ان تكون عربيا في اسرائيل : لعبة الحضور والغياب:

حجم الخط
0

ان تكون عربيا في اسرائيل : لعبة الحضور والغياب:

تطور الخطاب العربي لدي الاقلية من الرفض الي التعايش ثم المشاركة.. واخيرا التهميش وخيانة العملاسرائيل شرذمت الاقلية العربية وقسمتها لطوائف وحاولت تدجين الطائفة المسلمة والسيطرة علي خطاب العبادة ان تكون عربيا في اسرائيل : لعبة الحضور والغياب:عرض وتقديم: ابراهيم درويش موضوع العرب في اسرائيل او فلسطينيي 1948، من الموضوعات التي اهتم بها البحث الاكاديمي، وكان الفلسطينيون داخل الخط الاخضر وهو الاسم الذي استخدم لوصف الفلسطينيين الذين ظلوا في قراهم ومنازلهم بعد اعلان انشاء اسرائيل عام 1948، قد جسدوا بعد النكبة الصمود والمقاومة ومنهم انبثق ما صار يعرف بادب المقاومة الذي كان الشهيد غسان كنفاني اول من رصده وكتب عنه. فلسطينيو 48 كانوا الجزء من الشعب الفلسطيني الذي واصل حياته علي ارضه علي الرغم من القيود التي فرضتها الدولة الجديدة عليهم، من سياسات التهميش وقوانين الطوارئ التي طبقتها اسرائيل علي الفلسطينيين لانها نظرت اليهم علي انهم طابور خامس. في السنوات الاولي من قيام اسرائيل كان الفلسطينيون في الداخل يعتبرون هويتهم العربية او القومية بمثابة الحاجز الواقي لهم من سياسات الدولة، كان الفلسطينيون بين عامي 1948 -1967 معزولين عن سياقهم العربي والفلسطيني وحاولت الدولة في البداية تشظية الهوية الفلسطينية وتفتيتها بناء علي الهوية الدينية ، فاخترعت نظام الطوائف العربية واستوعبت اولا الطائفة الدرزية التي كان ابناؤها اول من خدم في الشرطة والجيش، ثم جاء بدو النقب الذين استخدمتهم في فرق الهجانة وقص الاثر واستوعبتهم في الجيش، وحاولت تأكيد هوية مسيحية فيما عملت جاهدة علي حل كل المؤسسات الاسلامية، المجلس الاسلامي الاعلي وصادرت الاوقاف الاسلامية وانشأت ما سمي بالدوائر العربية التي اخذت علي نفسها حل مشاكل او مراقبة الفلسطينيين، وكان شأن العرب وعلاقتهم بالمؤسسة الرسمية الاسرائيلية مرتبطا بالمستعربين اليهود والمتخصصين بالدراسات العربية والاسلامية واوضاع الفلسطينيين الثقافية والاجتماعية، ولم يكن دور هؤلاء المستعربين الا التوسط بين العرب المهمشين والسلطات الاسرائيلية، ولم يكن تعامل الدولة مع العرب مركزيا ففي فترة كان لدي كل وزارة اسرائيلية مكتب للشؤون العربية، ولم يتم البحث عن اطار مركزي الا في السبعينات عندما تم انشاء المجالس العربية ولجنة المراقبة. لا يمكن فصل تعامل اسرائيل مع فلسطينيي 48 من وضعها كدولة صغيرة في محيط عربي واسلامي، ومن هنا فان محاولتها لشرذمة وتفتيت المجتمع الفلسطيني الي طوائف هو محاولة لانشاء تحالفات مع الاقليات الدينية والعرقية في العالم العربي فمن خلال التعاون مع هذه الجماعات والاقليات تستطيع اسرائيل خلخلة البني الاجتماعية والسياسية في الدول العربية. تمظهرات الهوية الاوليعلي صعيد الهوية حافظ فلسطينيو الداخل 48 علي انتماءاتهم العربية والاسلامية، وتأثرت حركاتهم السياسية الاولي بالناصرية والقومية العربية، كما في حركة الارض وابناء البلد التي ولدت منها القيادات الاولي لعرب الداخل، ومع ان اجيالا من الفلسطينيين تربوا في ظل النظام التربوي الاسرائيلي ودرسوا اسطورة النشوء الاسرائيلي ودرسوا في الجامعات اليهودية الا ان وعيهم بكونهم اقلية وكونهم جزء من شعب مهجر اسهم في الحفاظ علي هويتهم ويبدو ان سياسة الاستبعاد وغياب الاهتمام في القري العربية وتطويرها ادت لتأكيد ما اسماه الباحث والمفكر الفلسطيني المعروف عزمي بشارة ثقافة القرية فقد اكد اكثر من مرة علي ان فلسطينيي الداخل ظلوا يعيشون في معتزلات قروية ولم تحدث تغيرات علي صعيد الوعي وتحديث وعي السكان، فمعظم فلسطينيي 48 وباستثناء مدينة الناصرة التي تعتبر اكبر مدينة عربية وتجمعات عربية في حيفا ويافا وعكا في عمومهم عاشوا وحافظوا علي ثقافة القرية ولم يحدث اي تغيير علي حياة الفلسطينيين في هذه القري رغم ما شهده المجتمع الاسرائيلي والعربي بالضرورة من تغيرات. ومن هنا فان فهم وضع الاقلية العربية في اسرائيل لا ينفصم عن السياسات الاسرائيلية اضافة الي طبيعة التغيرات التي حدثت علي صعيد المشاركة العربية في السياسة والمجتمع الاسرائيليين، فاذا كانت حركتا ابناء البلد وحركة الارض هما التمظهرين السياسيين والمقاومين الاولين فان مشاركة الفلسطينيين كانت اولا ضمن التيار اليساري والحزب الشيوعي الاسرائيلي الذي عبر من خلاله الشيوعيون الفلسطينيون عن مطالبهم ولكن ونظرا لمواقف هذا الحزب من المسألة العربية فان الناشطين العرب قاموا عام 1965 بالانفصال وتشكيل حزب خاص هو راكاح، القائمة الجديدة والتي شكل فيها العرب نسبة 80 بالمئة مع حفنة من الشيوعيين اليهود. وقد اصبح حزب راكاح بمثابة الصوت السياسي للكثير من ابناء الاقلية العربية علي الرغم من موقف حركة ابناء البلد التي اتهمت الحزب بالتنازل والتهاون مع المؤسسة الاسرائيلية، وعلي الرغم من قدرة الحزب علي الجذب الا انه لم يكن قادرا علي بناء كتلة قوية لمواجهة الاحزاب اليهودية. وفي الثمانينات من القرن الماضي اخذ الحزب يتبني سياسة التحالف والتكتلات مع عدد من الاحزاب اليهودية الصغيرة، وفي عام 1977 حصل الحزب علي دعم رسمي من منظمة التحرير التي قررت ولاول مرة اتخاذ موقف رسمي من الانتخابات الاسرائيلية، وقدم راكاح نفسه من خلال عنوان جديد هو الجبهة الديمقراطية للمساواة والسلام. راكاح نجح في الحصول علي مقاعد في الكنيست الاسرائيلي ولكن معركة المنافسة مع ابناء البلد ادت الي تشدد في مواقف الحزب، فقد كان علي الحزب ان يعبر عن مواقف من سياسة مصادرة الاراضي الفلسطينية والمشاركة في المواجهات التي يحتفل فيها الفلسطينيون كل عام في 30 اذار (مارس) من كل عام، وبالمقارنة مع حزب راكاح فابناء البلد وان وجدت لها دعما بين طلاب الجامعات الا انها ظلت هامشية من ناحية التأثير السياسي ومواجهتها مع الحزب الشيوعي ادت لتقوية الحزب علي حساب الحركة، ولم تنجح تحركات الحركة من اجل بناء تحالفات ولجان في توسيع دائرتها السياسية.. في الثمانينات يمكن رصد العديد من التحولات علي صعيد الاقلية العربية حيث نشأت حركات وظهرت احزاب مثل الحركة التقدمية بزعامة محمد ميعاري والحزب الديمقراطي العربي بزعامة عبدالوهاب دراوشة. والملاحظ ان اصول هذه الحركات تمت اما للجبهة او حركة ابناء البلد او حركة الارض التي حظرت في الستينات من القرن الماضي، وقد ادخلت هذه الاحزاب في خطابها بعدا وطنيا فلسطينيا، وقد تعرض قادة هذه الحركات لهجمة من النخب الاسرائيلية وحاولت منعها وتجريدها من الحصانة البرلمانية اضافة الي اتهامها بازدواجية الولاء. تعددية في الاصوات وغياب التأثيرتعددية الاصوات التي حاولت او تحاول تمثيل الصوت العربي داخل اسرائيل ليست تعبيرا في نظر الباحثين عن تعددية وديمقرطية الاختيار بل هي نتاج للتنافس بين ممثلي العرب ايا كانت توجهاتهم، القومية والوطنية. وما حدث علي صعيد الهوية الفلسطينية وعلاقتها بمعدلات الاسرلة والاندماج في النموذج الاسرائيلي ان الجيل الفلسطيني الذي نشأ بعد انشاء الدولة استخدم الاسرلة للتعبير عن هويته الفلسطينية ورفض وضعيته داخل السياق الاسرائيلي. والخطاب العربي السياسي الذي تجادلته اصوات شيوعية، وماركسية، وقومية عربية وناصرية واسلامية هو خطاب متحرك، فقادة الفعل السياسي الفلسطيني في الداخل كان معظمهم نتاجا للتعليم والاعلام والمجتمع المنفتح في الجامعات وعمليات التسييس التي تعرضوا لها برزت اثناء دراستهم في الجامعات الاسرائيلية، خاصة الجامعة العبرية التي شهدت ولادة او لجنة للشبان العرب فيها، ثم جاءت جامعة حيفا التي تضم اكبر تجمع من الشبان العرب داخلها. ان الهويات والسير لقادة المجتمع العربي تظهر تجادلا بين الهوية الفلسطينية ومعدلات الاسرلة، حيث استطاع هؤلاء الذين تخرجوا من الجامعات اليهودية فهم وتشرب المنظومة الفكرية التي قام عليها النموذج الاسرائيلي واستخدامه من اجل المطالبة بالمساواة وتأكيد الهوية. ومن هنا لعبت عمليات التحديث داخل المجتمع العربي وانفتاحه علي التعليم لصالح العرب، وضد الافتراض الصهيوني الساذج الذي كان يري انه كلما زادت معدلات التحديث والتعليم فان البني التقليدية للمجتمع العربي ستنهار ومعها ستتفكك الهوية الفلسطينية الجامعة، خاصة ان اسرائيل منذ ولادتها ابدت حساسية ضد اي توجه قومي جامع له ارضية اسلامية، وعليه قامت في البداية بمحاولة تفكيك الهوية الفلسطينية الي طوائف وهويات مختلفة. حقبة الصهر والخروجاذا كانت فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي هي فترة الرفض والتهميش فان سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن نفسه كانت بوتقة الصهر التي تمكن فيها الجيل الجديد او القديم في الراديكالية اليسارية والقومية العربية من اعادة تشكيل نفسه ومحاولة بناء رؤية عن المواطنة، ومن هنا كانت دعوة عزمي بشارة الذي يمثل صورة عن التجادل بين الهوية الاسرائيلية والفلسطينية، الي اعادة تعريف الدولة اليهودية، وحسم مسألة الهوية وفيما اذا كانت اسرائيل دولة لمواطنيها كل مواطنيها او دولة لليهود فقط. كان العقدان الاخيران من القرن الماضي اذا محاولة لتعريف العربي الفلسطيني لمكانه داخل المنظومة الاسرائيلية، ذات الغالبية اليهودية، وقد عني هذا لدي البعض قبولا بالدولة وليس البحث عن بديل له والتعايش معه. وقد سعي الفلسطينيون في الداخل لتأكيد موقعهم في السياق السياسي الاسرائيلي وفي الوقت نفسه الحفاظ علي التصاقهم بالهوية والشعب الفلسطيني. ومن هنا فان الاطار الاخير، الالتصاق بالهوية الفلسطينية، لم يكن الا معلما من معالم اندماجهم في المجتمع الاسرائيلي بشكل كامل. في هذا السياق، فان معركة المواطنة ادت في النهاية لالغاء كل اشكال التعاون الاولي التي حاولت اسرائيل من خلالها حل المشاكل اليومية والتعامل مع فلسطينيي 48، سواء من خلال المخاتير، او مجالس السلطات العربية المحلية، او من خلال القوائم الحزبية للاحزاب الاسرائيلية، او عبر وساطة الخبراء بالشؤون العربية، فالفلسطينيون في الداخل بعد وعيهم وتعرفهم علي هويتهم الجديدة اصبحوا يتعاملون مع المؤسسة كشركاء في العملية السياسية، وهو ما حصل بعد انتخابات عام 1992. توزعت الهوية السياسية لفلسطينيي 48 من خلال بعدين يبرز من خلالهما تناقض ظاهري، اسرلة وفلسطنة. والبعد الاخير للهوية لا يشير الي تجذر وتطرف داخل المجتمع الاسرائيلي. ومن هنا كان تعريف عرب اسرائيل انفسهم من خلال الهوية الفلسطينية لم يعن انفصالا عن اليهود او رفض المواطنة الاسرائيلية. ويري باحثون ان الفلسطنة ما هي الا مصطلح سياسي يهدف الي تحسين الفرصة السياسية. تأكيد الهوية العربية الفلسطينية في السياق الاسرائيلي ادي لخوف اسرائيلي حيث صارت الفلسطنة تعني لهم الراديكالية والتطرف. ولكن اليهود لم يعودوا قادرين علي نفي العربي من داخلهم، فالعرب صار لهم صوت داخل المؤسسة السياسية وبسبب ارتفاع مستوي التعليم فانهم صاروا يخترقون قطاعات اخري في المجتمع، ومعدلات الحراك الاجتماعي بين الشبان العرب والعائلات الصغيرة التي تنتقل للاحياء اليهودية وتبدأ اعمالا تجارية في تزايد. ومع ان وضع العرب في اسرائيل ما زال اقل من اليهود الا أن هناك تحسنا ملحوظا علي حيواتهم منذ السبعينات من القرن الماضي. علي العموم فان وضع العرب داخل اسرائيل صار ظاهرا ولم يعد بامكان اليهود الادعاء بأن اسرائيل هي لليهود فقط، بل ان هذه الوضعية تضع المشروع الصهيوني كله علي المحك، فجوهر المشروع الاحلالي والاستعماري كان يؤكد علي اهمية انشاء وطن لليهود. وعليه صار مؤتمر هرتسليا مكانا بارزا كل عام للتساؤل حول مآلات هذا المشروع، ففي مؤتمر عام 2000 كان السؤال المطروح او الخيارات بين التكيف والاحتواء ، اي مع وضع الاقلية العربية. وهو ما تحاول الباحثة لورنس لوير، الاجابة عليه في كتابها المعنون بـ ان تكون عربيا في اسرائيل الصادر باللغة الانكليزية عن دار هيرست اند كومباني في لندن، وهو مترجم عن اللغة الفرنسية، وقد قضت الباحثة اربعة اعوام وهي تعد هذا الكتاب لنيل درجة الدكتوراه من معهد الدراسات السياسية في باريس عام 2001 وقد نشرت دار بالاند الاطروحة التي اشرف عليها الباحث في شؤون الاسلاميات جيل كيبل وقد قامت الباحثة بدراسة ميدانية بين عرب اسرائيل والتقت بعدد من اللاعبين في اللعبة السياسية والهوية العربية في مجتمع غالبيته يهود. تبني الكاتبة اطروحتها علي ان الهوية لابناء الاقلية الفلسطينية تتوزعها هويتان، واحدة تطلق عليها الباحثة الفلسطنة والاخري الاسرلة ، وتحاول ان تثبت ان العلاقة بينهما ليست علاقة الغاء او تضاد بل ان كلا منهما تعمل علي تحديد هوية عرب 48 وتدفع باتجاه تشكيل هوية العرب الفلسطينيين. تري الكاتبة ان تحولات مهمة حدثت علي وضع عرب 48 بدأت بالتمظهر مع بداية عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وقد شكلت التغيرات التي حدثت علي صعيد الهوية لدي ابناء 48 والتغييرات في السياسة الاسرائيلية لدفع عرب 48 الي الخروج من دائرة التهميش والاستغلال السياسي من قبل الاحزاب الاسرائيلية والي انشاء حركات واحزاب سياسية مستقلة دخلت في البداية في تحالفات مع احزاب اسرائيلية صغيرة واتجهت فيما بعد الي البحث عن شراكة مع الاحزاب الاسرائيلية الكبيرة خاصة حزب العمل، وقد استطاعت الاحزاب العربية بناء علاقة شراكة مع العمل في انتخابات عام 1992 وهي التي اعتبرها ارييل شارون هزة سياسية اكبر من هزة عام 1977 التي علمت لوصول اليمين الاسرائيلي للسلطة، وقد استطاع عرب 48 الحصول علي عدد من المميزات ليس لاحزابهم او الجماعات الموالية لها بل للاقلية العربية بشكل عام. كان من الممكن لهذه الشراكة ان تؤدي الي تأكيد المشاركة السياسية لفلسطينيي 48 لو وفت الاحزاب السياسية الاسرائيلية بتعهداتها، وهنا تركز الباحثة علي تجربة الاحزاب العربية مع حزب العمل والانتخابات التي جلبت معها ايهود باراك، وهو الزعيم العمالي الذي قام بحملة انتخابية تدعو العرب للمشاركة وتعهد بتحقيق مطالبهم وكان شعاره يسير في اتجاه ما طالب به مثقفون عرب مثل عزمي بشارة الذي دعا لاعادة اسرائيل هويتها، لكي تصبح دولة لكل مواطنيها بدلا من ان تكون بلدا لليهود. ولكن عرب 48 بعد الانتخابات انتظروا باراك لكي يقوم بتحقيق وعوده ، فلم يكن هناك وزير عربي او حتي شكر للعرب للدور الذي لعبوه. تتعامل الباحثة مع البروز لعرب 48 في المعترك السياسي كجزء من التغيرات التي حصلت علي صعيد الهوية العربية، وتشكيلها خطابا سياسيا يتواءم مع وضعها كأقلية، وقد استطاعت الاقلية استخدام وضعها في اسرائيل لتأكيد علاقتها مع اصولها الوطنية وتمثل مطالب الهوية والمواطنة في اسرائيل. ما حققته الاقلية العربية في اسرائيل لم يكن مجمعا عليه من قبل الغالبية، ومن هنا فان الدولة طورت سيناريوهات تتراوح بين التعايش والاحتواء. وقد أكد باحثون ان كل سيناريو يعتمد في النهاية علي مستقبل الدولة وصورتها، اي تغيير هويتها من دولة يهود لدولة كل مواطنيها. وسيحاول الرافضون لهذا السيناريو منع حدوث هذا من خلال تطوير استراتيجيات تعمل علي تهميش الاقلية العربية ودورها ومنعها من التأثير في القضايا السياسية. ويعتقد الكاتب ان التحولات التي حدثت علي طبيعة المجتمع الاسرائيلي خاصة بعد الهجرة الجماعية ليهود روسيا الذي دفع النقاش بعيدا حول طبيعة وطابع الدولة اذ ان كثيرا من المهاجرين لم يكونوا يهودا وهاجروا بحثا عن دوافع اقتصادية، ولكن حتي الذين باتوا يعترفون بأن اسرائيل تفقد شيئا فشيئا طابعها اليهودي وتصبح هذه الاخيرة اقل فانهم يترددون بالاعتراف بالعرب الفلسطينيين علي قدم المساواة مع بقية سكان الدولة، فاعادة تعريف الدولة ومساءلة هويتها لا تعني بالضروة اعترافا بدور العرب ومواطنيتهم. فالقضية ليست فيما اذا كانت اسرائيل دولة يهودية ولكن دولة غير عربية .تعتقد الكاتبة ان احداث تشرين الاول (اكتوبر) 2000 كانت نهاية لدائرة تعريف الهوية لابناء عرب 48، فقد جاءت المظاهرات التي استمرت اسبوعا وادت لمقتل 13 شخصا لتعبر عن احباط الجالية من العمال ومن السياسة الاسرائيلية فهي وان جاءت للتضامن مع ابناء فلسطين في الضفة والقطاع في انتفاضتهم الثانية، الا انها كانت موجهة للداخل الاسرائيلي وتعبيرا عن تلاشي الامال بحصول تغيير علي اوضاعهم ومن هنا يجب ان لا ينظر لهذه التظاهرات والانتفاضة الاولي منذ عام 1967، يوم الارض في 30 اذار (مارس) ويسقط فيها قتلي، علي انها تحول نحو خيار الفلسطنة علي حساب الاسرلة، اي تغليب التطرف والعنف، ولكن يجب النظر اليها علي انها محاولة لفلسطينيي 48 التعبير عن هويتهم والمطالبة بحقوقهم. ولكن الكاتبة تري ان الانتفاضة تصادفت مع انهيار حزب العمل ووصول الليكود وكاديما في وقت لم يعد فيه لفلسطينيي 48 اي تأثير علي السياسة الاسرائيلية. كما انها تشير الي فشل المؤسسة الاسرائيلية في التعامل مع الاقلية العربية، اي العودة للمربع الاول، مما يحمل مخاطر تغليب الخطاب الراديكالي وما يثير مخاوف المراقبين هو ان هذه الامكانية قابلة للتطبيق في ظل صعود الحركة الاسلامية وسيادة التيار المتشدد الذي يمثله الشيخ رائد صلاح علي حساب التيار المعتدل.تقدم الباحثة تمظهرات الهوية العربية داخل اسرائيل وصعود التيار الاسلامي الذي بدأ في الثمانينات باسرة الجهاد التي اسسها عبدالله نمر درويش في المثلث العربي وجاءت لتعبر عن مأزق الهوية الفلسطينية في الداخل. وقد عبر المؤسسون كما عبر تيار حركة الارض عن رفض تام للمؤسسة الاسرائيلية، لكن نمر درويش بعد السجن والاقامة الجبرية تحول لمعسكر الاعتدال والقبول بالامر الواقع ويحاول الان تأكيد صوت للمسلمين داخل اسرائيل وتأكيد تمثيل لهم من خلال البحث عن مؤسسة بديلة عن المؤسسة الرسمية التي احتكرت الاسلام في داخل اسرائيل. وتقدم الباحثة هنا تنوع الخطاب الاسلامي الذي يتمحور حول خطاب يقبل بالاندماج في الدولة وخطاب لا يعترف بالدولة. وتري ان مأزق التيار الذي لا يقبل في الدولة لا يمتلك البديل او القدرة علي تمثيل كل فلسطينيي الداخل من المسلمين. وهذا ينبع من ان الدولة في محاولتها لشرذمة المجتمع الفلسطيني الي طوائف وشيع قامت بتسييس المسيحيين والدروز والبدو الا انها حاولت تدجين الاسلام في فلسطين الداخل، من خلال السيطرة عليه وبالتالي دفع الحركة الاسلامية، خاصة تيارها المتشدد للقبول بشروط اللعبة. وتم هذا من خلال البحث عن بديل عن الحركة الاسلامية، فصعود الحركة الاسلامية دفع اسرائيل للبحث عن اطار يسحب البساط من تحت اقدام الاسلاميين. ومن هنا دعمت في نهاية الثمانينات انشاء كلية للدعوة وتخريج الائمة، هي كلية القاسمي التي انشأها تيار صوفي ينتمي الي الجماعة الخلوتية في باقة الشرقية. وقد مثلت الكلية التي اعترفت بها وزارة الاديان حلا لأزمة الائمة الذين كانوا يستوردون بشكل قانوني او غير قانوني من الضفة الغربية وقطاع غزة. ويعود بحث اسرائيل عن حل عندما قررت وزارة الاديان التعاون مع كلية الازهر لتطوير برنامج تعليم وتدريب للائمة بعد افتتاح المدرسة الاحمدية في جامع الجزار. عملية تدريب الائمة ادت في النهاية لجعل الدولة محتكرة للخطاب الاسلامي في المساجد، اذ اصبح الائمة موظفين في الدولة، ومن اعضاء الخدمة المدنية ولديهم رواتب تقاعدية وعلاوات في الاعياد وبدل رحلات، حيث اصبح العمل مغريا خاصة للكثير من الطلاب الذين تخرجوا من الجامعات والمعاهد الاسلامية في الضفة الغربية وصاروا بلا عمل. ولكن غياب الاعتراف بشهاداتهم دفعهم للبحث عن معادلة لشهاداتهم من خلال كلية القاسمي التي تعترف الدولة بشهاداتها. لم يمنع هذا الاحتكار الذي فرض علي الائمة عدم التطرف للامور السياسية ومراقبة نشاطاتهم والتأكد من عدم انتمائهم للتيارات الاسلامية المتشددة من دخول ناشطين في الحركة الاسلامية سلك الخدمة المدنية التابع للدولة، خاصة ان كلية الدعوة الاسلامية ونشر العلوم الاسلامية في ام الفحم لا تعترف الدولة بشهادات من يتخرجون منها. ومن هنا تري الباحثة ان الحركة الاسلامية لم تكن قادرة علي تقديم البديل. تري الباحثة ان مستقبل علاقة الدولة بالاسلام ومحاولة التحكم به وتدجينه اي تخليصه من المفاهيم والنزعات السياسية مرهون في النهاية بمستقبل المستعربين اليهود الذين شكلوا موقف الدولة من الاسلام منذ منتصف القرن الماضي. ومن هنا فان مدير دائرة الاسلام في وزارة الاديان موشيه بن حاييم الذي عمل في الدائرة لمدة طويلة، يري ان الخطر يأتي من المساجد، ومع انه كان وراء الدفع لتعيين الائمة من قبل الدولة، وتدريبهم ان 99 بالمئة من المخاطر علي امن اسرائيل تأتي من المساجد ولهذا نظر لعمله علي انه محاولة لحماية الدولة، ولهذا رفض التفكير في تعيين عربي بدلا عنه، في ظل الكفاءات المتوفرة لدي القطاع العربي. وفي النهاية تري الكاتبة ان محاولة اسرائيل تنظيم العبادة الاسلامية والسيطرة عليها قد لا تنجح في تحديد الهوية الاسلامية الواحدة لانه لا يمكن تحديد مجتمع اسلامي متجانس، تماما كما فشلت الحركة الاسلامية في حشد كل المسلمين ضد الاندماج والمشاركة البرلمانية في الكنيست، ولكن ما يثير في هذا التوجه ان الحركة الاسلامية قد تجد حضورا من داخل نظام الدولة وتواصل تأثيرها. كتاب لوير مهم في تفاصيله خاصة ان شيئا لم يتغير علي الفلسطينيين، وكما اشار كيبل فهو يسد ثغرة في المكتبة الفلسطينية عن وضع فلسطينيي 48 كأقلية وتجادلهم بين هويتين. ويأتي نشر الكتاب في الوقت الذي عاد فيه الجدل في الاسبوعين الماضيين عن وضع العرب داخل اسرائيل خاصة ان احتفالات يوم الارض تقترب. فقد اشارت صحف اسرائيلية الي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت أجري مؤخرا مداولات حول الأقلية العربية في إسرائيل بمشاركة مسؤولين أمنيين علي رأسهم رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) وتم عرض توصيات لمواجهة ما زعم المسؤولون الأمنيون بأنه تطرف متزايد لدي الاقلية العربية وبين هذه التوصيات رفع سقف مطالب الدولة العبرية من مواطنيها العرب. ويري المسؤولون الامنيون ان ما يحدث لدي الأقلية العربية هو الخطر الاستراتيجي الحقيقي علي المدي البعيد علي الطابع اليهودي للدولة وعلي وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية.وبحسب نتائج استطلاع للرأي أشرف عليه رئيس قسم كلية العلوم الاجتماعية في جامعة حيفا البروفيسور سامي سموحة وشمل عينة من المواطنين اليهود مؤلفة من 702 شخص وعينة من المواطنين العرب شملت 721 شخصا.وبحسب الاستطلاع الأكاديمي فإن 68% من اليهود يخشون من احتمال اندلاع انتفاضة عربية داخل إسرائيل فيما قال 63% منهم انهم يمتنعون عن الدخول إلي بلدات عربية في إسرائيل ويخشي 64.4% من اليهود أن يكون المواطنون العرب يشكلون خطرا علي أمن الدولة بسبب نسبة الولادة المرتفعة لدي العرب. ويشعر 70% من اليهود بأنهم بعيدون عن المواطنين العرب ورأي 73% منهم أن مشاعر الولاء لدي العرب في إسرائيل هي لدولة فلسطين أكثر منها لدولة إسرائيل.الكاتبة: لورنس لوير، ولدت عام 1972 وباحثة في المعهد الوطني للعلوم السياسية في باريس، حصلت علي درجة ماجستير في الفلسفة ودكتوراة في علم الاجتماع والعلوم السياسية، حث درست علي يد الباحث في العلوم السياسية وشؤون الحركات الاسلامية جيل كيبل، ودرسة في معهد اللغات الشرقية، حيث درست العربـــــية والعبرية. كتابها ان تكــــــون عربيا في اسرائـــــــــــيل/ Les Citoyens d e Israel صدر عام 2003 عن دار بالاندالكتاب:To Be an Arab in IsraelBy:Laurence LouerTranslated from French by:John KingHirst & Company London/20077

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية