لمياء المقدمزرت تونس الصيف الماضي كعادتي كل عام تقريبا، وأثناء تجوالي في أحد الشوارع الكبرى في مدينة سوسة السياحية برفقة طفلي وبينما نحن نتملى منظر البحر الأزرق الجميل ونستنشق هواءه أحسسنا برذاذ خفيف يغطي وجوهنا وأذرعنا وأعناقنا. طفلي الذي لم يكمل العقد الأول من عمره التفت إلي مستفسرا عن مصدر الرذاذ. فليس من المعقول ان يكون قادما من بحر ساكن على بعد 150 مترا. لوهلة فكرت أن اخبره حقيقة ما حصل للتو وأنا بالكاد استوعبه، في الوقت الذي كانت عيناي تلاحق السيارة التي عبرت مسرعة بمحاذاتنا في محاولة يائسة لتبين ملامح راكبها وهو يرتد برأسه إلى الداخل. عدلت سريعا عن الفكرة لما قد يكون لها من تأثير على مستقبل علاقته بوطن أمه الحبيب المحرر أخيرا من قبضة الدكتاتور، ووجدتي أقول وانا أنظر في حركة مسرحية إلى سماء صافية كالبلور متلقية أشعة الشمس الحارقة مباشرة في عيني: ‘يبدو أنها ستمطر’.لماذا يقوم أحدهم بالبصاق على أم مع أطفالها في شارع عمومي والحال أنني لم أكن أرتدي ملابس مثيرة ولا أضع مساحيق على وجهي وكل ما كنت ألبسه في تلك اللحظة هو بنطلون جينز وتي شيرت أبيض عادي بنصف كم؟ وكيف يتجرأ شخص مهما كانت انتماءاته الفكرية والإيديولوجية على البصاق على أم أمام أطفالها لمجرد أنها تلبس جينزا ضيقا؟ من هؤلاء؟ ماذا يجري في تونس؟ لست في حاجة لمن يذكرني أنها قلة من المتعصبين والشواذ المحسوبين على التيار الإسلامي وتصرفاتهم فردية لا تتجاوزهم، فهذا لا يشك فيه أحد، لكن الخطير في الأمر هو أن هذه السيارة التي تعبر هذا الشارع بالذات وفي مثل هذا الوقت بالذات وبالنية ذاتها تعرف تماما هدفها وحجم المكسب الذي تسعى إليه. فبصقة واحدة على امرأة واحدة كافية لردع وترهيب آلاف النساء وإبقائهن في البيت مخافة ما قد يتعرضن له خلال نزهة صيفية صغيرة. ولو حالف الحظ أصحابها وأصابت البصقة إحدى السائحات فإن السياحة ستتعطل والبارات ستغلق والخمور ستختفي وتختفي معها الآثام والمعاصي من البلاد برمتها.يوم سقط الدكتاتور قلت لابني وأنا أنظر عميقا في عينيه: ‘لا تنس هذا اليوم’ وعرفت من نظرته وحركة رأسه أنه فهم أن أمرا جللا حدث للتو في مسقط رأس أمه سيغير مجرى التاريخ، لكنه ظل لأشهر طويلة يتساءل عن معنى سقوط الدكتاتور وان كان سيتهشم وهو يسقط وهل هناك خطر على المباني والعمارات والسيارات من سقوطه. سيتهمنا البعض أننا نشوه صورة تونس من خلال هذه المقالات، وان الفكرة التي نعطيها عن واقع الحال فيها من المغالاة الكثير، والحقيقة أنني ترددت كثيرا في الكتابة عن هذه الحادثة وربما لم أكن لأفعل لو تعلق الأمر بي وحدي فانا ابنة هذا البلد ويمكنني ان أتقبل لعاب التونسي على وجهي وحتى برازه مقابل أن يظل هذا الوطن بخير، لكن الأذى هذه المرة لحق طفلي الصغير الذي كان يلف رأسه يمينا وشمالا فوق البنايات وبين الشوارع وتحت السيارات في محاولة للعثور على ملامح سقوط الدكتاتور أو أي شقفة متبقية منه على الأرض.