‘اوبرا الضيعة’ لكركلا: حكاية الصراع بين الغني والفقير

حجم الخط
0

زهرة مرعي

بيروت ـ ‘القدس العربي’ من زهرة مرعي: بنى الفنان عبد الحليم كركلا تراثه المسرحي على حركة الجسد التي خطها في لوحات تسلب الألباب. وهكذا رسخ كركلا في البال كطاقة رائعة في تشكيل لوحة ملحمية تتطاير فيها الأذرع والأكف والأرداف، بتناغم حيناً، وتناقض أحياناً، وتكون الحصيلة بهجة ممتعة في نفس المتلقي. على الدوام تبقى لوحة كركلا تشغل العيون بحركة تسرع من زاوية لأخرى وبالكاد تلمّ ببعض من التفاصيل. كذلك كان كركلا ولا يزال رائداً في اختيار الألوان والأزياء التي ترتديها فرقته الراقصة. أما الموسيقى التي كتبت خصيصاً لمسرحه فلها حكايتها المنفردة، وفيها يعيش الجمهور ألف حكاية وحكاية. منها حكايات النخوة والعز والإنتصار والشرف والشهامة والفرح وربما بعضاً من الشجن. وعندما قرر كركلا الأب الولوج إل جنة مهرجانات بعلبك ولج إلى النص، ولم تعد الحركة وحدها عماد مسرحه بل دخله الحوار. وعندها تضاربت الأراء في تقييم خطوته هذه. بعضهم أحب الجديد وشجعه، وبعضهم بقي على غرامه القديم ووجد فيه تميزاً وفرادة وحرفة خاصة بكركلا دون سواه من أهل المسرح الراقص والإستعراضي.

منذ 16 الجاري أطلق مسرح كركلا على مسرح إيفوار في بيروت مسرحية أوبرا الضيعة ـ سبق تقديمها ضمن مهرجانات بعلبك في صيف 2010 وكانت من بطولة عاصي الحلاني، الذي إعتذر عن المشاركة في العروض الجديدة نظراً لارتباطاته الفنية. والمسرحية في صيغتها الجديدة المعدة للمسرح المقفل هي من بطولة هدى حداد، جوزف عازار، رفعت طربيه، غبريال يمين، سيمون عبيد، إيفون الهاشم، طوني عاد، نبيل كرم، علي الزين، وظهور خاص للمخرج بيرج فازليان، وعميد الفولكلور عمر كركلا.

في أوبرا الضيعة عمد الكاتب الشاعر طلال حيدر إلى استحضار الحالة اللبنانية وصيغتها المبنية على تفريخ صراعات عمرها من عمر التاريخ اللبناني الحديث والقديم. بكل بساطة وبعيداً عن أي أسلوب التفافي أو أية تورية أو حتى استعارات وضعت حالنا على المسرح مباشرة. إنها الضيعة المنقسمة بين حي راس الجرد وحي التل العالي. وبين الحيين يدخل مفتعلي الفتن بجهودهم الحثيثة لرغبتهم الصيد في الماء العكرة. لكن أهل الخير ينتصرون بحكمتهم على نار الشر التي كادت تطيح بالقرية، وبالتالي تصلنا ‘الحكمة’ اللبنانية الأزلية ‘ما حدا بيلغي حدا’ هكذا واضحة بوضوح الشمس.

أوبرا الضيعة ليست صراعاً بين حارتين وحسب، بل هي صراع بين غني وفقير على قلب ليلى. فضلو الفاحش الثراء يريدها عروساً له، وقلبها معلق بمزيان المزارع. بين مزيان وفضلو ضغطت الأم لتحقيق زواج المصلحة. لكن في يوم الزفاف يتضح أن قلب ليلى وروحها مع مزيان، ولم يعد للضيعة عن بكرة أبيها قدرة في خنق هذا الحب. حينها أيضاً ينتصر العقل على المصالح والتقاليد البائدة. إنه الحب الذي يسود في كل مكان وزمان في أوبرا الضيعة.

في هذه الضيعة كما في كل ضيعة ‘هبلون’ يظهر بين الحين والآخر ليطلق حكمه. في أحيان يكون وحيداً في فضاء الضيعة الواسع وفي أحيان أخرى تتداخل حكمه مع محاولات لبث نار الفتنة، فيأتي دوره في إطلاق جملة نقدية أو استنتاجاً ظريفاً، ومن ثم يرفع كتفيه ويتابع طريقه بهدوء مثير للجدل.

كركلاً ملك الحركة الراقصة على المسرح أبدع في تقديم عدد من اللوحات منها لوحة الصراع بين جبهتي الضيعة، ولوحة الحب. ولأننا في ضيعة وفي حياة زراعية كان تداخل في اللوحات الراقصة ما بين ‘الحاصودات والمدرايات’ بحيوية تذكر بحنين لأيام يجهلها كل الجيل الحالي. من الرقص التراثي المتداخل مع حركة معاصرة، إلى لوحات فلكلورية، كان راقصي مسرح كركلا يرسمون بأجسادهم حركة فيها إبتكار وحداثة بقدر ما فيها حفاظ على التراث. أما مسك الختام فكان مع رقص الدبكة التقليدي وعلى حاشيته البارع عمر كركلا. أوبرا الضيعة شعر وحوار الفنان طلال حيدر، موسيقى مركز كركلا للأبحاث بإشراف الموسيقار محمد رضا عليغلي، تصميم الأزياء عبد الحليم كركلا، كوريوغرافيا أليسار كركلا، إخراج إيفان كركلا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية