فقدت ‘ديمقراطية’ الطوائف في لبنان ابرز مؤسساتها بـ’العصيان الذاتي’، فقد امتنع ثلاثة من قضاة المجلس الدستوري العشرة عن حضور جلسته المخصصة للنظر في الطعنين المقدّمين من الرئيس ميشال سليمان ومن نواب ‘كتلة الإصلاح والتغيير’، بشأن لادستورية قانون تمديد ولاية مجلس النواب. النتيجة تعطيل النصاب المحدد قانوناً بحضور ثمانية قضاة في الاقل.
امتناع القضاة عن حضور ثلاث جلسات متتالية للمجلس الدستوري يؤدي الى حصول شغور في عضويته ناجم قانوناً عن اعتبار القضاة مستقيلين لتغيّبهم من دون عذر شرعي. ويبدو ان تعيين بدلاء منهم سيكون متعذراً، لكون الحكومة مستقيلة وفي حال تصريف الاعمال، ومجلس النواب في الايام الاخيرة من ولايته التي تنتهي في 20 الشهر الجاري.
خسارة البلاد ابرز مؤسساتها جرى تعويضها، جزئياً، بكسب كبير هو بروز رئيس المجلس الدستوري الدكتور عصام سليمان كشخصية قيادية قضائية وسياسية مميزة ونادرة، فقد كشف الدكتور سليمان ملابسات تعطيل المجلس الدستوري والتدخلات الداخلية والخارجية التي اكتنفته، مؤكداً ذلك بقوله: ‘لدّي مناعة، ولا اخضع لضغوط لا من رئيس الجمهورية ولا من العماد ميشال عون ولا من البطريرك الماروني ولا من البابا ولا من امريكا ولا من فرنسا. للعلم، انا لم اطلب من رئيس الجمهورية تعييني عضواً في المجلس الدستوري او رئيساً له، وبالتالي انا لم اقف على باب احد، ولستُ مديناً بشيء لأيٍّ كان. وعندما كان غيري يقف على باب اللواء غازي كنعان او اصغر ضابط سوري، كنتُ احترم نفسي وارفض الانبطاح للوصول الى اي منصب’.
ترى، ألا يستحق لبنان رجلاً من هذا الطراز ليكون رئيساً للجمهورية في صيف العام القادم؟
اذ ينهار المجلس الدستوري، يسقط معه امتداح اللبنانيين لأنفسهم بأن بلادهم اول ديمقراطية في المشرق العربي. ذلك ان اللبنانيين مسؤولون، في التحليل الاخير، عن تعطيل اهم مؤسسات الديمقراطية في البلاد ومعها، ربما، ما تبقّى من مؤسسات.
قد يقول قائل إنه من الظلم تحميل اللبنانيين مسؤولية تعطيل المجلس الدستوري لأنهم ليسوا مسؤولين مباشرةً عن إفقاده نصابه القانوني، لكن، أليسوا مسؤولين مداورةً عن ذلك، لكون القضاة المتغيّبين تأثروا بضغوط قيل ان رئيسي كتلتين نيابيتين مارساها عليهم لعدم تمكين المجلس الدستوري من الانعقاد، تفادياً لاتخاذه قراراً بقبول الطعن المقدّم وبالتالي إبطال قانون التمديد لمجلس النواب؟
ثم، ألم يتأثّر القضاة السبعة الذين حضروا الجلسة بضغوطٍ قيل إن رؤساء احزاب وكتلٍ نيابية اخرى مارسوها عليهم لضمان إبطال قانون التمديد لمجلس النواب بغية إجراء الانتخابات وفق احكام ‘قانون الستين’ الساري المفعول؟
رؤساء الكتل النيابية الذين ضغطوا على القضاة لقبول الطعن المقدّم او ردّه هم نواب يمثلون، افتراضياً، اللبنانيين الذين انتخبوهم، ما يعني ان الناخبين مسؤولون عن انتخاب نوابٍ لا يتورعون عن مخالفة احكام الدستور والقوانين النافذة بدعوى حماية مصالح البلاد العليا! كما يعني ان الناخبين يقدّمون مصالح (زعماء) طوائفهم على انتظام مؤسساتهم. هذا الوضع المؤسف والمؤلم والمزري الذي انتهى اليه النظام السياسي في لبنان إنما يدل على حقيقة ساطعة مفادها ان الديمقراطية هي ثقافة بالدرجة الاولى، قبل ان تكون انتخابات دورية ومؤسسات دستورية. ثقافة جوهرها قبول الآخر وبالتالي التزام ‘قواعد اللعبة’ في المنافسة الحرة بين اللاعبين الذين ينشدون الوصول الى السلطة.
الى ذلك، يُستفاد من تجارب الدول المتقدمة حضارياً ان نجاح الديمقراطية مرهون بتوافر شروط ثلاثة:
اولها، حدٌّ معقول من التعليم وبالتالي من الوعي يتيح للمواطنين عامةً وللناخبين خاصةً القدرة على المفاضلة بين البرامج السياسية والاجتماعية للمرشحين، وعلى تقدير ما هو في صالح البلاد عموماً وصالحهم خصوصاً.
