تستهدف السياسة الاقتصادية المصرية حاليا إصلاح الميزان التجاري وذلك لتخفيض العجز الذي يعاني منه. وقد نجحت الحكومة فعلا في تخفيضه خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي بنسبة 24 في المئة، وذلك كمحصلة لزيادة الصادرات بنسبة 16 في المئة، وتخفيض الواردات بنسبة 7 في المئة. كما أعلنت تشكيل «المجلس التنفيذي لاحلال الواردات» بغرض زيادة القدرة على تعويض انخفاض الواردات بزيادة الإنتاج المحلي، خصوصا مع وضع خطة لتعميق الصناعة المحلية تحت إشراف المجلس نفسه. وفي حال النجاح في تحقيق ذلك، فإن استمرار تخفيض العجز في الميزان التجاري سيساعد على توفير موارد اضافية للتنمية الصناعية.
مؤشرات إيجابية مع بداية السنة المالية
خلال أول شهرين من السنة المالية استطاعت مصر تخفيض عجز الميزان التجاري بنسبة 16.2 في المئة مقارنة بالفترة المقابلة من العام الماضي، ليبلغ العجز5.8 مليار دولار مقابل 6.9 مليار. كذلك أظهر عجز ميزان المعاملات السلعية غير البترولية انخفاضا بنسبة 24 في المئة خلال شهر ايلول/سبتمبر الماضي. وتبشر هذه الأرقام بتراجع عجز الميزان التجاري الذي يمثل ظاهرة مرضية مزمنة يعاني منها الاقتصاد منذ العام 2004 حتى الآن. ويؤدي انخفاض العجز التجاري إلى تحرير قدر من الموارد المحلية كانت تذهب للخارج في صورة مدفوعات لتمويل العجز. وقد بلغت قيمة الانخفاض في العجز خلال شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس حوالي مليار ومئة مليون دولار، وسجلت قيمة الصادرات خلال أول شهرين من السنة المالية ارتفاعا إلى 6.2 مليار دولار، في حين بلغت قيمة الواردات حوالي 12 مليار دولار.
وقد انعكست تداعيات أزمة جائحة كورونا على أرقام التجارة الخارجية لمصر في العام الماضي. وطبقا للإحصاءات الصادرة عن البنك المركزي المصري، فإن العجز التجاري في السنة المالية المنتهية في آخر حزيران/يونيو الماضي بلغ 42.1 مليار دولار تقريبا، بزيادة 15.3 في المئة عن العام السابق 2019/2020. وسجلت عائدات تصدير السلع غير البترولية زيادة بنسبة 12.2 في المئة تقريبا، في حين زادت إيرادات تصدير البترول والغاز والمشتقات النفطية بنسبة أقل بلغت 1.2 في المئة فقط، حيث تأثرت سلبا بالهبوط الحاد في أسعار النفط والغاز في النصف الأول من العام الماضي. ومن خلال العجز التجاري تتسرب نسبة 11.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى الخارج حسب أرقام السنة المالية الأخيرة، وهي أعلى نسبة منذ العام 2017.
ومع تحسن أسعار النفط والغاز منذ بداية السنة المالية الجديدة قفزت إيرادات التصدير بنسبة 220.4 في المئة في شهر تموز/يوليو الماضي. وكانت صادرات الغاز والوقود من أهم أسباب زيادة صادرات مصر إلى إيطاليا بنسبة 60 في المئة وبنسبة 90 في المئة للهند، وبنسبة 132 في المئة لمالطا خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي.
تقليل الواردات
تتجه الحكومة إلى تقليص السلع المستوردة، والتعويض عن ذلك بزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي. وقد بلغت قيمة الواردات في السنة المالية الأخيرة 70.7 مليار دولار مقارنة بحوالي 62.8 مليار دولار في السنة السابقة، بزيادة نسبتها 12.6 في المئة. وتستورد مصر من الخارج نسبة كبيرة من احتياجاتها الأساسية خصوصا القمح والذرة والزيوت النباتية. وتستحوذ الواردات الزراعية والحيوانية على ما يقرب من ربع قيمة الواردات (24 في المئة) في حين تستحوذ المعادن والكيميائيات ومنتجاتها على 25 في المئة. كما تشمل قائمة الواردات الآلات والأجهزة الكهربائية بنسبة 15 في المئة والأخشاب اللازمة لقطاع الإسكان والتشييد، والمطاط والورق والمعادن الأساسية.
الأرقام السابقة وان كانت تمدنا بمؤشرات عن أداء التجارة الخارجية لمصر، إلا أن الصورة لا تكتمل بدون المقارنة مع دول أخرى شبيهة بمصر من حيث معدلات نموها، أو المنافسة في الأسواق القريبة. ولتوضيح ذلك فسوف نعقد مقارنة مع كل من تركيا وفيتنام، الأولى لأنها من أكبر الشركاء التجاريين لمصر في عام 2020. كما أنها من المنافسين لمصر في أسواق الدول العربية والأفريقية. أما فيتنام فإنها تشبه مصر إلى حد كبير من حيث معدلات النمو والحجم الاقتصادي، على الرغم من حداثة عهدها بالمنافسة في الأسواق العالمية.
تركيا
بلغت قيمة الصادرات التركية لجميع أنحاء العالم في العام 2020 حوالي 215.7 مليار دولار. في حين بلغت قيمة صادرات مصر 28.7 مليار دولار، بما يعادل 13.3 في المئة من الصادرات التركية، علما بأن صادرات النفط والغاز والوقود والمعادن تستحوذ على ما يقرب من ثلث الصادرات المصرية. وفي تشرين الأول/أكتوبر الماضي صدرت تركيا إلى العالم سلعا بقيمة تقرب من 21 مليار دولار. وعلى الرغم من العجز التجاري للبلدين، فإن نسبة تغطية الصادرات للواردات ترتفع في تركيا إلى 93 في المئة حسب إحصاءات تشرين الأول/أكتوبر، مقابل حوالي 41 في المئة لمصر حسب إحصاءات السنة المالية الأخيرة. وقد صدرت مصر لتركيا في عام 2019 ما قيمته 2.12 مليار دولار وجاءت في المركز الرابع بين أسواق التصدير بعد امريكا والإمارات وإيطاليا. كما جاءت في المركز السادس بين أسواق الاستيراد بعد الصين وروسيا وأمريكا والسعودية وألمانيا، وحصلت منها مصر على نسبة 4.5 في المئة من وارداتها السلعية.
فيتنام
تعتبر فيتنام قريبة الشبه بمصر من حيث عدد السكان ومستوى النمو الاقتصادي، وأن كانت مصر تتفوق عليها من حيث الحجم الاقتصادي، ومن حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. ويبلغ الناتج المحلي للفرد في فيتنام حسب أرقام نهاية العام الماضي حوالي 2786 دولارا، مقابل 4028 دولارا للفرد في مصر، أي ما يقرب من 70 في المئة من مثيله في مصر. وعلى الرغم من أن فيتنام بدأت التنمية الحديثة والانفتاح على العالم في أواخر ثمانينات القرن الماضي، فإنها حققت طفرات سريعة في النمو والتوسع في الأسواق الخارجية بواسطة صادرات صناعية عالية النوعية. وبلغت قيمة الصادرات في الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي 268 مليار دولار بنسبة زيادة سنوية تبلغ 16.6 في المئة، وذلك على الرغم من تداعيات جائحة كورونا. وفي العام 2020 بلغت قيمة صادرات فيتنام 281 مليار دولار، منها 77 مليار دولار إلى الولايات المتحدة فقط.
وكانت فيتنام قبل إعلان سياسة التحديث الاقتصادي في العام 1986 تعيش في حالة تشبه الاكتفاء الذاتي، بإستثناء معاملات محدودة مع الدول المجاورة. وكان الشعب الفيتنامي يعيش على زراعة الأرز وصيد الأسماك. وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عام 1990 حوالي 95 دولارا سنويا مقابل 760 دولارا للفرد في مصر في السنة نفسها، أي أن دخل الفرد في مصر كان يعادل 8 أمثال الفرد في فيتنام. ولكن البلاد شهدت بعد ذلك نهضة كبيرة، وأصبحت واحدة من الدول سريعة النمو حيث زاد الناتج المحلي للفرد بمقدار 30 مرة خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
ومن ذلك يتضح أن الصادرات المصرية ما تزال صغيرة القيمة إذا ما قورنت بصادرات تركيا أو فيتنام. ولا يكمن حل مشكلة عجز الميزان التجاري في تقليص الواردات، ولكن بالعمل على زيادة الصادرات، خصوصا الصناعية. وعلى الرغم من المجهود الذي تبذله الحكومة حاليا في مجال تقليص الواردات، فإن العالم الذي نعيش فيه حاليا ليس عالم الأسواق المغلقة والاكتفاء الذاتي وسياسات إحلال الواردات. العالم الذي نعيش فيه هو عالم حرية التجارة وانفتاح الأسواق وترابط سلاسل الإنتاج والامدادات بين بلدان العالم على اختلاف نظمها السياسية ودرجات نموها الاقتصادي.
جداول التوزيع السلعي والجغرافي للصادرات والواردات المصرية عام 2019، القيمة بالمليار دولار، والنسبة إلى مجموع الصادرات أو الواردات
(المصدر: Observatory of Economic Complexity OEC.WORLD)
أهم الصادرات
السلعة القيمة النسبة %
بترول خام 4.23 11.5
مشتقات بترولية 3.43 9.1
غازات بترولية 1.97 4.87
الذهب 2.07 4.87
أسمدة نيتروجينية 1.41 3.84
أهم أسواق التصدير
الدولة القيمة النسبة%
الولايات المتحدة 3.24 8.82
الإمارات 2.32 6.32
إيطاليا 2.31 6.30
تركيا 2.12 5.79
السعودية 2.07 5.65
أهم الواردات
السلعة القيمة النسبة %
مشتقات بترولية 5.87 7.11
بترول خام 2.62 3.18
قمح وذرة 6.35 7.70
سيارات 2.24 2.72
أدوية معلبة 1.97 2.17
أهم أسواق الاستيراد
الدولة القيمة النسبة%
الصين 12.5 15.1
روسيا 5.46 6.62
الولايات المتحدة 5.06 6.14
السعودية 5.05 6.12
ألمانيا 4.05 4.91