جرى العرف عند جميع الأمم، اتخاذ أيام أعياد لمناسبات وطنية فارقة، أو مناسبات دينية خالدة، أيام سرور وحبور ليوم ممجد في ذاكرة الوطن، أو مقدس في روح الأمة، والأمة الإسلامية رائدة الأمم في تقديس أيام العيد، فهي عموما ما تكون مناسبة تتويج مرحلة، أو محطة وقوف مع الذات، وهدنة عن الحزن، ومعانقة الفرح، ولعنة للأنانية، ورفعا لعلم التآخي والتضامن، وغرسا للأمل والإيجابية، ودفنا لليأس والسلبية، وفرصة لإعادة عداد المشاكسات والخلافات والعداوات إلى الصفر، يوم تقبر فيه الشياطين، وتنتشر فيه الملائكة، ونسائم الهناء والطمأنينة تهب على أطراف البلد من كل حدب وصوب.أيام العيد تمجيد لله وتكبير لذاته، وانكسار لعظمته، وشكر لنعمه، واقتباس من نوره، واستلهام من حكمته، وخضوع لمشيئته، ودعوة لكرمه وجوده، واستغاثة لقدرته أن ينقلنا من حال إلى أحسن الأحوال، وأن يحفظنا في نفوسنا وعائلاتنا وبلادنا وأمتنا، وأن يكلأنا برعايته وحفظه، وأن يتغمدنا برحمته، ويديم علينا نعمائه.أيام العيد في زمن الربيع العربي، انصبغت تارة بالبياض شعورا بانقشاع الظلم، وانتشار العدالة ، واستعادة كرامة الأمة، وتارة انصبغت بالرمادي حيرة بين ماض مؤلم، ومستقبل مظلم، وتارة تنصبغ أيام العيد بالسواد القاتم، حين تعود الأنهار حمراء بالدم، والأجواء ملبدة بالدخان والغبار، والقلوب سوداء بالكره والعداء، والنفوس ميتة من الضمير الإنساني.في أيام العيد، في زمن الربيع العربي، للشعوب فرحتان:’فرحة بالتحرير من القيود، والتخلص من الكوابيس، وانتشار الهناء، وفرحة لما يلقون ربهم وقد أدوا واجب النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإماطة الأذى عن الطريق، وجهاد إزالة الباطل وجهاد بناء الحق.لا يهنأ مسلم وهو يرى حال أمته المزري، من اقتتال ودمار ودماء وأشلاء وقلاقل وفتن، إلى حد أننا لا نعرف تغيير المنكر إلا تغييرا إلى منكر أخف، ليس إلى معروف أعز، وليس في أدعيتنا إلا طلب تقليل الشر وتخفيف الضر. ”و لله در الأديب الشيخ الراحل علي الطنطاوي رحمه الله لما قال: ‘أين العيد وهذه حال المسلمين، وكيف يبتسم القلب وهو يبكي دما لما يسمع ويرى؟! وكيف نقول لمن نلقاه:’كل عام وأنتم بخير، وما نحن بخير هذا العام، ولا كنا بخير العام الذي قبله؟ ولو أنه يجوز اليأس لقلت إننا لا ننتظر أن نكون بخير العام الذي بعده، فلا تقولوا (كل عام وأنتم بخير)، ولكن قولوا لمن تلقونه هذا العيد:’ما كل عام وأنتم بشر!’ ””’أعاد الله أيام العيد علينا ونحن على أحسن الأحوال، في روح وريحان وأمان وإيمان. كل عام ونحن بخير إن شاء الله، ومن الشر مبتعدين!عبد الكريم رضا بن يخلف[email protected]