انهيار الاتحاد السوفييتي والتحوّل الكبير في السياسة الامريكية وحرب العراق أزاحت عن ظهر اسرائيل تهديدات دمشق وبغداد
تل ابيب ستصل الي حل للحدود النهائية وتنسحب من الضفة بعد ان تدفع ثمنا باهظا جداانهيار الاتحاد السوفييتي والتحوّل الكبير في السياسة الامريكية وحرب العراق أزاحت عن ظهر اسرائيل تهديدات دمشق وبغداد خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، وقعت أحداث كبيرة، كان من بينها وقوع اربعة أحداث بالغة الأهمية من الناحية الاستراتيجية، والتي كانت سببا في تحسين وضعنا السياسي ـ الأمني بصورة كبيرة. عاملان أساسيان من العوامل التي مُنحت لنا وكأنها هدية ، منحتنا إياها عوامل خارجية وهما: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وعاملان ثانويان آخران، حدثا بفضل مبادرتنا دون انتظار من أحد، وهي لم تكن أكثر من تصحيح لأخطاء تاريخية سابقة كانت اسرائيل قد ارتكبتها في الماضي ودون ضغط من أحد.التحول والخطوة الاولي الاستراتيجية الهامة التي حدثت تمثلت في تفكيك الاتحاد السوفييتي، والتي انعكس عنها ـ بصورة فورية ـ تقليل وتراجع الخطر العسكري القادم من سورية، والتي كانت عبارة عن محطة مراقبة وفحص للقدرة العسكرية السوفييتية غير المحدودة في المنطقة، وعادت بفضل ذلك الي دولة بأبعادها وقدراتها الطبيعية المناسبة لها، بل دولة فقيرة وضعيفة. وزيادة علي ذلك تسبب ذلك بهجرة نحو مليون يهودي جديد الي اسرائيل غالبيتهم من الناشطين والمثقفين والذين كان لهجرتهم الي اسرائيل أثر كبير في تغيير وجه وقدرة الدولة الاجتماعي والاقتصادي الي حد كبير.العامل الثاني المهم جدا جري تنفيذه علي أيدي المقاول المناوب الأهم والأفضل، الذي كانت اسرائيل لا تتوقع مثله حتي ولا في أحلامها، والذي حدث في الولايات المتحدة الامريكية، الذي كان مبرره تلك الكارثة التي ضربتها والتي تمثلت بالعملية الدموية في أبراج التوائم في نيويورك، وبعد ذلك أسرعت الولايات المتحدة لتثبت للعالم ولاسرائيل (التي كانت تؤكد وتروج ذلك) بأنه توجد دولة في العالم اسمها العراق تشكل خطرا علي وجود وأمن العالم، ويجب العمل ضدها، مما يعني وجود القوة التي كنا نوظف من اجلها الكثير من الموارد لمحاربتها دون أن يكلفنا ذلك أي شيء بعد الآن.هذه العوامل الاستراتيجية الخارجية البالغة الأهمية التي حدثت (تفكيك الاتحاد السوفييتي ونظرية الأمن الامريكية الجديدة) كانت سببا في إزالة تهديدات استراتيجية علي وجود اسرائيل، وهي أبقت لنا ايران فقط، ومن الطبيعي أن من السهل التعامل مع تهديد محدد ومعروف من التعامل مع باقة من التهديدات المتنوعة والمتعددة الاشكال والمصارد.حتي الآن تحدثنا بالنسبة للاستراتيجيات التي لم تتم بلورتها علي أيدي اسرائيل. أما بالنسبة للاستراتيجيات التي تبلورت علي يد اسرائيل: فاذا وجهنا السؤال اللازم بخصوص هذه العوامل الاستراتيجية المحلية المهمة، ووجهناه الي رؤساء الحكومات السابقة، وبالتحديد لكل من ايهود باراك من العمل وارييل شارون من الليكود، وقلنا لهما: ما هي العملية الاستراتيجية الأكثر أهمية التي قامت بها اسرائيل في هذه السنوات الأخيرة؟ فان الاجابة ستكون (وبسرعة): الخروج من لبنان/ غزة. كل واحد ستكون إجابته حول ما نفذه شخصيا.وبكلمات اخري: أي الخروج من اماكن لم يكن من الضروري أن نتواجد فيها أصلا، وحتي لو كان من المهم التواجد فيها، فهذا ربما كان ضروريا لبعض الوقت وليس لسنوات طويلة، كما فعلت اسرائيل. ولكن، متي قامت اسرائيل بترك هذه المناطق والخروج منها. في كلتا الحالتين، فانها لم تفعل ذلك إلا بعد أن تأكدت ـ بسبب وجودها الطويل ـ من بروز وتعاظم المتطرفين فيها، وبعد أن كلفنا التواجد هناك الآلاف من القتلي والجرحي الذين شكلوا ثمنا لهذا الوجود (الطويل) غير المطلوب، وايضا بعد أن وظفنا وخسرنا عشرات المليارات من الشيكلات لتغطية هذا التواجد والانفاق عليه، والأهم من ذلك، بعد أن أفهمنا الأعداء وعلمناهم الدرس المهم وهو أنه بالقوة والدماء يمكن إجبار اسرائيل علي تغيير استراتيجيتها .الاستراتيجية التي تبنتها اسرائيل واتخذتها سياسة ثابتة طوال سنين عديدة، تمكنت من بلورة صياغات واعتبارات من نوع الوقت يعمل لصالحنا و سوف نضع نظاما جديدا في لبنان . فمن الاستراتيجيات الخاصة بنا، التي قامت علي أسس من قلة المعرفة والفهم ـ يتعادل مع قلة فهم زعماء دولتنا ـ استراتيجيات يمكن وصفها بأنها عادت الي الوراء وتحولت بنسبة 180 درجة، وذلك علي نحو اضطراري وإجباري ومن غير خيار، أما الخطوات الاستراتيجية الاخري التي اتخذتها اسرائيل (والأساسية التي اضطرت لها) فقد كانت انعكاسا واضحا للتغيرات الاستراتيجية الهامة التي حصلت في الخارج وأثرت كثيرا علي اسرائيل دون أن تكون لنا يد فيها ولا في توقيتها أو اسبابها، مع أن اسرائيل من أكبر المستفيدين من حدوثها.والسؤال الذي يطرح الآن: ماذا كان يمكن أن يبلغ ثمن تلك الأخطاء لو لم تُصحح متأخرة؟ هل كان يمكن للآلاف الذين وقعوا بين جرحي وقتلي في لبنان ثمنا لوجودنا هناك، هل يمكن أن تكون بضع مئات فقط؟ وهل كانت ستنحصر في مئات في غزة ايضا بدلا من الآلاف لو كان القرار قبل ذلك؟.استنتاج محتمل هو الذي نتحدث عنه: هذا هو الوضع الممكن اذا كنا في نهاية الأمر سنترك (ننسحب) من غالبية المناطق في الضفة الغربية وبنفس الطريقة، انسحابا أحادي الجانب، ودون تنسيق مع أحد، لكن ذلك سيكون بعد أن ندفع ثمنا باهظا قد يصل الي ألفين من القتلي والجرحي، بعد ذلك فقط نسير نحو الحدود النهائية التي يجب أن نتواجد عليها، وبما في ذلك اقتسام مدينة القدس .دون دفع هذا الثمن الباهظ والمكلف، فان اسرائيل لن تُقدِم علي اخلاء الضفة الغربية والانسحاب منها، مع أن قسما لا يستهان به من زعماء اسرائيل السياسيين سيواصلون التقدم والارتفاع علي ظهر الشعار القديم إن اسرائيل لا يمكنها تقسيم القدس مرة اخري أو السماح بذلك.يمكن لنا، ولو لمرة واحدة كنوع من التغيير، أن نبادر نحن الي مثل هذه الخطوات، لا أن ننجر اليها ونكون مرغمين علي اتخاذها، مع أننا ايضا هذه المرة لن نختلف عن ذي قبل، وسيكون الحديث عن تصحيح للاوضاع التي كانت خطأ، وأننا نقوم باصلاح أخطاء تاريخية قديمة كنا قد ارتكبناها بأيدينا.أمير زيف ـ آبدكتور مختص في اتخاذ القرارات(معاريف) 22/1/2006