا موقفا مراوغا عندما قام السيسي بتحركاته ويمارسان نفس الموقف مع تونس ويحاولان فهم اتجاه الريح. وهذا موقف يعبر عن ضيق نظر. فعدم قدرة التيار الإسلامي الرئيسي الحصول على مكان في التيارات الديمقراطية سيكون كارثة على مستقبل العالم العربي. وهو ما يعطي الجهاديين ورقة رابحة تجعلهم يجادلون أن الديمقراطية ليست ميتة بل ومحرمة. ويعتقد الكاتب أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا يزال لديهما نفوذا يمكن استخدامه في تونس، وسيكون كارثة لو لم تستخدمه وتركتها تنزلق تحت ركام الاستبداد العربي.
عالم فقير
والعالم العربي في النهاية لا يحتاج إلى ديكتاتوريات «خيرية» أو «ريعية» يتم فيها مقايضة الأمن والاستقرار بنوع من المساعدات الحكومية أو المشاريع «العملاقة» الوهمية التي ترضي ذات الديكتاتور أكثر من حلها للمشاكل العميقة والمزمنة. فكما قالت «الغارديان» (29/7/2021) إن العالم العربي بات مفككا بين دول غنية بالنفط تحاول استخدام ثروتها النفطية وقوتها العسكرية لتوسيع تأثيرها وبنتائج كارثية دائما، ودول متوسطة الدخل لا تكفي مصادرها لدعم سكانها وبلدان مزقتها الحروب الأهلية. وفي العالم العربي فقر أكثر من أي دول أخرى، 88 في المئة من سكان سوريا فقراء و83 في المئة من سكان اليمن أيضا، وفيه مدن صفيح أكثر من دول أمريكا اللاتينية، ويستضيف أكثر من 6 ملايين لاجئ و11 مليون مهجر في بلادهم. ويوهم سعيد نفسه أنه يستطيع حل مشاكل عضوية ومزمنة ظلت قائمة حتى بعد الثورة. ذلك أن نماذج ما قبل الثورة، الاقتصادية ظلت هي نفسها. ولم يتغير النظام الاقتصادي القائم على مستويات عالية من الاستيراد مقارنة مع الدولارات من النفط والسياحة. وأنتج هذا دينا خارجيا وعدم مساواة أدت لتمرد السكان. وهناك حاجة للتغيير، لكن الديكتاتوريات هي التي أوصلت الدول العربية لهذا الوضع القاسي. فالوعد التونسي لم يثمر حسب صحيفة «نيويورك تايمز» (28/7/2021) لأن أولويات الغرب ظلت تدور حول محاربة التطرف الإسلامي بدلا من عملية الانتقال الديمقراطي، فقد اكتفى بمنح جائزة نوبل عام 2015 لمن ساهموا في عملية حماية الديمقراطية من الانهيار، ولكنه لم يسرع عمليات المساعدة في مجال التنمية البشرية والاقتصادية. بل وواصلت مؤسساته النقدية مثل صندوق النقد الدولي سياساتها التي أنتجت الثورات في عام 2011 والقائمة على التقشف وإصلاحات مقابل تقديم القروض وهكذا دواليك. وأشارت الصحيفة إلى أن التعاون الأمني والعسكري بين الولايات المتحدة وتونس هو الأكبر في القارة، وزادت المساعدات العسكرية والأمنية من 12 مليون في 2012 إلى 119 مليون دولار في 2017 إضافة إلى 150 عسكريا أمريكيا يقدمون التدريب والمشورة لنظرائهم التونسيين. وظلت تونس البلد الصغير على هامش الاهتمام العالمي، وكان يجب أن تكون موضوعات بنيوية مثل إصلاح القطاع الأمني والقضائي والإعلامي ومعالجة البطالة بين الشباب الموضوعات الرئيسية للانتقال بعد الثورة الشعبية التي أطاحت بديكتاتورية زين العابدين بن علي. إلا أن المسؤولين الغربيين أبدوا هوسا في موضوع الإسلاميين- وبخاصة حزب النهضة الذي فاز بالانتخابات، وأين سيذهبون ومن يمثلون. وظلت تونس عالقة في حفرة خدمة الدين والحصول على العملة الصعبة لتأمين الاستيراد، ولم تسارع الحكومات المتعاقبة بعد الثورة لإلغاء الديون البغيضة التي ورثتها عن النظام السابق. وفي المحصلة حصل التونسيون على حرية أكثر وخبز أقل.
الحنين للماضي
وفتح المجال لظهور نزعات الحنين إلى الماضي المظلم الذي عبرت عنه عبير موسي «الحزب الدستوري الحر» التي أحدثت الفوضى بالبرلمان ولعبت دورا في عرقلة عمله باسم الهجوم على النهضة في ترديد للازمة الثورات المضادة في العالم العربي ودول المال الخليجية التي تلقفت صوتها وأعطتها مساحة واسعة. ويوم الجمعة، 30/7/2021 نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقابلة طويلة مع سيف الإسلام القذافي وقالت فيها إنه حي يرزق في الزنتان، ويخطط للعودة إلى الحكم. وأشارت إلى حظوظه السياسية واستطلاعات رأي تعطيه التفوق على منافسيه، وهي نفس الاستطلاعات التي جعلت من موسي أهم سياسية في تونس. واستغلت مشاعر الغضب على الأوضاع المأساوية ودغدغة عواطف المحرومين بأن الماضي كان أجمل، أو نوستالجيا الظلم، وهو ما بدا في كلام سيف الإسلام «حان الوقت للعودة إلى الماضي» وأن «العرب حمقى فقد دمروا بلادهم» في ثورات لا طائل منها. وهذا الكلام كان وراء إنتاج ظاهرة سعيد، الخارج عن المؤسسة الذي رفع شعار مكافحة الفساد وفاز على منافسيه في 2019 لكنه كان يحمل نفسه نزعة ديكتاتورية وتسلطية، وحالم بتغيير النظام السياسي وبناء «تونس جديد» لو استخدمنا شعارات الرئيس عبد الفتاح السياسي الذي يريد تغيير شكل مصر وهو عاجز عن حل مشاكلها الاقتصادية ومشكلتها الوجودية مع إثيوبيا.
حكم الفرد ليس حلا
ومن هنا دعا الكاتب عز الدين فشير في مقال في صحيفة «واشنطن بوست» (27/7/2021) تونس للتعلم من جيرانها وأن الرجل القوي ليس هو الحل. وكما كشفت حالات في مصر والسعودية، فالرجل القوي قد يعطي نوعا من الاستقرار وتقدما على المدى القصير لكنه ليس الحل الأنجع لمشاكل البلد المزمنة والمتجذرة. وأضاف أن الطغاة العرب يحلمون بإعادة إنتاج تجربة رئيس كوريا الجنوبية بارك تشانغ، وعادة ما يبدأون حكمهم بقصص نجاح، ولكنهم ينتهون بطريقة أو بأخرى مثل كيم إل سونغ في كوريا الشمالية. ورغم ما يقومون به من إصلاحات ومشاريع إلا أنها ليست خطوة لبناء الدولة الحديثة، بسبب العنف المرتبط بالإصلاحات الذي يطال المعارضين والسكان جميعا. وكذا رأسمالية المحسوبية وليس السوق الحر القادر على النمو المستمر. وبدلا من تقوية المؤسسات تعمل ديكتاتورية الرعاية على إضعاف المؤسسات. ونظرا لخوف الديكتاتوريين من فقدان سلطتهم فهم يرفضون التشارك فيها. وعلى العموم تظل حالة سعيد «ضعيفة» مقارنة مع مصر والسعودية، ففي الأولى جيش يتحكم بكل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية وفي السعودية ملكية مطلقة. وتظل تجربة الجيش التونسي مختلفة، فقد حجم دوره منذ الستينات وبعد المحاولة الانقلابية في 1962 التي اعتبرها نظام بورقيبة. وتجاهله زين العابدين بن علي بعد انقلابه في 1987 ومن هنا فزج سعيد بالجيش والمؤسسة الأمنية في انقلابه الدستوري، يحمل مخاطر من دخولهم في لعبة الحكم والتأثير. وكان ميل سعيد لتوريط الجيش واضحا عندما طلب منه تولي مسؤولية الرد على انتشار فيروس كورونا.
إلى أين؟
في الوقت الحالي يواصل سعيد عمليات التطهير داخل المؤسسة الحاكمة في ظل غياب البرلمان والمحكمة الدستورية التي منع من تشكيلها، رغم أن حصته فيها أربعة قضاة والبقية من تعيين الحكومة والبرلمان ضمن لعبة التشارك في السلطة ووسط أجواء شعبية غير مبالية أو راضية عن قراراته. ويبدو أن الولايات المتحدة والدول الغربية عازمة على لعب دور المتفرج، كما فعلت في مصر وليبيا ودول الربيع الأخرى. وسيواجه سعيد على المدى البعيد معضلة في حل المشاكل المستعصية التي تواجه البلاد. وسنرى في الأيام المقبلة تحركات إقليمية تحاول الاستفادة من الوضع وتحويل تونس إلى ساحة حرب بالوكالة كما فعلت في دول الربيع الأخرى. وعلى العموم فالثورات المضادة التي دعمها المال الخليجي في مصر وليبيا ومخططات الشرذمة في سوريا واليمن ومحاولة القضاء على القضية الفلسطينية، لن تخمد الربيع العربي، فهو قابل للانفجار كما في 2019 في الجزائر والسودان، صحيح أن القوى العسكرية وأصحاب المصالح تحركت للسيطرة على الأوضاع لكن المعركة على مصير العالم العربي، بين القوى التي تريد الحفاظ على الديكتاتورية تحت سمع ونظر العالم الحر، وتلك الراغبة بالحرية التي عادة ما يتخلى عنها الغرب من أجل مصالحه الاقتصادية والجيوسياسية وأمن إسرائيل، لم تحسم بعد. فانقلاب سعيد يتم الإعداد إليه منذ أشهر حسبما كشف موقع «ميدل إيست آي» في شهر أيار/مايو فلم يسيطر سعيد على كل السلطات التنفيذية بل وعين نفسه نائبا عاما. وقال ديفيد هيرست في مقال له بالموقع نفسه (26/7/2021) إن انقلاب سعيد لا علاقة له بوباء فيروس كورونا والفوضى في مراكز التطعيم ولكن خطط له منذ وقت طويل، ولا شيء دستوريا في هذا الانقلاب فهو لا يختلف عن انقلاب السيسي على محمد مرسي في 2013 والمحاولة الانقلابية ضد رجب طيب اردوغان عام 2016. وفي 2013 أنقذ راشد الغنوشي الديمقراطية التونسية كما قالت «الغارديان» )26/7/2021) واليوم هناك أزمة في تونس، ولن يتم نزع فتيلها إلا من خلال فهم حالة الطوارئ ومعالجة أسبابها- وليس عبر التأكيد على الخطاب المعادي للديمقراطية الذي عفا عليه الزمن. وأشار الغنوشي بمقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (30/7/2021) «جربنا الديكتاتورية من قبل ولا يمكننا العودة إليها مرة أخرى» واتهم فيه سعيد بمحاولة قلب نتائج عقد من العمل الشاق للتونسيين الذين قاتلوا من أجل الإصلاح الديمقراطي. و»أعتقد أن أفعاله ليست دستورية وتهدد الديمقراطية التونسية». و»كزعيم لأكبر كتلة في البرلمان فإنني أكتب هذا على أمل العثور على مخرج من الأزمة». واعترف الغنوشي أن عدم رضى التونسيين بإداء القيادة مشروع. واتهم سعيد بتمزيق أفضل الدساتير العربية وعاب على من حاولوا تصوير الأزمة الحالية من منظور علماني- إسلامي. وأكد أن خطوات سعيد تسير على نفس مبادئ إنشاء حكم ديكتاتوري. وقال إن ازمة الوباء والاقتصاد «ليست مبررا لتمزيق الدستور وتعريض كامل النظام الديمقراطي للخطر» و «حكم الرجل الفرد ليس هو الحل لمشاكل بلدنا الاقتصادية، فالديكتاتورية تقود دائما إلى زيادة الفساد والمحسوبية وخرق حقوق الأفراد وعدم المساواة». و»آمل وبصدق ان يتراجع سعيد عن قراراته، ويمكنه اتخاذ عدة خطوات إيجابية الآن وعلى حلفاء تونس الغربيين والإقليميين دعمه في اتخاذها» و»استطاعت تونس في الماضي التغلب على المشاكل عبر الحوار الوطني، ونحن قادرون على عمل هذا مرة أخرى».