انكماش الناتج المحلي يفاقم معدل البطالة في صفوف اللبنانيين

عبد معروف
حجم الخط
0

أدى انكماش الناتج المحلي واضطراب الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية التي يتعرض لها لبنان، إلى تفاقم معدل البطالة في صفوف المواطنين، خاصة قطاع الشباب والفئة العمرية المؤهلة للعمل.
ويُعرف معدل البطالة بأنّه النسبة المئويّة للأشخاص العاطلين عن العمل، والعاطل عن العمل هو كل شخص قادر على العمل وراغب فيه، ويبحث عنه ولكن بدون جدوى. وترتبط البطالة بالأشخاص الذينَ لديهم الرغبة أو القدرة أو المؤهلات للقيام بوظيفة مدفوعة الأجر، وهم يندرجون تحت مسمّى القوى العاملة، ويُعدّ معدّل البطالة أكثر المقاييس شهرةً في سوق العمل، إذ تكمن أهميّته في عرضه للقوى العاملة المؤهلة للعمل، ولكونه مؤشّراً يدلّ على كفاءة وفعالية الاقتصاد في الدولة، ويصف مدى جودة أداء سوق العمل، حيث يعكس قدرة أو عدم قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل كافية للأشخاص المؤهلين للإنتاج أو الذين يرغبون في الحصول على وظيفة.
وفي لبنان، ترتفع معدلات البطالة في هذه المرحلة الزمنية إلى درجة غير مسبوقة، ما أدى إلى ارتفاع موجات الهجرة الشرعية وغير الشرعية باتجاه الدول الأوروبية والقارة الأمريكية، وإلى ارتفاع نسبة الجرائم وعمليات السلب والسرقة والاعتداء والقتل والخطف، حيث يجد العاطلون عن العمل أنفسهم في وضع غير مستقر اقتصاديًا، ويفتقرون إلى دخل ثابت، ويعانون غالبًا من التوتر والضغوط النفسية نتيجة لعدم القدرة على تأمين احتياجاتهم المالية الأساسية. وتختلف فترات البطالة بين الأفراد، حيث يمكن أن تكون قصيرة المدى أو طويلة المدى.
وفي هذا السياق، أشار تقرير «التشغيل والآفاق الاجتماعية في الدول العربية-اتجاهات 2024» الصادر عن منظمة العمل الدولية، إلى أن نصف البطالة المسجّلة في لبنان هي بطالة طويلة الأمد، أي أنها مرتبطة بانكماش مذهل في الناتج المحلي الإجمالي وبتقلص القطاعات وإقفال شركات ومؤسسات يصعب أن تفتح أبوابها مجدداً. بهذا المعنى، هؤلاء يعانون من بطالة مزمنة، ستثقل كاهل الاقتصاد والمجتمع لفترة زمنية طويلة.
ويؤكد التقرير على أن الحد الأدنى لمعدل البطالة العام في لبنان بلغ أكثر من 29.6 في المئة مقارنة مع 11.4 في المئة بين عامَي 2018 و2019 واعتبرها «زيادة خطيرة ومقلقة». لكن الأخطر هو ما أشار إليه التقرير لجهة كون 48.9 في المئة من العاطلين من العمل في لبنان يندرجون تحت خانة «البطالة الطويلة الأمد» أي أنهم لن يعانوا فقط من انعدام الاستقرار المالي، بل أيضاً من فقدان المهارات والقدرة على العمل، وهذا ما يقلّل احتمالات إعادة دمجهم في النشاط الاقتصادي وعودتهم إلى العمل.

400 ألف عاطل عن العمل

لبنان الذي لطالما كانت نسبة البطالة فيه قبل الأزمة الحالية غير مقلقة كثيراً، تصل اليوم تلك النسبة ما بين 30 و60 في المئة حسب الشريحة العمرية، (أي نحو 400 ألف عاطل عن العمل) وهي أعلى نسب مقلقة من الممكن أن يعاني منها أي بلد.
أما أسباب ارتفاع البطالة هذه فكثيرة، تبدأ بالأزمة الاقتصادية وإقفال المؤسسات التجارية والاقتصادية، وإلى الانهيار المتزايد للعملة الوطنية، والتضخم الذي حصل في لبنان حيث تصدر هذا البلد، قائمة الدول الأعلى تضخماً في العالم على صعيد المواد الغذائية خصوصاً. هذه المشهدية يتحدث عنها الخبير والمتخصص في التنمية والملتحق حالياً بشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية أديب نعمة، الذي حذر من ارتفاع نسبة البطالة إلى معدلات خطيرة وغير مسبوقة.
وما ضاعف من تعقيدات الأزمة، الحديث عن احتمالات توسيع حرب الاستنزاف بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، إلى حرب تدميرية واسعة تطال كافة المناطق اللبنانية، بالإضافة إلى التهويل الحاصل اليوم عن انفلات الأوضاع الأمنية الداخلية سواء مع النازحين السوريين أو بين المسلحين اللبنانيين أنفسهم، واحتمال العودة إلى الفوضى العسكرية والاشتباكات المحلية.

الشباب خارج سوق العمل

حسب إحصاءات رسمية وغير رسمية نشرت في بيروت، فقد أقفلت منذ نهاية العام 2019 أكثر من 12 ألف مؤسسة تجارية بأحجام مختلفة، وارتفعت نسبة البطالة إلى معدلات غير مسبوقة في تاريخ لبنان المعاصر، وتركزت البطالة بشكل خاص في أوساط الشباب والخريجين الجامعيين الجدد والشباب القادرين على الإنتاج والعمل.
وبالتالي فإن عدد العاطلين عن العمل في لبنان استنادا لتقارير المنظمات والمؤسسات الحكومية يتراوح بين 400 و455 ألف لبناني ولبنانية.
ولا تقتصر خطورة البطالة المزمنة على العدد الكبير للعاطلين عن العمل، إنما يصبح الأمر مقلقاً أكثر عندما يتبيّن أن معدلات البطالة بين الشباب في لبنان بلغت 47.8 في المئة، وأن 26.1 في المئة من هؤلاء الشباب هم خارج سوق العمل وخارج مجال التعليم والتدريب. وهذا الأمر يمثّل دافعاً أساسياً للهجرة، فتقرير منظمة العمل الدولية يكشف أن الرغبة في الهجرة من لبنان وصلت إلى مستوى قياسي بعد الأزمة، إذ أعرب 63 في المئة من المشاركين في الاستطلاع الذي نفذته منظمة العمل الدولية، عن رغبة قوية في المغادرة بشكل دائم، مقارنة مع 26 في المئة قبل الأزمة.
ولابد هنا من الإشارة، إلى أن هجرة اللبنانيين إلى الخارج، تشكّل مصدراً أساسياً للتحويلات النقدية من المغتربين إلى الأسر المقيمة في لبنان. وحسب التقرير، فإن هذه التحويلات شكّلت 37.8 في المئة من الناتج المحلي عام 2023 وأنها أعلى نسبة تحويلات من الناتج في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي تحتلّ المرتبة الثالثة على مستوى العالم. وفي هذا السياق، لن يتسنّى للجميع الهجرة، لذا يستند التقرير إلى استطلاع أجرته مؤسّسة غالوب وقد ورد فيه أن 85 في المئة من اللبنانيين يكافحون من أجل تلبية احتياجاتهم المالية، بينما وصف 62 في المئة وضعهم المالي بأنه صعب للغاية، فيما كانت نسبة من يواجهون صعوبات مالية 32 في المئة عام 2019.

أزمة اللاجئين

وقامت منظمة العمل الدولية بتقييم النشاط غير الرسمي ووجدت أن 95 في المئة من العمال السوريين و94 في المئة من العمال الفلسطينيين غير مصرّح عنهم، أي يعملون بشكل غير رسمي. والعمل غير النظامي يعني أن هامش الاستغلال يتوسع. كما سلطت المنظمة الدولية، الضوء على أزمة اللاجئين، «والتي تشكل تحدياً كبيراً لأسواق العمل في لبنان» حيث يستضيف لبنان أكبر عدد من اللاجئين السوريين بالنسبة لعدد السكان في العالم، ويواجه اللاجئون صعوبات في العثور على وظائف في لبنان، حيث يتنافسون مع السكان المحليين على العمل، ويلجأ العديد منهم إلى العمل بشكل غير نظامي.
كما تنضمّ أزمة النزوح داخل الدولة الواحدة، إلى العوامل التي تساهم في رفع نسبة البطالة، لأنّ تصاعد حالات النزوح الداخلي الناجمة عن الصراعات والعنف والكوارث الطبيعية في لبنان مثيرة للقلق، فبعد اندلاع حرب الاستنزاف بين حزب الله والجيش الإسرائيلي في 8 تشرين الأول/اكتوبر 2023 نزح أكثر من 82 ألف مواطن لبناني من قرى الشريط الحدودي، وتمركزت غالبيتهم في مدن وقرى لبنانية أخرى، أو في المناطق والأحياء المحيطة بالعاصمة أو داخلها. وتحذر المنظمات والمؤسسات الشبابية والنقابية من ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وتناشد المعنيين، البدء في معالجة البطالة في لبنان كون العمل يوفر للأفراد دخلاً منتظماً وفرصاً للتقدم والتطوير الشخصي، كما يعزز النمو الاقتصادي والثقة في المستقبل والشعور بالانتماء إلى المجتمع، ويحد من خسارة الرأسمال البشري الكفؤ.
وفي ظلّ النفق الاقتصادي المعتم في لبنان، تبرز جهود لجمعيات ومنظمات غير حكومية تهدف إلى تمكين الشباب ومساعدتهم على إيجاد فرص عمل، وتساعد طلاب المدارس والجامعات، وتوجههم نحو أكثر الاختصاصات طلباً في سوق العمل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية