انهيار أسعار الغاز المسال: الفرص والتحديات للدول العربية المصدرة

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

خلال الاسبوع الماضي هبطت أسعار الغاز المسال في أسواق الولايات المتحدة وشمال غرب أوروبا والشرق الأقصى إلى أقل مستويات من 25 عاما، حتى أن سوق الغاز الأمريكي سجلت 1.3 دولار للمليون وحدة حرارية، في حين أن أسواق أوروبا والشرق الأقصى تراجعت إلى هامش محدود فوق الدولارين، وهو ما يغطي بالكاد تكاليف استئجار ناقلات الغاز من محطات الإسالة في الدول المنتجة إلى مراكز التصدير الرئيسية. معدل الهبوط في أسعار الغاز المسال حتى الآن يترواح بين 50 إلى 60 في المئة منذ بداية العام الحالي، ولا تبدو في الأفق مؤشرات قوية على أن السوق قد تنتعش بما يرفع الأسعار إلى مستوياتها التي كانت قبل جائحة فيروس كورونا. وما تزال أسعار العقود الآجلة حتى اب/أغسطس تدور حول دولارين، لكنها ستبدأ في الارتفاع بعد ذلك حيث سجلت عقود الشرق الأقصى (اليابان وكوريا الجنوبية) 3 دولارات للمليون وحدة حرارية، وهو ما يقل بنسبة تتجاوز 30 في المئة عن أسعار شهر شباط/فبراير التي كانت قد وصلت إلى 4.4 دولار للمليون وحدة حرارية.

هذا المستوى المتدني لأسعار الغاز المسال يترك آثارا مالية قاسية على الدول العربية المنتجة للغاز المسال مثل قطر والجزائر والإمارات وسلطنة عمان ومصر. وقد اضطرت شركات الغاز الوطنية والأجنبية العاملة في هذه الدول، إلى تخفيض نشاطها، وتقليص استثماراتها بنسب تتراوح بين 30 إلى 50 في المئة وتأجيل مشاريع التوسع والإستثمارات الجديدة. بل إن مصر اضطرت إلى تخفيض الإنتاج، على الرغم من توفر الغاز ووجود طاقات عاطلة في محطات الإسالة، بسبب تدهور الأسعار العالمية إلى ما دون السعر المستهدف للتصدير والذي حددته مصر بخمسة دولارات على الأقل للمليون وحدة حرارية، وهو سعر يغطي بالكاد تكاليف استخراج الغاز التي تدفعها مصر للشركات الأجنبية. وحيث أن الأسعار الحالية والمتوقعة حتى نهاية العام الحالي تقل عن ذلك السعر، فإن مصر ستخسر في العام الحالي كل أو معظم الحصيلة المستهدفة من تصدير الغاز المسال، التي بلغت في العام الماضي حوالي 1240 مليون دولار حسب الإحصاءات الرسمية. ويقدر الاتحاد العالمي للغاز كمية صادرات مصر من الغاز المسال إلى الأسواق العالمية في عام 2019 بنحو 3.5 مليون طن بنسبة 1 في المئة من الصادرات العالمية، مقابل 1.4 مليون طن فقط في العالم 2018. وتمثل هذه الصادرات كلها أو النسبة الأعظم منها حصة الشريك الأجنبي.

مراجعة شاملة

في الجزائر قررت الحكومة تخفيض استثمارات سوناطراك في العام الحالي إلى 7 مليارات دولار مقابل 14 مليارا في العام الماضي. وقد احتلت الجزائر المركز السابع عالميا بين مصدري الغاز المسال في العالم، حيث صدرت ما يقرب من 16.6 مليون طن بما يزيد عن ضعف صادرات الإمارات من الغاز المسال التي بلغت 7.7 مليون طن.

وقد أعلنت شركات النفط والغاز المحلية والأجنبية العاملة في الإمارات منذ اذار/مارس الماضي تخفيضات في الإنفاق الإستثماري، بل إن بعضها مثل شركة إيني الإيطالية أعلنت أنها بدأت مراجعة شاملة لكل عملياتها في الشرق الأوسط، ومنها استثماراتها المشتركة مع شركاء محليين أو دوليين في الإمارات.

لكن الصورة تختلف في كل من سلطنة عمان وقطر عنها في بقية الدول العربية المصدرة للغاز، مع اختلاف الأسباب، حيث تتمتع قطر بفوائض مالية ضخمة وفرص هائلة وغير مكلفة للتوسع الاستثماري، في حين أن سلطنة عمان ترتبط بعقود تصدير طويلة الأجل تحميها إلى حد كبير من تقلبات السوق، كما تتمتع بطلب محلي قوي، يعزز من جدوى زيادة الاستثمارات.

في سلطنة عمان تستهدف شركة تنمية الغاز المسال زيادة استثماراتها من أجل زيادة الإنتاج في العام المقبل 2021 بنسبة 10 في المئة لمقابلة خطط التوسع في الصادرات في الأسواق الآسيوية الرئيسية مثل كوريا واليابان، والتوسع في الأسواق الأوروبية المتعطشة للغاز مثل تركيا. وقد سجل إنتاج الغاز المسال في عمان زيادات مستمرة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما ساعد على تغطية احتياجات الطلب المحلي المتزايد لتشغيل محطات الكهرباء، ويوفر في الوقت نفسه إمدادات كافية للتصدير. ونتيجة للتوسعات في الإنتاج فقد ارتفعت الصادرات في العام الماضي إلى 10.3 مليون طن ومن المستهدف أن تزيد إلى 11.4 مليون طن في العام المقبل 2021 حيث تقوم شركة بيكر هيوز الهندسية الأمريكية بأعمال تطوير قطاع الغاز المسال وفق خطة زمنية محددة. وترتبط عمان بعقود تصدير طويلة الأجل مع اليابان التي تحصل وحدها على 40 في المئة من الإنتاج، كما تشتري كوريا الجنوبية أكثر من 4 ملايين طن سنويا، وتحصل شركة بريتش بتروليوم على 1.1 مليون طن. وتواجه عمان طلبا محليا قويا على الغاز الطبيعي، مما يحفز الشركات على التوسع الاستثماري لزيادة القدر المتاح لإنتاج الغاز المسال؛ لأن البديل لذلك سيكون الإقتطاع من الغاز المسال المتاح للتصدير، وهو ما ليس في مصلحة عمان إذا كانت تريد زيادة حصتها في السوق العالمية والمحافظة على عقود التصدير طويلة الأجل في الأأسواق الخارجية، خصوصا وأن معادلة التسويق العمانية للغاز المسال تحرص على ألا تزيد نسبة التعامل في الأسواق الفورية عن 10 في المئة من الصادرات، وذلك لتجنب تقلبات الأسعار.

فتح أسواق جديدة

أما قطر فإنها اتجهت إلى توظيف نسبة من فوائضها المالية لزيادة طاقاتها الإنتاجية والتصديرية، لمساعدتها على مواجهة المنافسة الشرسة التي تخوضها ضد إستراليا، التي تطاردها للحصول على المركز الأول عالميا. وعلى الرغم من انخفاض إيرادات التصدير، وتخفيض الإنفاق الإستثماري لشركة قطر للبترول بنسبة 30 في المئة فإن هذا التخفيض لن يمس المشروعات التي قد تؤثر على الإنتاج أو التصدير أو التنمية المستقبلية. وتعتزم قطر المضي قدما في اتجاهين، الأول هو زيادة طاقة استخراج وإسالة الغاز الطبيعي، والإتجاه الثاني هو التوسع في تسهيلات النقل للمساعدة على الوصول إلى أسواق الصادرات الرئيسية في العالم، مع العمل على فتح أسواق جديدة.

وتتضمن هذه الإستراتيجية ضخ استثمارات جديدة لزيادة طاقة الإنتاج إلى 110 ملايين طن من الغاز المسال خلال السنوات الثلاث المقبلة، تزيد إلى 126 مليون طن بحلول عام 2027. وعلى الرغم من أن ظروف السوق الحالية أدت إلى إبطاء معدل تنفيذ الاستثمارات، فإن قطر استطاعت بالفعل أن تجذب قائمة تضم 6 من كبريات الشركات العالمية من بينها إكسون موبيل وشيفرون وكونوكو فيليبس، للمشاركة في تطوير الإنتاج في حقل الشمال العملاق وإنشاء محطتين جديدتين للغاز المسال.

وفي محور توسيع طاقة النقل اتجهت قطر مؤخرا إلى زيادة إسطول ناقلات الغاز المملوك لشركة ناقلات الغاز القطرية، بما يسمح لها بمرونة التحرك في البحار والمحيطات والوصول إلى أسواق العالم بسرعة وبأقل قدر من التكلفة. وفي هذا السياق تعاقدت مع كبريات ترسانات بناء السفن والناقلات العالمية في الصين وكوريا الجنوبية لبناء أسطول جديد متكامل من الناقلات العملاقة الأحدث في العالم، يفوق كل ما تملكه قطر حاليا من ناقلات للغاز كما وكيفا. ففي نيسان/إبريل من العام الحالي تعاقدت مع إحدى الشركات الصينية بقيمة 3 مليارات دولار لبناء ناقلات للغاز من الجيل الرابع بالمواصفات الأحدث في العالم تتمتع بقدرات التخزين العائم والتغييز، أي تحويل المخزون السائل إلى غاز. وبعد ذلك بعدة أسابيع وقعت أكبر عقد في تاريخ صناعة بناء ناقلات الغاز مع مجموعة من الشركات الكورية العملاقة “دايو وهيونداي وسامسونغ” لبناء 100 ناقلة غاز حديثة يبلغ متوسط سعر الواحدة 192 مليون دولار.

وعلى ذلك فإن قطر التي تستحوذ حاليا على 12 في المئة من أسطول ناقلات الغاز في العالم، ستضاعف عدد الناقلات المملوكة لها بحلول العام 2027 من 74 ناقلة حاليا إلى 190 ناقلة بزيادة نسبتها 155 في المئة. وقد بادرت قطر بالتعاقد على بناء هذه الناقلات في وقت تشهد فيه صناعة الناقلات ركودا عالميا بسبب نقص الطلب وتراجع الاستثمارات، وهو ما ساعدها على تحقيق وفورات كبيرة جدا في قيمة التعاقدات مع الشركات الكورية والصينية. هذا التوسع الضخم في القدرة على نقل الغاز بناقلات وطنية يسمح لقطر بالتحكم في جداول تسيير الناقلات وتكلفة النقل وسهولة الوصول إلى الأسواق المختلفة، بما يخلق استراتيجية مدمجة للاستخراج والإسالة والتسويق.

وعلى الرغم من أن المستوى الحالي للاسعار في أسواق الغاز المسال ليس مشجعا على زيادة الاستثمارات بشكل عام، فإن الدول التي تتمتع بفوائض مالية كافية، وبعقود طويلة الأجل قوية تستطيع توظيف المزيد من الاستثمارات بدون قلق، لأنها تستطيع الحصول على أفضلية سعرية في التعامل مع الشركات المنفذة للتوسعات الاستثمارية، بما يساعدها على الاستجابة بسرعة لزيادة الطلب عندما يعود الاقتصاد العالمي إلى النمو بنسبة أكبر في العام المقبل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية