يبدو ان صبر الرئيس الامريكي جورج بوش بدأ يتآكل، وان يام حكومة نوري المالكي في العراق باتت معدودة للغاية، ويتضح هذا بجلاء من خلال التصريحات التي ادلي بها الرئيس بوش يوم امس وخصصها للحديث عن الاوضاع المتدهورة في العراق.
فاللافت ان هوة بدأت تتسع بين الرئيس الامريكي والائتلاف الشيعي الحاكم في بغداد، مما يعكس وجود توجه نحو تغيير الاستراتيجية الامريكية في التعاطي مع الشأن العراقي.
السيد المالكي ابدي اعتراضه الشديد علي الغارة الامريكية التي استهدفت قوات جيش المهدي التابعة للسيد مقتدي الصدر في منطقة العمارة وأسفرت عن مقتل واصابة المئات. وقال انه سيطلب توضيحات من الادارة الامريكية حول هذه المسألة، الأمر الذي يتعارض مع التأكيدات الامريكية التي تفيد بأن هذه الغارة جاءت بعد موافقة حكومة المالكي، وبتنسيق مسبق معها.
التعاطي الامريكي الجديد مع الشأن العراقي ربما يكون مختلفا، من حيث نسج تحالفات مع قوي اخري علي الساحة العراقية وعدم الاستمرار في الرهان علي السيد المالكي والتحالف الشيعي الذي يمثله، وهذا ما يفسر الانباء التي تتسرب بين الحين والآخر عن وجود اتصالات سرية بين مسؤولين امريكيين وجماعات عراقية سنية مسلحة ترفع راية المقاومة ضد الوجود الامريكي.
الامر المؤكد ان الادارة الامريكية توصلت الي قناعة مفادها عدم جدوي الاستمرار في تأييد حكومة المالكي بسبب عجزها عن الالتزام بتعهداتها في بسط الامن، وحل الميليشيات الطائفية، وتحقيق المصالحة الوطنية بين مختلف الطوائف والاعراق في العراق. وهذا ما يفسر قول الرئيس بوش في مؤتمره الصحافي الذي عقده امس بان لصبر امريكا حدودا.
فالسيد المالكي فشل فشلا ذريعا في فرض الامن في العراق، ومنع فرق الموت التابعة لحلفائه في التحالف الحاكم من مواصلة تصفياتها الجسدية للعراقيين من ابناء الطائفة الاخري، مثلما فشل في منع الاقتتال بين ميليشيا قوات بدر التابعة للسيد عبد العزيز الحكيم، وقوات جيش المهدي التابعة للسيد مقتدي الصدر في العمارة والحلة.
الرئيس بوش بدأ يدرك ان سياسته في العراق انعكست سلبا علي شعبيته وشعبية حزبه في اوساط الامريكيين، وباتت معظم التحليلات ترجح فوزا كبيرا للحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية للكونغرس، الأمر الذي سيجعل الرئيس بوش بطة عرجاء لا يسيطر علي الاوضاع في بلاده في العامين المقبلين المتبقيين من فترة رئاسته الثانية.
لعنة العراق باتت تطارد الرئيس بوش واعضاء ادارته، وتعطي مفعولها مباشرة من خلال التقارير الاعلامية التي تكشف فشل السياسة الامريكية في العراق، وتحول هذا البلد الي فييتنام اخري للادارة الجمهورية الحاكمة. فالرئيس بوش اعترف بان شهر تشرين الاول (اكتوبر) الحالي الذي قتل فيه حوالي 95 جنديا امريكيا حتي الآن كان الشهر الاسوأ والاكثر دموية منذ بداية الاحتلال الامريكي.
شهر عسل الائتلاف الحاكم في العراق مع الادارة الامريكية بدأ يقترب من نهايته وبسرعة قياسية، وباتت العديد من الاقلام تؤكد خطأ الغزو الامريكي، وتترحم علي ايام حكم الرئيس العراقي صدام حسين، باعتبارها كانت ايام امن واستقرار، علي عكس ايام الديمقراطية الامريكية الحالية التي باتت مرتبطة باكثر من 655 الف قتيل عراقي وثلاثة آلاف قتيل امريكي، وبغياب كامل للأمن والخدمات الاساسية من صحة وتعليم وماء وكهرباء ووظائف.
الانقلاب السياسي، وربما العسكري، للإطاحة بحكومة المالكي بات مسألة وقت وتوقيت، وقد يكون اسرع مما توقعه الكثيرون داخل العراق وخارجه، فالوضع في العراق بات خارج نطاق الاحتمال الامريكي ناهيك عن احتمال العراقيين انفسهم.