ثانيها، حدٌّ معقول من البحبوحة او، في الاقل، من المعيشة اللائقة وبالتالي توافر قاعدة عريضة من افراد الطبقة الوسطى. ذلك انه من الصعب جداً ان تنجح الديمقراطية في بلد معظم ناخبيه من الاميين والفقراء. هؤلاء يعتبرون السياسة، وبالتالي الانتخابات، ترفاً إزاء انشغالهم بتوفير قوتهم اليومي، وربما اضطرار بعضهم احياناً الى ‘بيع’ صوته الى من يرغب لسد حاجته الى المال والمأكل والملبس.
ثالثها، ضمان الحرية والسيادة للبلد المعني بالانتخابات، ذلك الا سبيل الى ممارسة حق الاختيار والانتخاب على وجه صحيح في بلد محتل او مسلوب الإرادة السياسية.
من هذه الشروط الثلاثة، يتمتع لبنان بالأول منها بمستوى عالٍ نسبياً. فالمتعلمون هم غالبية اللبنانيين ما يرفع مستوى الوعي في صفوفهم، لكن هذه الميزة تحدّ من فعاليتها حدة العصبيات المذهبية والطائفية. كما يحدّ من فعاليتها ايضاً اتساع قاعدة الفقراء والمحتاجين نتيجةَ الحروب والاضطرابات الامنية التي عاناها اللبنانيون منذ مطالع سبعينات القرن الماضي. كذلك كان لوجود قوى خارجية مسلحة على الاراضي اللبنانية طيلة السنين الاربعين الماضية اثر في تعطيل ارادة اللبنانيين او في ارتهانها.
كيف السبيل الى الخروج من المأزق الحالي والازمة المزمنة؟
لا جدال في ان لا دولةَ في لبنان، بل نظام طوائفي مركانتيلي فاسد تحكمه شبكة سياسية مؤلفة من متزعمين في طوائف، ورجال اعمال واموال يستغلون السلطة، وقادة متنفذين في الاجهزة الامنية. هذه الشبكة تعيد انتاج النظام من خلال قوانين انتخابات موضوعة على قياس مصالح اركانها الذين لا يتوانون عن الاستعانة بقوى خارجية لدعم مصالحهم الذاتية مقابل ‘خدمات’ متبادلة.
لعل السبيل السلمي الأفضل لتغيير النظام الطوائفي الفاسد يكون بتغيير قواعد الانتخابات جذرياً باتجاه اجتراح قانونٍ لها يكون على اساس التمثيل النسبي في دائرة وطنــــية كبرى هي الجمهورية برمتها. ذلك يضع اللبنانيين جميعاً امام التحديات والمشاكل نفسها، كما امام الافراد والقوى التي ترشح نفسها لمواجهتها وتحول دون امكانية استخدام سلاح المال على نطاقٍ واسع لشراء الذمم والاصوات.
لكن، هل من سبيل الى اجتراح قانون ديمقراطي للانتخابات بوجود هذه الشبكة السياسية المسيطرة؟
إنه، بلا شك، امر صعب، لكن الامل معقود على ثلاثة احتمالات بازغة:
الاول، ان يتردى وضع النظام السياسي، فما يعود في مقدور اهله إعادة انتاجه بواسطة قوانين الانتخابات، كما يتضح من مأزقهم الحالي.
الثاني، ان تتصدى القوى الوطنية الحية، وفي مقدمها الشباب وقوى المقاومة كما القيادات المستنيرة والملتزمة في الشرائح الاجتماعية المتضررة، للنظام واهله وتتمرد عليه حتى حدود العصيان المدني.
الثالث، ان يعجز اركان الشبكة السياسية الحاكمة عن الاستعانة بقوى خارجية فيضطرون الى التراجع امام ضغوط القوى الوطنية والاجتماعية الفاعلة، ما يتيح فرصةً لابتداع قانون ديمقراطي لانتخابات على اساس التمثيل النسبي والدائرة الوطنية الكبرى، ويصار الى إقراره في استفتاء عام.
هل دقت ساعة العصيان على النظام؟
لعله بدأ بتحركات ‘ ثوار البندورة’ المعتصمين امام المجلس الدستوري ‘لدعمه في مواجهة الضغوط السياسية والطائفية التي تمارس عليه، ولرفض التمديد لمجلس النواب’. هؤلاء يحضّرون ليوم احتجاجـي شعبـي كبـير في 20 حزيران/يونيو، وهو تاريخ انتهاء ولاية مجلس النواب، ليعلنوا:’سنواجه النواب بالبندورة كما أعضاء المجلس الدستوري بالاداة ذاتها في حال لم يفعلوا شيئاً لعدم إقرار التمديد’.
كاتب لبناني