اوباما الحقيقي بدأ ينكشف

حجم الخط
0

انقشع الضباب في الاسبوع الماضي، وبيّن تعيين سوزان رايس لمنصب مستشارة الامن القومي، وسمانثا باور لمنصب سفيرة الولايات المتحدة في الامم المتحدة الى أين يتجه باراك اوباما في الساحة الدولية. إن صورة القيادة العليا السياسية والامنية الجديدة تشهد بصدق على أن أمامنا مجموعة متسقة جدا تنظر الى العالم من خلال عدسات ليبرالية نقية صافية.
إن استقرار رأي البيت الابيض على إحاطة نفسه بأشخاص ذوي بطاقات زيارة فكرية موحدة (ما عدا اختلافات طفيفة في الصلة بالتصور العام لوزير الدفاع تشاك هيغل) هو تحطيم لنمط تقليدي راسخ في السياسة الامريكية، لأن الطموح الى الدفع قدما بأهداف رؤية وترك أثر عقائدي واضح على الواقع الامريكي، يميز على نحو عام زعماء الولايات المتحدة بعد دخولهم المكتب البيضوي في الحال. وفي مقابل ذلك فانه بعد مرور اربع سنوات من التلاقي الدائم بين المثالي والممكن والقابل للتنفيذ، يكون الميل الغالب على الرؤساء الذين حظوا بأن يُنتخبوا لفترة ولاية ثانية، التخلي عن النقاء الفكري وأن يتم تبني بدل ذلك خطوط سياسة عملية تعتمد على معرفة الضرورات القسرية في الطريق الى تحقيق الرؤية الاولى. لكنه حدث العكس عند الرئيس الحالي.
الحديث عن فريق مُشكل مصمم يسعى الى انشاء نظام عالمي جديد يعتمد على دعائم اخلاقية واضحة، هذا مع الاستعداد لتوسيع حواشي التدخل الانساني، حتى لو اقتضى ذلك دخول قلب الظلام، وزاد بذلك خطر التورط المباشر بحروب أهلية دامية.
إن حلقات اربع من مذهب حُراس وحارسات السور والبرج، والحديث عن وزير الخارجية جون كيري ووزير الدفاع تشاك هيغل اللذين قادا معا المعسكر الحمائمي المفرط ، على جانبي المتراس الحزبي في مجلس الشيوخ في الماضي غير البعيد، وعن المدد النسائي الاخير الذي سيندمج اندماجا كاملا في الاربعة الجدد، لأن رايس وباور معا تُظهران حساسية عميقة بالبُعد الانساني في العلاقات الدولية وبضرورة منح مجموعات عرقية وأقليات مضطهدة يتعرض وجودها للخطر الملموس والمباشر، مظلة واقية. وفي حين تطورت هذه الحساسية عند رايس الى صلة بالقارة الافريقية، وتم التعبير عنها تعبيرا بارزا خاصا قبل سنتين، حينما قادت معسكر مؤيدي التدخل الدولي لمواجهة نظام القذافي في ليبيا، كانت الحرب في البلقان بالنسبة لباور بمنزلة واقعة مُشكّلة وسمت وعيها وجعلتها رافعة راية النضال لحماية حقوق الانسان، لا سيما اثناء الحروب الأهلية ـ وهي قد حاربت التطهيرات العرقية التي صاحبتها حينما كانت تعمل صحافية.
ورغم عدم وجود معترض على فضل الأهداف التي يضعها الاربعة الجدد أمام أعينهم، يُسأل سؤال كيف يمكن تحقيقها في أوضاع قد يجلب فيها التدخل للقضاء على نظام قاتل، وارثا لا يقل قسوة ليتولى الحكم (أو الافضاء الى زيادة الانقسام الطائفي الداخلي حدة). وهناك سؤال مقلق آخر يتصل بالتناقض بين تأكيد حقوق الانسان الذي يوجه تفكير الاربعة الجدد في السياق الدولي، وعدم اكتراثهم البارز بما يبدو أنه تغلغل عام من ‘الأخ الأكبر’ في الفضاء المحمي في ظاهر الامر لمواطني الولايات المتحدة. إن حقيقة ان القسم الليبرالي في الجهاز السياسي الامريكي أحجم الى الآن عن تحدي اجتياح وكالات الادارة لمخازن المعلومات عند شبكات الحواسيب الضخمة تثير التساؤل. لأن الشهادات التي كُشف عنها في الآونة الاخيرة عن تعقب واسع لصحافيين وعن اعتراض جماعي لتفصيلات معلومات شخصية (تشمل تسجيلات مكالمات هاتفية) تشير بوضوح الى أن الرئيس الحالي، خاصة الذي كانت تعييناته الاخيرة ترمي الى التعبير بقدر أكبر عن التزامه الذي لا هوادة فيه بقيم الحرية وحقوق الانسان، لم يحجم عن توسيع المسار الذي خطه الرئيس بوش بعد عمليات 11 ايلول/سبتمبر 2001، بل إن اوباما وسع حدود تدخل السلطة في الصعيد المدني والداخلي. ستخبرنا الايام هل تنجح الادارة في تسوية هذا التناقض الأساسي بين الليبرالية المعلنة وأقصى قدر من احترام الحقوق الأساسية في الساحة الداخلية، مع الدفع قدما في نفس الوقت بجملة أهدافها الانسانية وراء البحار.

اسرائيل اليوم 10/6/2013

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية