روبيك روزنطالهذا الاسبوع حل يوم الذكرى الثلاثين لاندلاع حرب لبنان. بالنسبة لاكثر من نصف مواطني الدولة، حرب لبنان هي جزء من التاريخ البعيد، وهي تختلط بالحروب التي سبقتها. حرب لبنان الثانية اعادت الاولى الى لحظة الحاضر، ولكن هذه الحرب ايضا يفضل الناس كبتها. وبالذات هذه المسافة تسمح بالنظر الى حرب لبنان الاولى والفهم ما الذي يمكن أخذه منها للاجيال القادمة. للبنان مكانة خاصة في منظومتنا الاستراتيجية كـ ‘دولة محوطة بالاعداء’. الى جانب دولة حماس في قطاع غزة، لبنان هي الدولة الوحيدة التي يمكنها أن تخلق تهديدا عسكريا قريبا من طول الحدود والتهديد على البلدات الاسرائيلية. من جهة اخرى، فانه كان يعتبر دوما الدولة الاكثر هشاشة من بين الدول العربية، وذلك لان الحكم المركزي فيها منقسم ومتنازع. امكانية الدخول اليها، ‘لفرض النظام’، وتنظيفها من الاسلحة وضرب المنظومة العسكرية المنتشرة فيها بدت دوما امكانية عملية ومغرية. ولهذا السبب بالذات ادخل لبنان الى وعي مصممي السياسة الاسرائيلية ووعي المواطنين عدة حقائق بالطريق الصعب. الحقيقة المركزية، التي يبدو أنه لم يعد يوجد حولها جدال جماهيري، هي مفهوم ‘النظام الجديد’. هذا المفهوم من خلال الغزو كان الدافع الحقيقي للدخول الى لبنان في 1982، غير أن هذه الفكرة مشوهة من اساسها. فلكل بلاد عربية آلية داخلية لمنظومات الحكم وتوازنات القوى، وبشكل عام تكمن في الصراعات بين الطوائف والايديولوجيات. فكرة انه ممكن التأثير على هذا النسيج من خلال خطوة عسكرية هو غرور لا يطاق، يعتمد على الايمان شبه الصوفي بالقوة العسكرية. بشكل عام القوة العسكرية تحقق العكس: فهي تعزز القوى الاكثر عداءً لاسرائيل. في لبنان، لسبب ما، ساد الرأي بان الامر ممكن. شارون أراد أن يسجل على اسمه خطوة يسيطر فيها المسيحيون الموارنة الى الابد على لبنان كحلفاء لاسرائيل، سوريا تبعد عن لبنان والميزان في المنطقة يتغير. تفكير مناسب لمن يلعب الشطرنج في قاعة مكيفة في موسكو. عمليا زعيم الموارنة قتل، م.
ت.
ف طردت الى تونس وعادت الى المناطق بصخب عالٍ، الدروز اصبحوا مؤيدين لسوريا، حزب الله نشأ، وتحول الى قوة هامة في لبنان، تعزز وتعاظم، وبالذات الاجتياح الثاني للبنان في 2006 أتاح له استعراضا للقوة مثيرا للانطباع من خلال وابل الصواريخ على الشمال. الوهم بعيد المدى زمنيا المتعلق بـ ‘جيش لبنان الحر’ الذي هو جيش جنوب لبنان، تبدد دفعة واحدة، بل وتبدد متأخرا أكثر مما ينبغي.
لدولة اسرائيل ليس هناك ما تبحث عنه على أرض عربية، ولجيشها ليس هناك ما يبحث عنه في أرض العدو لزمن طويل، ولا يدور الحديث عن ‘توغلات تكتيكية’. نظرية القتال التي تنقل المعركة الى ارض العدو لغرض الحسم وكذا الاحتلال المؤقت والدائم كانت جميلة للحروب الكبرى في القرن السابق ونجحت بشكل يبعث على الفخار في حرب الايام الستة ولكنها استنفدت. هذه ليست الطريق. وما هو الطريق؟ على المدى القصير، الطريق هو ميزان رعب، قدرة ردع، تهديد واضح على من يفكر بالعمل ضد السيادة الاسرائيلية. على المدى المتوسط والبعيد، يوجد فقط طريق واحد أثبت نفسه على مدى التاريخ ويثبت نفسه اليوم ايضا: اتفاقات، احلاف، سلام بارد أو حار. المجتمع الاسرائيلي الجريح وزعامته الشكاكة، المحوطة بمجموعات عديمة المسؤولية التاريخية من اليمين، لا تؤمن اليوم بهذا الطريق، وبالتأكيد ترفض احلاله على الساحة الاكثر تعقيدا منها جميعا: الضفة الغربية. معاريف 4/6/2012