ايليا ليفوفيتشيفهم اسماعيل هنية شيئا ما يبدو ان بنيامين نتنياهو وسائر الوزراء السبعة الذين يقررون مصائرنا ما يزالون لا يفهمونه. وهو ان انسحاب اسرائيل الى الخط الاخضر وانشاء دولة فلسطينية في حدود 1967 قضاء على الحلم الفلسطيني بعودة العرب الى الرملة والشيخ مؤنس. وهذا هو السبب الرئيس لمعارضة حماس ومنظمات مسلحة اخرى الشديدة لسياسة السلطة الفلسطينية والخطوات التي يخطوها أبو مازن في المدة الاخيرة.
ان دولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967 ستحدث في الشرق الاوسط واقعا جديدا لا يكون فيه باعث قوي بما يكفي لحرب في هذه المنطقة. وسيحدث هذا على رغم أنوف فلسطينيين كثيرين. حينما تعلن اسرائيل انسحابا مطلقا من طرف واحد من جميع المستوطنات الاسرائيلية وراء الخط الاخضر حتى سنة 2018 مثلا، فان المقاومة الأشد لهذه الخطوة التي ستكون مساوية لمقاومة اسرائيليين كثيرين فقط، ستأتي من ناس ومنظمات فلسطينيين. يظن اليمين في اسرائيل ان عباس وسائر قادة فتح والسلطة الفلسطينية هم أوغاد دوليون. وأن نضالهم من اجل دولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967 عرض هدفه الوحيد إحداث منصة قفز للحصول على هدفهم الحقيقي وهو القضاء على اسرائيل.
لا يوجد أي غطاء لتبجح اليمين الاسرائيلي لفهم سرائر وخفايا نفوس القادة العرب وملايين أبناء الشعب الفلسطيني. ومن وجهات نظر اخرى ايضا فان تصور حكومة اسرائيل الحالي العام بدائي وأحادي اللون وصبياني. فالدولة الفلسطينية المستقلة التي يعيش فيها اربعة ملايين أو أكثر من البشر هي واقع يضائل أو يلاشي جميع المطامح تقريبا والغضب والغرائز عند أبناء هذا الشعب لكونه واقعا تحت الاحتلال الاسرائيلي.
من المفهوم ان تحولا في الوعي والثقافة لأمة كاملة لا يحدث بين عشية وضحاها لانه تُحتاج عدة سنين لاستكماله. يحسن ان نُذكر بأنه مر ما لا يزيد على اربع سنين منذ أُنشيء استقلال الشعب االيهودي الى أن وقع ذلك الشعب على اتفاق الدفعات مع الشعب الالماني الذي أباد قبل ذلك بثماني سنين مليونا ونصفا من الاولاد اليهود واربعة ملايين ونصفا من اليهود البالغين.
سيكون في دولة فلسطينية مستقلة ايضا حزب يسمى ‘فلسطين بيتنا’، يكون برنامجه الحزبي احتلال اسرائيل وتحويلها الى عدة محابس داخل فلسطين الكبيرة. لكن ثلاثة ملايين فلسطيني أو اربعة سيكونون مشغولين في الأساس بالانفاق على عائلاتهم وبغضب الواحد على حزب الآخر، وبحسد أغنياء الدولة وشكاوى من اسعار الحمص التي لا تحتمل. سيريد المواطن الصغير في فلسطين ان يسافر الى تركيا لاستجمام يشمل كل شيء. وستشغل لعبة كرة القدم بين بيتار نابلس وبوعيل خانيونس وسائل الاعلام الفلسطينية اسابيع، وستعصف الكشوف عن فساد يتعلق بالتخطيط لسكة الحديد من رام الله الى غزة على طول الممر الآمن عن طريق اسرائيل، بالدولة الفلسطينية وتُحدث زلزالا، يُشعر به ايضا في دوائر المال والسلطة في اسرائيل.
مع الحصول على الاستقلال ستحظى الطبقة العليا بدولة فلسطين وهي التي ستحدد في واقع الامر صورة العلاقة بين فلسطين واسرائيل، بغنيمة التشريفات والخيرات المادية التي الحفاظ عليها هو الباعث الأقوى للطبقة الحاكمة في أكثر بلدان العالم. وستكون هذه الطبقة مشغولة في الأساس بالحفاظ على بقائها وسيكون لها الكثير مما تخسر بحرب مع اسرائيل.
قبل أن يتجه رئيس حكومة فلسطين الى الانشغال باحتلال الرملة من جديد سيضطر الى علاج انقسامات في المجتمع الفلسطيني مصدرها عداوة تقليدية متعلقة بالجغرافيا. وزيدت عليها منذ كانت النكبة رواسب جديدة من خيبة الأمل والعداوة والاحتقار والتحاسد بين فصائل مختلفة من المجتمع الفلسطيني يوجه قسم منها ايضا الى العرب في دولة اسرائيل. وفي اثناء علاجه لمشكلات الاقتصاد والبطالة في دولته لن يبقى لديه وقت فارغ لهذيانات الحرب.
مع ذلك ليس من الممتنع ان ينجح حزب ‘فلسطين بيتنا’ في انشاء تحالف مع ‘الاتحاد الفلسطيني القومي’ وهو حزب تكون المادة الاولى في برنامجه خطة ترحيل لليهود ‘للعودة الى بولندة مسقط رؤوسهم’. وينضم هذا الى حزب ‘البيت المسلم’ لانشاء حكومة في فلسطين تشمل خطوطها الأساسية تحقيق حق عودة عرب فلسطين الى داخل دولة اسرائيل.
اذا حدث هذا فسيعرف الجيش الاسرائيلي كيف يُسكن بواعث الحرب عند هذه الحكومة كما يفعل بنجاح باصوات الحرب التي تُسمع من أفواه حكومات دول اخرى معادية لاسرائيل. اذا لم يكن من الحقيقة ان وزراء الثمانية الاسرائيلية لا يفهمون كل هذا ويفهمون ما يفهمه هنية فان وضعنا أخطر كثيرا.
هآرتس 12/10/2011