حكومته لن تصمد امام التطورات السياسية الاخيرة
لا يشعر الجمهور أن وقف اطلاق النار مع الفلسطينيين الذي بدأ هذا الاسبوع، يشكل تحولا حقيقيا، قد يفضي الي تحادث موضوعي في تسوية سلمية. لقد جربت اسرائيل أكثر من مرة وقفا لاطلاق النار استغلته المنظمات الارهابية لتسلح آخر، ولم يكن فيه أي تعبير عن استعداد للمفاوضة في مصالحة ما.
بعد يوم واحد فقط من بدء وقف اطلاق النار ـ الذي نقضه الفلسطينيون عدة مرات ـ خرج رئيس الحكومة اهود اولمرت مع سلسلة من التصريحات، تهدف الي حث الفلسطينيين علي البدء بتفاوض في التسوية السلمية. قصد رئيس الحكومة بالخطوط التي رسمها أن يجتذب قلوبهم، لكن الواقع صفعه علي وجهه سريعا. ففي حين كان ينثر الوعود بسخاء منها: الاستعداد لازالة مستوطنات كثيرة ولتسليم مناطق كبيرة للتمكين من تواصل جغرافي للدولة الفلسطينية عندما تقوم، واطلاق أسري حُكم عليهم بفترات سجن طويلة وغير ذلك، كانت ردود المنظمات الارهابية، وعلي رأسها حماس، متحفظة.
لم يتحدث اولمرت في الحقيقة هذه المرة عن انطواء أحادي، لكن من جهة التنازلات المبالغ فيها، طابقت تصريحاته روح خطته الداحضة السابقة. ذكر اولمرت أن المسيرة السلمية يجب أن تتم علي حسب خريطة الطريق، التي أبدعها رئيس الولايات المتحدة بوش. يثور السؤال كيف سيتناول رئيس الحكومة مباديء هذه الخطة. فعلي سبيل المثال هل سيكون موقفه مطابقا لموقف ارييل شارون؟ توصل شارون الي تفاهم مع بوش، بأن لا يُفتتح تفاوض إلا بعد تحقيق المادة الاولي من خريطة الطريق، ومضمونها ان السلطة الفلسطينية يجب عليها أن تضع حدا لاعمال العنف ضد اسرائيل، وأن تفكك المنظمات الارهابية وأن تنقل اسلحتها اليها. رأي شارون هذا الشرط أكبر انجاز من ناحية اسرائيل، كموازنة للاستعداد الاسرائيلي للتسليم بدولة فلسطينية. أيدت الرباعية ايضا هذا الموقف.
في فترة حكومة شارون جُمدت العملية بسبب عدم استعداد أبو مازن لاقامة الشرط الذي في المادة الاولي. اليوم، احتمالات أن تكون خريطة الطريق أساسا للتفاوض أضعف، لان فوز حماس بالسلطة يمنع أبو مازن من توجيه العملية السياسية كما يشاء. عاد رؤساء المنظمة المتشددة وأعلنوا من وقت قريب، بأنهم لن يعترفوا باسرائيل وسيكونون مستعدين للبحث معها في تسوية اذا ما انسحبت من جميع المناطق فقط، وفي ضمنها القدس، ووافقت علي اعادة اللاجئين الي اماكنهم.
الآن، مع احراز وقف اطلاق النار، وفي حين لا يستطيع أحد أن يُقدر الي متي سيستمر، هناك تخوف من أن تري الدول الاوروبية ذلك انجازا يجب الحفاظ عليه، وأن تُضيق علي اسرائيل لتوافق علي التفاوض بلا شروط. من هذه الجهة من المناسب تتبع التفاهمات التي سيتم الحصول عليها في عمان، في اللقاء القريب بين الرئيس بوش والملك عبد الله. اذا ما تفضلت حكومة اسرائيل بالتفاوض مع السلطة الفلسطينية من غير أن تُصر علي اقامة الشرط الاول، فانها ستُدخل الدولة الي شرك خطر: سيُطلب من اسرائيل تنازلات للتمكين من اقامة دولة فلسطينية، بينما ستظل المنظمات الارهابية المتشددة علي حالها، من غير قبول أي طاعة، وسيواصل السلاح المطور الذي تجمعه بكميات ضخمة تهديد اسرائيل.
هل ستكون حكومة اولمرت الخاضعة، ذات الأسس الواهية، التي لم تتحرر بعد من صدمة حرب لبنان الثانية وينتظر رؤوسها نتائج لجنة الفحص في هذه القضية، قادرة علي الصمود بقوة حيال تطورات كهذه؟ أشك كثيرا.
يوسف حريفكاتب يميني مخضرم(معاريف) 29/11/2006