انها عملية ‘أجاكس’ في سورية

حجم الخط
0

نضال معروف يتردد سؤال ملحّ هذه الأيام عن قطعة الدومينو التالية التي ستهوي بعد مصر وتونس وليبيا والبحرين واليمن.. وسورية من بين الدول التي يتردد السؤال عن احتمال تلقيها الصدمة الارتدادية التي وجه سؤال مباشر لرئيسها عبر ‘الوول ستريت جورنال’ مؤخرا ان كانت سورية محصنة من العدوى (عدوى انفلونزا الثورات الشعبية).. ويحاول البعض باستماتة ومن دون كلل البحث عن أية مؤشرات أو محرضات تطلق ثورة سورية ثقيلة من عيار الثورة المصرية والتونسية.

وتستغل كل القوى والأطراف هذه الفترة لكيل النصائح للقياديين السوريين لكتابة ‘رسائل الغفران’ وطلبها من الشعب.. وفي نسيج بعض هذه الرسائل كثير خوف على سورية، وفي بعضها خشية على الانجاز الوطني السوري في المنطقة، بعد ثباته في وجه أعتى عاصفة سياسية بعد سقوط العراق، من تبعثره جراء التقاط الشارع السوري لاشارات خاطئة تحركه في اتجاه خاطئ وفي زمن قاتل.. ولاشك أن في هذه الدعوات كثيرا من قماش وطني وصادق، ولكن في الكثير منها أيضا الانتهازية السياسية واستغلال عذابات الآخرين، فتخلط الوطني بالشخصي وتخلط الحقائق بالمبالغات فتفرغ أية رسالة ونصيحة من معناها حتى تصبح هذه الرسائل مصدرا لتشويش القارئ ورجل الشارع. وذكرتني هذه الموجة من الرسائل الطائرة الى القيادة السورية بتلك الموجة التي أطلقتها ‘ليلة سقوط بغداد’ من نصائح أحمد الجار الله للرئيس الاسد بالاستسلام للغزو الامريكي، ومن بعض المعارضين السوريين، حيث بدا لبعضهم أن النموذج العراقي جذاب ومضمون النتائج في سحق ‘الأنظمة الديكتاتورية’، الى أن تبين حجم الكارثة والدم الذي تورطت فيه المعارضة العراقية.. انه باختصار دم كل العراق.

وقد اطلعت على العديد من الكتابات والبيانات والمقالات مؤخرا، ومن بينها مقالة الأستاذ عبد الباري عطوان (سورية وعود ومجازر) المعروف بوطنيته وحبه ودفاعه عن المقاومين، فوجدت أن الأستاذ عطوان رأى ما تعرضه الشاشات والفضائيات بألم، لكن لم يتمكن حدسه السياسي الرفيع من التقاط الاشارات الخفية في اللوحة السورية، ولم تلتقط راداراته الوطنية التسلل والانزال ‘الغربي’ خلف خطوط معاناة السوريين ومطالبهم الاصلاحية. لنتفق أولا أننا لا ندافع عن نظام، بل لا يعنينا هذا النظام بذاته.. لكننا كسوريين انما ندافع ‘عنا’ أي عن أنفسنا، وندافع ‘عنها’ أي عن سورية.. ولنتفق ايضا أن لكل منا وجهة نظر يجب عدم الباسها ثوب الخيانة والعمالة للنظام أو للمتآمرين على النظام ـ كما درجت العادة ـ لأننا لسنا في ميدان التحرير بالقاهرة، حيث البلطجية والأزلام يستقتلون لحماية النظام بركوب الجمال والخيول ويمسكون العصي والنبابيت ويرمون قنابل المولوتوف محولين أجواء ثورة نبيلة الى أجواء رواية ‘أبناء حارتنا’ وفتوّاتها لنجيب محفوظ.. بل هذا ميدان حر مستقل لقول ما نريد من دون خوف أو وصاية.

النظام في سورية ليس نظاما عاديا، بل هو نظام استثنائي فهو خليط من وطنية وعنفوان وقومية، لكنه مسكون بهاجس الأمن والاختراقات الأمنية، بعد سلسلة طويلة من الاهتزازات العنيفة التي عرفها السوريون بعد الاستقلال، وبعد أن انتقلت معارك التحدي والخلافات الايديولوجية مع الجوار العربي الى معارك كسر عظم في الداخل السوري، أدت في ما أدت الى ارتقاء هاجس الاستقرار الأمني الى أرفع المراتب في السياسات الداخلية على مدى عقدي الثمانينات والتسعينات. والثورة التي أطاحت بالتباين الطبقي لمصلحة الفقراء عام 1963 أعادت انتاج التباين الطبقي عبر ارتدادها عن شعارات الاشتراكية بعد انهيار التجربة الاشتراكية، والسماح للبورجوازية الوطنية التقليدية و(أو) الوليدة بالعودة التدريجية لتقود الفعاليات الاقتصادية للمجتمع، ولتبدأ بازاحة التأميم ببطء عبر عملية معاكسة تماما هي الخصخصة.

وهناك انتقادات لوجود حزب واحد في السلطة منذ عقود، وهناك شكوك حول مدى الديمقراطية المتاحة في المؤسسات، الى جانب ما يقال عن ملف الحريات وحقوق الانسان والاحزاب وحرية التعبير والفساد.. ناهيك عن الصدأ الذي ينتشر في أجهزة الدولة واداراتها والبيروقراطية المريرة في بنيان الدولة السورية، مثله في ذلك مثل الفساد في كل الدول العربية باعتراف الرئيس الاسد نفسه في غير مرة وتنويهه بأنه يريد ارساء اصلاحات ضرورية وتجفيف منابع الفساد.. وهذه هي المحركات القوية النفاثة التي دفعت التحرك الشعبي في مصر، والتي دفعت بمحركات الثورة قبلها في تونس. لكن ورغم كل الاصرار على عفوية التحرك الجماهيري في سورية فان من الواجب تلمس الجهد الخارجي في تأجيجها واستغلال التعاطف معها، كما فعلت وكالة المخابرات المركزية الامريكية لاسقاط نظام مصدق الوطني في ايران عام 1953، والتي اطلقت عليها عملية ‘أجاكس’ الشهيرة بإخراج ‘تظاهرات معادية’ لمصدق في وسائل الإعلام الإيرانية والدولية. كما أوعز روزفلت إلى كبير زعران طهران وقتذاك شعبان جعفري بالسيطرة على الشارع، وإطلاق الهتافات الرخيصة التي تحط من هيبة مصدق؛ بالتوازي مع اغتيال القيادات التاريخية للجبهة الوطنية التي شكلها، مثل الدكتور حسين فاطمي الذي اغتيل بالشارع في وضح النهار. حوكم مصدق أمام محكمة صورية استفاض بعدها محاميه جليل بزركمهر في كشف أنها لم تكن تتمتع بالحد الأدنى من شروط الحيادية. حَكَمَ نظام الشاه على الدكتور مصدق بالإعدام، ثم خفف الحكم لاحقاً إلى سجن انفرادي لثلاث سنوات؛ ومن ثم إقامة جبرية لمدى الحياة في قرية أحمد آباد ليترك الدكتور مصدق نهبا لذكرياته.

