انور ياسين: الحياد في زمن الحروب هو لصالح العدو
اسير في سجون اسرائيل 17 سنة يخوض الأن معركة اعلامية كمراسلانور ياسين: الحياد في زمن الحروب هو لصالح العدوبيروت ـ القدس العربي ـ من زهرة مرعي: كان مفاجئاً خلال العدوان علي لبنان أن يرصد مشاهدو قناة نيو تي في التي كانت علي مدي الأيام في مهمة القناة المقاومة للعدوان، أن يرصدوا الأسير المحرر من سجون الاحتلال أنور ياسين متنقلاً علي الجبهات لينقل التطورات. صحيح أن أنور ياسين بدا في الأيام الأولي لعمله أنه جديد علي المهنة، لكنه اكتسب فيما بعد مرونة وراحة في التعاطي مع الكاميرا والخبر.الي جانب المعركة الاعلامية والوطنية كان أنور ياسين في معركة ذاتية مع هذا العدو الذي احتجز حريته لـ17 سنة متواصلة، ومن المؤكد أن وجوده علي الشاشة أزعجه، لذلك حاربه في نهاية العدوان بشائعة العمالة له والاعتقال. مع أنور ياسين كان هذا الحوار: كونك أسيراً سابقاً لدي العدو هل تمكنت عينك من رصد ومشاهدة ما لم يشاهده سواك كمراسل خلال العدوان؟ ليس هذا وحسب بل أيضاً كوني أنتمي لفكر سياسي له تاريخه في العمل المقاوم، كل هذا المخزون كان بين يديّ خلال تغطيتي للأحداث. بالتأكيد كان هناك زملاء يمتلكون بعضاً من هذه الأدوات، انما ردة فعل المشاهدين أشعرتني بأني قمت بعمل لديه تميزه ولمساته الخاصة رغم كوني خضت تجربتي الأولي في العمل. كونك اختبرت العذاب علي يد العدو فهل كنت معنياً أكثر من سواك في تغطية العدوان؟ في السابق وابان اجتياح 1982 كنت مواجهاً لهذا العدوان وكنت أتمني أن يكون موقعي مختلفاً وليس ناقلاً يظهر وحشيته، كنت أتمني أن أكون في مكان المواجهة. لكن الظرف الذي نعيشه حدد مسؤوليات ووظائف كل منا. في الحقيقة شعرت أن الاعلام هو ساحة نضالية أخري يمكن أن أقدم فيها رسالة ضمن الامكانات المتوفرة. وجه من وجوه المقاومة أن أكون في ساحة تزعج العدو كثيراً بالقول له أنه بعد سنوات طويلة من الاعتقال لم يتمكن من أن يكسرنا. نقول له بأننا مستمرون لأننا عشاق حياة حرة كريمة. ولأجل هذه الحياة نحن مستعدون لأن نضحي. ولأن وجودي علي الشاشة كان مزعجاً لهذا العدو فبعد انتهاء العدوان بيومين أشيع بأن أنور ياسين أعتقل من قبل أجهزة الأمن اللبنانية وحزب الله بتهمة العمالة لاسرائيل. ومن باعتقادك وراء تشييع هذا الخبر؟ لا شك بأنهم عملاء العدو والعقول السخيفة والضعيفة في هذا الوطن. بصراحة ثقتي بنفسي وثقة الناس بي جعلتني في البداية لا أهتم بهذا الترويج، لكن أنتشار الخبر كما كرة الثلج يجعلني أفكر جدياً بتقديم شكوي ضد مجهول الي النيابة العامة. أما حجة المروجين فتكمن في أني لم أظهر في اليومين الأخيرين من العدوان علي الشاشة، في حين كانت الأمور مجرد تبديل بهدف الراحة بعد عمل متواصل لما يقارب الـ29 يوماً كنت خلالها علي الشاشة علي مدار الساعة. هل حاولت تتبع مصدر الاشاعة؟ هذا ما أعتقده من مسؤوليات الدولة والشكوي ضد مجهول تفرض علي المعنيين تقصي مصدر الخبر. لكن بحسب معلوماتي فالاتصالات الأولي التي تلقيتها كانت من منطقة أقليم الخروب أفادتني بأن من يروج الخبر أفراد ينتمون لتيار سياسي موجود علي الساحة اللبنانية. ومن ثم راحت الشائعة تنتشر في البقاع والجبل. كما أني تلقيت اتصالات من خارج لبنان تسألني عن الموضوع وبخاصة من الكويت والبحرين ومن قبل أصدقاء وصلتهم الشائعة. لماذا هذه الشائعة بحسب تقديرك؟ باعتقادي أنها ناتجة عن الصفعة التي تلقاها العدو وعدم انتصاره علي الأقل علي شخص. لقد أديت رسالتي بشكل لفت انتباه الكثير من الناس لأني كنت مشحوناً بهذه الطاقة ولكوني مخلصاً لهذا الانتماء ولنهج المقاومة الذي أؤكد أنه نهج ديمقراطي وطني وتحرري. تمنيت أن تكون مع المقاومين لماذا؟ لأن ذلك يشكل شرفاً لي. انها اشكالية كنا نناقشها مع الاخوة في حزب الله لأن العمل المقاوم برأينا هو عمل وطني وليس محصوراً بفئة أو طائفة. كان الاستعداد عالياً لدي كل الشيوعيين والوطنيين في لبنان الذين كانت لهم بصمتهم في مقاومة العدو خاصة وأنهم أول من أطلق هذه المقاومة. لكن ظروف العمل الميداني حصر المقاومة بيد حزب الله وهذا ما ندفع ثمنه اليوم بهذه الهجمة علي سلاح المقاومة. وذلك بالطبع مع تقديرنا واحترامنا وانحنائنا أمام كافة المجاهدين والمقاومين الذين كانوا في المواجهة. لكن كان أجمل وأروع لو كانت هذه المقاومة وطنية تشمل كل من هم معنيون بالصراع مع العدو. كيف تصف يومياتك المهنية خاصة وأنك بدأت مع العدوان؟ السؤال الأول الذي يواجهه المراسل هو هل سيتمكن من أن يكون تلقائياً مع الكاميرا؟ في ظهوري في الأيام الأولي لم أكن معنياً بالكاميرا بل بايصال الخبر بمصداقية وبوضع وحشية العدو أمام المشاهدين. في أي الجبهات تحركت؟ منذ الأيام الأولي للحرب كنت في مدينة صيدا وضواحيها لأكثر من أسبوع، ومن ثم منطقة الضاحية ولاحقاً النبطية. هل ثمة انطباعات تركتها في نفسك تلك الأمكنة؟ في تلك الأمكنة يتنازع المرء شعوران بالألم. في صيدا شهدنا المعاناة في وجوه الناس النازحين من قراهم وما تعرضوا له من أهوال بقصف منازلهم، ومنهم من وصل الي صيدا حافي القدمين. والأعداد كانت هائلة ولكل منهم قصته مع العدوان. في رصد العدوان علي الضاحية كنا مفصولين عن معاناة الناس فقط كنا نرصد تساقط الأبنية كما الورق وهذا ما كان مؤلماً ومؤثراً، لكن في المقابل صمود المقاتلين كان يعدل في الموازين النفسية عندنا. لكن اليوم العنيف والوحشي كان ذلك الذي انتهي باغراق البارجة الاسرائيلية التي قلبت المعنويات بنسبة 180 درجة. هل من مشهد لا يمكن أن تنساه من هذا العدوان؟ أصعب مشهد علي قلبي هو أنتشال شهداء قانا وخاصة الأطفال الذين قضوا وهم نيام، كما لا أنسي مشاهد مجزرة القاع. وكل ما قام به العدو كان من البشاعة بحيث يعجز عن تحملها البشر. هل استفدت من خبراتك العسكرية كمقاوم في عملك كمراسل؟ بالتأكيد، فاضافة لتغطية العدوان كنت أنقل نوعية الأسلحة التي يتم استخدامها أو ما يشبهها. تذكرت اجتياح العام 1982 والتبدلات التي طرأت في هذا العدوان وخضت مقاربة في تقاريري الاخبارية. ولا شك بأن الوحشية في هذا العدوان كانت أكبر بما لا يقاس. ما هو رأيك بالدور الذي قام به المراسلون اللبنانيون خلال هذا العدوان؟ دورهم كان في غاية الأهمية مع الاختلاف في التغطية بين مؤسسة وأخري. نحن تأكدنا من أهمية اعلامنا عندما تلقينا الأصداء من خارج الوطن. نقل هذا الحدث كان له كبير التأثير علي الشارع العربي والعالمي. وعلي الصعيد الوطني كنا أمام نمط اعلامي مهادن الي حد ما بحيث كان يلعب دور الحياد السلبي، حيث الحياد في زمن الحروب يكون لصالح العدو. وهذا الواقع خسّر تلك المؤسسات بعضاً من جمهورها. لكن تلك المؤسسات عادت لتعدل بعضاً من سياساتها في الأيام الأخيرة للعدوان. ونمط آخر هو المقاوم. لماذا اخترت أن تكون مراسلاً للتلفزيون؟ انها مهنتي الأولي بعد الحرية وهي كانت بمبادرة من رئيس مجلس ادارة نيو تي في السيد تحسين خياط. كان طموحي في البداية تقديم برنامج حواري شبابي، لكن حدث أن قُدم برنامج مشابه لما طرحته. وهكذا انطلقت كمحرر في النشرات الاخبارية والعدوان أدي الي خروجي الي ميدان المعركة الاعلامية. وقد سبق وغطيت نشاطات خارج المكتب لكنها تسببت لي بالارهاق لأن المعنيين لم يتعاطوا معي كمحرر صحافي بل كمشارك يطلب رأيه، أو يتجمع حولي الناس للتواصل. وعندما غطيت احدي المظاهرات علي سفارة الولايات المتحدة تم اعتباري كمشارك وهذا طبعاً جميل بالنسبة لي، لكن المشكلة كانت كبيرة لو كانت المظاهرة في مكان آخر. هل تلقيت تدريباً مهنياً؟ بصراحة اتكلت علي احساسي السياسي والمعلومات العامة التي امتلكتها خلال دراستي وحياتي في السجن. عملت انطلاقاً من كوني مشاهد يتلقي الخبر. هل لديك أحلام في المهنة؟ حلم البرنامج لا يزال يراودني. انه يتخطي الحلم الي الحاجة بمخاطبة الشباب بلغة مختلفة هي لغة العقل. هل لا تزال لديك اهتمامات بقضايا ألأسري؟ لا شك بذلك وهي مهمة مركزية بالنسبة لي، انما الالتزام المهني والدوام الطويل يعرقل قليلاً هذا النشاط. هل لا تزال العلاقة تجمعك مع الأم البديلة التي تبنتك في فلسطين؟ التواصل موجود ودائم وخاصة في هذه المرحلة حيث من الضروري ايصال صوت أهالي المعتقلين الي العالم وبخاصة أولئك الذين أمضوا أكثر من 15 سنة في السجن. ومن ضمن هؤلاء أخي بلال أبو حسين الابن البكر لوالدتي في فلسطين نعمة أبو حسين، اضافة الي رفاق آخرين تخطت فترة اعتقالهم الـ21 عاماً. وهناك معتقلون من أراضي الـ48 ومن القدس. المعتقلون القدماء يبلغ عددهم حوالي الـ350 معتقلاً. وهل تتواصل مع الأسري المحررين داخل فلسطين وخارجها؟ التواصل الأبرز يتم مع من هم خارج فلسطين. الحياة العملية سرقت الكثير من المعتقلين حيث لكل همومه. كذلك الأمر بالنسبة للمحررين داخل فلسطين حيث همومهم والتزاماتهم أكبر في الحياة والنضال. نعقد مع المعتقلين المحررين في لبنان لقاءات دورية وتشاور في النشاط المطلوب القيام به. وهل ستترشح للانتخابات في الدورة المقبلة؟ القانون الذي ترشحت علي أساسه في الدورة الماضية كان شديد السوء، آمل أن يتبدل هذه المرة ليصبح علي أساس نسبي وخارج القيد الطائفي وهذا ما يشجعني لدخول هذا المعترك من جديد.2