اليوم يهمس البعض بعملية ‘أجاكس سورية’ لم تكشف خيوطها بعد وعن تنسيق بين التناقضات السورية الثلاثة المجتمعة على هدف واحد وهو السلطة فقط، وهذه الاطراف هي مجموعة عبد الحليم خدام (على ضآلتها) ومجموعة رفعت الاسد (وهي ممجوجة على العموم) وأخيرا الاخوان المسلمون (وقد فقدوا الكثير من مصداقيتهم مؤخرا) وهذه الأطراف يجمعها أيضا تاريخ من العداء المتبادل الى حد الموت، لكنها قررت التقاط اللحظة مؤقتا قبل استكمال تصفية حساباتها. وهناك همس كثير عن استئناف مجموعة الحريري وفريق 14 آذار (وهم في السابق مساندون وحلفاء للثلاثي السوري المعارض آنف الذكر) مابدؤوه من تحريض لقلب نظام الحكم انطلاقا من لبنان عام 2005، وهذه أيضا تريد استئناف المعركة مع الخصم السوري العنيد الذي أذلها وبدد مكاسبها بشكل مذهل.. ورغم الهدوء في العلاقة مع السعودية فان الحركة الاعلامية لمؤسسات المملكة تشي بأنها ميالة لتحريض المزيد من العنف في سورية، عبر التركيز على الخطاب الطائفي وتصوير القتلة في شوارع درعا على أنهم حرس ثوري لايران أو من حزب الله في تشويه رخيص لبريق المقاومة وتلطيخ سمعتها لتصورها على أنها عصابة مأجورة من القتلة تعمل على دعم الحكومات ذات الطابع غير السني، بل ان أحد المواقع السورية المعارضة أشاع قبل أسابيع من اندلاع الاحتجاج في سورية بأن تعليمات ايرانية صدرت الى حزب الله بتكليفه بتأمين حماية نظام الحكم في سورية. وجميع هذه الأطراف لها اتصالات علنية مع منسقي السياسة الامريكية بالشرق الاوسط الذين يتحركون وفق نصائح مراكز الابحاث ومعاهد السياسة الدولية الأمريكية التي تخدم الأجندة الأمريكية.

من يتابع الأحداث يدرك أن ما يحدث بغض النظر عن كونه مطالب شعبية فانه شبيه بالسيناريو الذي أريد اطلاقه بعد اغتيال الحريري عبر موجة تظاهرات تنطلق من لبنان لتصل موجة التسونامي من لبنان الى الداخل السوري، بعد اظهار الأسد المنسحب من لبنان كسيرا ذليلا أمام شعبه.. بل واظهاره أيضا على أنه قاتل للحريري من دون أدنى شك عبر حملة كذب كثيف جعلت معظم الناس مقتنعة بذلك لبعض الوقت، لكن خطأ المنظمين عام 2005 كان في استفزاز مشاعر الشعب السوري عبر اذلاله في لبنان وقتل عماله الأبرياء بالمئات في شوارع لبنان، فالتف السوريون حول حكومتهم في رد فعل عفوي قوي. وما يحدث اليوم هو تكرار لسيناريو لبنان انما من الداخل السوري عبر اطلاق عملية ‘أجاكس’ برعاية غربية للاستفادة من لحظة تاريخية عاطفية صنعتها انجازات تونس ومصر.. وهذه لحظة وفرصة لا تفوت، لان الشعارات الآن ليست ضد الشعب السوري وليست ضد العمال السوريين، بل هي من أجل الشعب السوري وفقرائه الذين يذوقون الأمرين من الفاسدين وقلة ‘حقوق الانسان’، وهي شعارات جذابة للعاطلين عن العمل والفقراء، في ظل أداء حكومي ضعيف لحل المشكلات الاجتماعية والتواصل مع الناس.

سبب استهداف سورية يكمن في الانجاز السياسي الخارجي للدولة السورية، فالسوريون في غالبيتهم ينظرون بعين الارتياح للطريقة التي تعاملت بها قيادتهم مع الخطر الخارجي العنيف، الذي هدد بلادهم مباشرة بعد هزيمة العراق المنكرة، ووقفت على حدودهم طموحات المحافظين الجدد بنفاد صبر.. ولا شك أن البراعة في تحويل اتجاه تسونامي السيناريو اللبناني مرتين ليصب في المصلحة السورية لاقى التقدير والاعجاب، لكن ما من شك أن تثبيت المقاومة اللبنانية والفلسطينية في حربين عنيفتين مدمرتين كان له أكبر الأثر في رفع رصيد السياسي السوري لدى جمهوره الداخلي، الى جانب اندفاعة ناجحة للقاء الموجة التركية الاسلامية وربطها مع الموجة الايرانية، والتحرك الأوسع لما بات يعرف بنظرية ربط البحار الأربعة التي للدبلوماسية السورية نصيب كبير فيها. ولعله النظام العربي الوحيد الذي قررت قوى المعارضة الرئيسية فيه ايقاف نشاطها المعارض (ولو علنا فقط) تقديرا لموقفه المؤازر للمقاومة، في خطوة لافتة واشارة ذات مغزى كبير لما يعتبر موافقة واضحة وصريحة على رؤية موحدة ازاء قضية وطنية، وشد على اليد في حماية نهج المقاومة.

وسيكشف الزمن يوما عن المال والأشخاص الذين ينظمون ‘الأجاكس السورية’، وعن الاسم الحقيقي للعملية.. لكن ما سيحصل بعد انهيار هذه العملية أن عملية المصالحة مع أطياف المعارضة السورية ستنهار الى زمن غير محدود، ولن يحظى السوريون بالثقة بين السلطة والمعارضة أو أي محاولات تقارب بعد اليوم لانجاز مصالحة تاريخية كان الجميع يحلم بها ويتوقعها خلال السنوات القليلة القادمة. انه خطأ جسيم لن تشفى منه الذاكرة السورية، وما سيحصل أيضا أن مجموعة 14 آذار في لبنان والداعم السعودي سيتكرسون كأعداء مزمنين لا عهد لهم ولا ميثاق وسيستأنف الصراع، ولكن بعد أن ينتقل الجانب السوري من حالة المهادنة والمجاملة الى حالة الفظاظة السياسية مع من أرادوا اسقاط خياراته الوطنية بقتله من الداخل. الانجاز السياسي للرئيس بشار الاسد كان حصنه العالي الذي سيرفعه في وجه هذه ‘الأجاكس’، وأجد أنه موقف أخلاقي ونبيل أن نتذكر ما فعله لتحصين سورية عندما كادت حوافر جورج بوش الهائج تطحن دمشق كما طحنت بغداد، وعندما كادت الأكلة تتداعي الى فريستها السورية بسبب اغتيال الحريري. والجميع لا ينسى ما قدمه من مؤازرة للمقاومات في العراق ولبنان وفلسطين، عندما تخلى العالم عنها، وهذا ما أعطاني شعورا بالفخر بسوريتي… وأنا كشخص سوري أقترب من أي قائد من خلال ترموميتر اسمه ‘فلسطين’ أو ‘المقاومة’.. واقترابي من الرئيس الأسد هو بمقدار اقترابه من فلسطين والمقاومة… وعندما يبتعد الأسد عن فلسطين والمقاومة فستتهاوى علاقتنا به.. وهذا عقد بيننا وبينه. وهنا أختلف مع الأستاذ عطوان في أن نتجاهل فلسطين من أجل سورية.. لأن غياب الالتفات لفلسطين يعني أن ننسى بأنانية جزءا من شعبنا الذي سننسى كل خمسين عاما جزءا منه، وهذا ما تريده اسرائيل، أي رفع شعارات مثل ‘سورية أولا’ و’الأردن اولا’ و’مصر اولا’ … الخ.. كي تبقى فلسطين وحيدة وتصبح ‘اسرائيل أولا’ هي قاعدة التعاطي السياسي لشعوب المنطقة. ومع هذا فان من الأخلاقي ايضا أن ننتظر من هذا الرئيس الشاب الكثير، النظر في قضايا مؤجلة منذ زمن مثل عملية انهاض المؤسسات واطلاق تحديث شامل على عمل أجهزة الدولة والتحدث بصراحة عن مشكلات الماضي والمستقبل.. هناك الكثير من السوريين التواقين للحديث عن المستقبل مع الرئيس الاسد بمنتهى الصراحة والشفافية، بما له من رصيد وانجاز سياسي.. وكذلك على الرئيس الأسد أن يلتقط هذه اللحظة التاريخية لما لقيه من دعم الشعب السوري لمشروعه المقاوم والثابت والذي لولا الدعم الشعبي اللامتناهي ضد المشروع الأمريكي لما تمكن من تحقيق انجازه السياسي الكبير الذي يباهي به أمام زعماء المنطقة. ‘كاتب سوري مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية