تقديم وترجمة: ابراهيم درويشاثار قبول الروائي البريطاني ايان ماكيوان ‘جائزة القدس’ الثقافية الاسرائيلية جدلا في الاوساط الادبية البريطانية حيث دعاه الكثير من المثفقين والناشطين في بريطانيا واسرائيل وفلسطين إلى عدم قبولها وقاموا بتوقيع رسائل نشرت في صحيفة ‘الغارديان’ بهذا الصدد. ورفض الكاتب البريطاني المعروف الدعوات التي وجهت اليه ومضى في زيارته التي تخللتها زيارة رمزية اثناء تواجده في القدس للحي الشرقي منها، وشاهد بنفسه ما يجري من عمليات جرف وتدمير لبيوت الفلسطينيين وكان بصحبته الروائي الاسرائيلي ديفيد غروسمان. وحاول ماكيوان ان يعوض عن ذنبه بقبول جائزة دولة معروف سجلها وموقفها من اهالي الارض المحتلة بنقد السياسات الاسرائيلية في الارض المحتلة، مع انه كان يعرف ان اسرائيل تحكمها اليوم حكومة يمين متطرف لم يمر على تاريخ اسرائيل مثلها. ومن هنا ربط الكاتب المعروف نفسه واسمه بهذه الحكومة وافعالها، ونقده في النهاية لها ولسياساتها ليس شجاعة الحق او كلمة حق عند سلطان جائر لانه كان من الاولى به ان لا يقبل الجائزة منذ البداية، كما فعل اخرون في مناسبات وجوائز اخرى. ولتطهير ضميره ايضا قام بالتبرع بقيمة الجائز لجماعة اسرائيلية ـ فلسطينية مكرسة للسلام. المهم في موقف ماكيوان انه على الرغم من موقف الرافض اولا لنصائح زملائه بعدم توريط نفسه في الجائزة حاول بعد ذلك ‘ترقيع’ موقفه من خلال كلمات شجبت ‘العدمية’ الاسرائيلية والاقصاء ودعا إلى الحوار والحوار على طريقة القذافي ‘ارقصوا وغنوا واسهروا’. وفي خطابه الذي القاه في حفل تسلمه الجائزة قال انه منذ ان قرر قبول الجائزة فان ايامه ‘لم تعد هادئة’ وقال ان ‘الكثير من الافراد والجماعات قد حثوني بشكل ما او وبطريقة مؤدبة على ان ارفض الجائزة التي تعترف بالكتابة التي تعمل على دعم ونشر (حرية الافراد في المجتمع)’. واضاف ان ‘احدى المؤسسات كتبت الى صحيفة تقول انه مهما كان ايماني بالادب، ونبالته وقدرته على التواصل، فبقراري لن اكون بمعزل عن السياسة’. وفي خطابه ركز على الجانب الابداعي في اسرائيل وروح الديمقراطية والانفتاح منذ اول يوم انشئت فيه اسرائيل مشيرا الى رواية يزهار سميلانسكي ‘خربة خزعة’. واشار الى ‘عدمية’ حماس ورفضها لاسرائيل واعتمادها على بروتوكولات حكماء صهيون المزيفة، وتحدث عن ضعف الفلسطينيين وتمزقهم، وعدم وجود مؤسسات ديمقراطية فيما ترفض اسرائيل الاستجابة لآمال الفلسطينيين المستعدة للسلام. ويبدو ماكيوان في خطابه ناقدا لاسرائيل على السطح ولكنه اعتذاري ويحاول الاحتفاء بكل ما قدمته من الفن والادب والاختراعات العلمية. كل هذا من ‘بلد صغير’ ولم تفلح محاولته لربط تاريخ ولادة الرواية التي تعطي الافراد حق السيادة على انفسهم بالوضع في المنطقة حيث استخدم الكلمة العبرية لوصف الحال.
الاحتجاجومن ضمن الرسائل المحتجة تلك التي نشرتها صحيفة ‘الغارديان’ لمجموعة من المثقفين والشخصيات (36 شخصية) ردا على خطا الروائي البريطاني الذي قالت انه بدا منافقا مع انه حاول ‘تمسيد’ ضميره وارضاءه ضد ممارسات الهدم والطرد والاستبعاد التي تقوم بها الحكومة الاسرائيلية. وجاء في الرسالة ان العبارات النقدية هذه لن ترضي نقاده، فلو قام برفض الجائزة المدعومة من الدولة، وعبر عن احتجاجه في القدس ولم يكتف بنقد العدمية الاسرائيلية فقط بل الحماس الكولونيالي ولكانت عندها عباراته الشاجبة ستحمل موقفا يستحق الاحترام عليه. وقالت الرسالة ان ماكيوان قدم لعمدة القدس نير بركات، منبرا ذهبيا للتعبير عن مواقفه المثيرة للغضب، وتحدثت عن الممارسات التي يقوم بها ضد الناشطين وسكان القدس الشرقية والنشاط الاستيطاني فيها. واضافت ان نقد المستوطنات في وقت يتقبل فيه الجائزة يظهر على انه نفاق. وقالت ان ماكيوان على الرغم من دفاعه عن موقفه قبل تلقيه الرسالة الا انه تجاهل كل النصائح والنقاش الخاص والعام الذي دعاه لرفض الجائزة. وختم الموقعون على الرسالة رسالتهم بقولهم انه قام بتهميش الكثيرين من الكتاب الفلسطينيين. ووقع الرسالة عدد من اعضاء حركة المقاطعة والعقوبات وفضح اسرائيل. وفي رسالة سابقة من اعضاء المجموعة الاسرائيلية نشرتها نفس الصحيفة الشهر الماضي اكد فيها الموقعون على ان قبول ماكيوان الجائزة يجعله ‘متعاونا – عميلا’، ومشاركا لها في سجلها الاسود في حقوق الانسان وسياستها، ‘عمل كما هو معتاد’. وقالوا ان الجائزة تقدمها المؤسسة السياسية التي تريد ان تقدم الدولة والقدس تحديدا على انها مركز الحرية والديمقراطية. واضافت ان ماكيوان سيضع نفسه في يد مجموعة تصافح يده وترغب في غسلها من الجرائم والانتهاكات. والاهم من ذلك فمجرد وجود ماكيوان في القدس يعني اضفاء الشرعية على سياسات نير بركات عمدة القدس. وساءل الموقعون ماكيوان كيف يوفق بين شجبه للاستيطان وبين تقبله حفاوة المجموعة المسؤولة عن هذه الاعمال المقيتة؟ وحتى يعرف القارئ على الجانب المتناقض في موقف ماكيوان نقدم له خطابه الذي القاه في القدس يوم 20 شباط (فبراير)2011 بعد ان ترجمناه.
الخطاب ‘منذ ان اعلنت عن قبولي الدعوة للقدس لاستلام (جائزة القدس) المعروفة، تغيرت وتيرة حياتي الهادئة. فقد قامت جماعات وافراد بطرق متعددة، وبمستويات مختلفة من الرصانة بالالحاح عليّ لرفض الجائزة التي تعترف بالادب الذي يعمل على نشر فكرة (حرية الافراد في المجتمع). فواحدة من المنظمات قامت بالكتابة الى صحيفة وطنية قالت فيها انه ايا كان ايماني بالادب، نبالته ومداه فانني لن اكون في مأمن عن التهرب من تبعات قراري. بتردد وبشكل محزن، عليّ الاعتراف بأن ما قالته المنظمة كان هو الواقع، فقد اتيت من بلد مستقر نسبيا، قد يكون لدينا مشردون ولكنْ لدينا وطن، وعلى الاقل فان مستقبل بريطانيا لا يشكك فيه احد، الا في حالة تفتتها عبر تفويض سلمي وديمقراطي، كما اننا (في بريطانيا) لا نعاني من تهديد جيران عدوانيين ولم نهجر، فالادباء في بلدي لديهم الراحة كي يتجنبوا الكتابة عن السياسة حسب ما يريدون. وهنا، بالنسبة للروائيين الاسرائيليين والفلسطينيين فان (الوضع) (هامستاف) دائما موجود ويضغط عليهم، كواجب وعبء او هوس مثمر. كما ان التخلف عن معالجته يعتبر كفاحا ابداعيا اخر، واود القول، كقاعدة عامة، انه عندما تنخر السياسة كل زاوية من زوايا الوجود، فهذا يعني ان امرا ما قد حدث، فلا احد يستطيع التظاهرهنا ان كل شيء على ما يرام، خاصة عندما تتحول حالة الافراد، كل الافراد بطريقة تعوزها الحكمة إلى وضع لا يتوافق مع الواقع الحالي في القدس.
عندما قررت الحضور الى هنا، قصدت النصح من كاتب اسرائيلي صديق، رجل احترمه بشكل كبير، وقد حاول تطميني، وكانت اول كلماته لي هي (في المرة التالية احصل على جائزتك الادبية من الدانمارك)، هناك عدد من الذين قبلوا الجائزة في السابق قد تحدثوا بصراحة عما يعتقدونه في الاحتفالات واغضبوا الحاضرين، ولكن الجميع يعرفون هذه الحقيقة البسيطة، فعندما تخصص جائزة للفلاسفة والكتاب المبدعين، تكون قد اعتنقت حرية التفكير والخطاب المفتوح. وعليه فانني ارى في استمرارية (جائزة القدس) احتفالا بالتقاليد التي لا تقدر بثمن لقيم الديمقراطية في اسرائيل.
الرواية والفرد ان تقاليد الرواية التي اعمل من خلالها لها جذورها في الطاقات العلمانية التي تعود للتنوير الاوروبي، وهي الفترة التي بدأ فيها الفلاسفة ينظرون بجدية ويلتفتون الى الاوضاع الفردية والاجتماعية بطريقة مدروسة. وادى هذا الى نشوء طبقة محظوظة نسبيا من القراء الذين كان لديهم الوقت الكافي للنظر والتفكير ليس في مجتمعهم فقط بل وفي علاقاتهم الحميمية، ووجدوا ان اهتماماتهم هذه قد انعكست وتوسعت في الرواية. فقد تم في اعمال (جوناثان) سويفت و (دانيال) ديفو، امتحان الافراد والسخرية من مجتمعاتهم او حكم عليها من خلال الرحلات الفتنازية او الوقائع الحقيقية. وفي اعمال (صمويل ) ريتشاردسون، التي يمكن اعتبارها اول محاولة يتم فيها التعبير وبطريقة متجذرة عن الوعي الفردي، وكذا في اعمال (ويليام) فيلدنغ، الذي منح الافراد رؤية كاملة عن المجتمع ولكن بروحية لطيفة وكوميديا شاملة. واخيرا جاء المجد المتوج عند (جين) اوستن، حيث قدمت في اعمالها مصائر الافراد عبر مزاج جديد من السرد وسلمته الى الاجيال اللاحقة من الروائيين ـ في أسلوب حر، غير مباشر سمح لظهور سرد موضوعي بصيغة الغائب ممزوجا وملونا بسرد ذاتي، تقنية سرد اعطت للشخوص والافراد في الرواية، مساحة اوسع للنمو. فخلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وفي اعمال اساتذة الرواية كتشارلز ديكنز وجورج اليوت وجيمس جويس وفرجينيا وولف، تمت تنقية الاساليب الخادعة للشخصية وتمثيل الوعي، مما ادى الى جعل الرواية وسيلة حساسة مهمة لاستكشاف حرية الافراد، وهذا الاستكشاف عادة يصور ما يحدث عندما يتم استبعاد الحرية.
علمانية الروايةان هذه التقاليد وبشكل اساسي علمانية – جاءت اما صدفة او تعبيراً عن فعل انساني لا الهي، او قد تكون نتاجا للقدر. انها شكل، يعبر عن التشاركية والمسامحة وفضولية عميقة تريد معرفة ما يدور في العقول الاخرى، وماذا يعني ان تكون شخصا ما. وفي داخل هذه التقاليد فان شخوص (الرواية) الرئيسيين سواء كانوا – من الطبقة الدنيا او العليا، اغنياء او معذبين، فانها تكون قادرة، وبنوع من الانتباه الكتابي الالهي، او التركيز، بمنح احترام للاشخاص. ومن هنا فان التقاليد الروائية الانكليزية هي واحدة من تقاليد عدة، ولكنها مرتبطة بطريقة حميمية بالتقاليد (الروائية) الاخرى. فنحن نتحدث عن التقاليد اليهودية في الرواية – واسعة ومعقدة وتقليدية ولكنها تظل محكومة بالتيمة المشتركة: مع انها في بعض الاحيان تتميز بالمرح والسخرية تجاه الرب او قبول يظلل كوميديا الغيب، وفوق كل هذا وفي عالم المعاناة والاضطهاد، تتعاطف مع الافراد كضحايا. واخيرا تملك التصميم على منح المضطهدين الاحترام الذي يمكن للرواية ان تمنحه، وهي تحاول اضاءة العالم الداخلي (للانسان). نعثر على هذه الملامح في المجازات الوجودية في قصة ‘ارض العقاب’ و ‘المحكمة’ لـ (فرانز) كافكا وفي حزن وجمال برونو تشولز وفي اعمال بريمو ليفي حيث يمنح الافراد صوتا في جحيم ‘الشوا’ (الهولوكوست) التي يتم فيها تصنيع الوحشية والتي تظل الاسلوب الاكبر للحرمان الانساني او تعبيرا عن الطريقة التي نتهاوى فيها. وفي اعمال اي بي سالينجر التي منحت الكرامة للمهاجرين وحيواتهم الضيقة. وبطريقة اخرى نجد تيمات موازية لهذه عند سول بيلو، الذي يعذب ابطاله المثقفين وهم يحاولون النجاح داخل ثقافة مادية خشنة. فدائما يتم التعبير عن الضحية والغريب والمنبوذ والوجه الوحيد في الزحام بمجد الذرات السحرية للرواية ـ الذرات التي تظل وصفتها سرا معروفا – وتعني انتباها كاملا للتفاصيل وتعاطفا واحتراما.
خربة خزعة ان هذه التقاليد تم التمسك بها وبقوة داخل الثقافة الادبية الاسرائيلية ـ ومنذ انشاء دولة اسرائيل. واحد من الاكتشافات التي عرفتها قبل فترة هي رواية يزهار (سيملانسكي) ‘خربة خزعة’ والتي نشرت عام 1949. والتي تقدم وصفا مبهرا لعملية تنظيف قرية عربية خلال حرب عام 1948، والاحتجاج الذي لا يغادر حنجرة سارد الرواية وهو يشاهد تدمير البيوت واجبارالقرويين على مغادرة ارضهم. انها تحية لمجتمع مفتوح فقد ظلت هذه الرواية القصيرة متطلبا يقرأه ابناء المدارس الاسرائيلية. ‘خربة خزعة’ تظل وبشكل مؤلم ذات علاقة بالوضع والمسؤولية الاخلاقية (التي تحدثت عنها) حية للآن. عوز ويهوشواع وغروسمانهناك الكثير من الروائيين الذين يمكن للواحد ان يذكرهم هنا، لكن دعوني اخص بالذكر ثلاث شخصيات كبيرة تحظى باحترام وحب القراء حول العالم: عاموس عوز وابراهام يهوشواع وديفيد غروسمان. كتاب مختلفون ولكن مواقفهم السياسية متشابهة الى حد ما ومتداخلة. كتاب يحبون بلدهم وقدموا تضحيات من اجله وعبروا عن خوف من الطريق الذي تسيره، كما ان اعمالهم لم تتقاصر عن تلك الذرات السحرية للرواية. وخلال تجربتهم الروائية الطويلة عارضوا الاستيطان، وهم ومع المجتمع الادبي الاسرائيلي الشاب يمثلون ضمير وذاكرة وفوق كل هذا امل البلد. واعتقد انه باستطاعتي القول ان هؤلاء الكتاب الثلاثة يشعرون في السنوات الاخيرة ان الزمن اخذ يعمل ضد آمالهم.
العدميةوهنا اود الاشارة بعض الشيء الى العدمية. فحماس التي يشمل ميثاقهاعلى مواد سامة من ‘بتروكولات حكماء صهيون’ المفبركة، تؤمن بعدمية العمليات الانتحارية واطلاق الصواريخ بطريقة عشوائية على المدن الاسرائيلية واعتنقت سياسة عدمية ابادية تجاه اسرائيل. لكن العدمية هذه هي نفسها التي اطلقت صواريخ عام 2008 على بيت الطبيب الفلسطيني الاعزل في غزة، عز الدين ابوالعيش، وقتلت بناته الثلاث وابنة اخته. كما انه من العدمية ان تقيم معسكرا ـ سجنا دائما في قطاع غزة، والعدمية نفسها هي التي فتحت تسونامي الاسمنت في كل انحاء الاراضي المحتلة.
عندما مدحني اعضاء لجنة تحكيم هذه الجائزة وانهم اختاروني بسبب (حبي للناس واهتمامي بحقهم في التعبير عن ذواتهم)، يبدو انهم طلبوا ان اذكر واشعر هنا بانني مجبر على ذكره وهو ان استمرار الطرد والهدم والشراء المستمر لبيوت الفلسطينيين في شرقي القدس، واجراءات منح حق العودة لليهود وليس للعرب، كل هذه الاجراءات هي ما تعرف بـ (خلق حقائق على الارض)، ما هي الا اسمنت صلب يتم صبه على المستقبل، على الاجيال الاسرائيلية والفلسطينية القادمة التي سترث النزاع وستجد صعوبة في حله اكثر من اليوم، وصعوبة اكبر في تأكيد حقهم بالتعبير عن ذاتهم ـ انفسهم.
يبدو واضحا بالنسبة للملحد المتواضع ـ انه حينما يأخذ اعضاء الاطراف السياسية الهامهم من الهتهم المحترمة – فان الحل السلمي سيبتعد اكثر، ولكنني هنا لست مهتما بحوار على قدر متساو، فهناك ظلم واضح للعيان معلق في الجو، عن ناس تم طردهم، ومن جانب اخر هناك ديمقراطية ثمينة تتعرض للتهديد من جيران معادين، إلى درجة التهديد بالابادة من دولة تقترب من انتاج القنبلة النووية.
العودة الى لينينوالسؤال الملح هنا هو مقولة لينين: ما الذي يجب فعله؟ ومتى سنطرح السؤال، ونتساءل ايضا، عمّن سيطرحه ومن يملك القوة للفعل؟ الفلسطينيون منقسمون على انفسهم، مؤسساتهم الديمقراطية ضعيفة او غير موجودة، فيما ثبت ان جهادية العنف طريق يقود لهزيمة الذات، لم يكونوا محظوظين بقياداتهم ومع ذلك يوجد فلسطينيون كثر جاهزون للحل، الروح موجودة.
وماذا عن اسرائيل؟ صدق او لا تصدق، فهناك وسط حسابي لقياس الطاقات الابداعية للامة. انظر الى عدد الكتب المترجمة من والى العبرية، او الى عدد طلبات براءات الاختراعات (شيء يثير الاعجاب من امة صغيرة)، والانجازات في مجال تكنولوجيا الطاقة الشمسية، والتذاكر التي بيعت كلها من كل انحاء العالم للحفل الموسيقي في القدس.
ان مؤشر الابداعية عال وكذا القدرة، ولكن اين هي الابداعية السياسية الاسرائيلية؟ في اي شيء يمكن للساسة القوميين المنافسة وبشكل بنيوي الفنانين والعلماء الاسرائيليين؟ بالتأكيد ليس بخلاطة الاسمنت. بالتأكيد ليست بقرارات الطرد. علينا كلنا ان نقرأ الوثائق التي سربت وبثتها قناة ‘الجزيرة’ القطرية. هذا بالتأكيد ليس افضل ما يملكه الساسة الاسرائيليون وما يمكنهم فعله عندما يهبطون لما وصفه ديفيد غروسمان ‘اغراء القوة’، حيث رموا جانبا بطريقة لامبالية التنازلات التي قدمتها السلطة الوطنية الفلسطينية. العدم وابداع التغييرفي هذا السياق، فان مقابل العدم هو الابداعية، ومزاج التغيير، والجوع لدى الافراد للحرية الذي ينتشر في كل انحاء الشرق الاوسط والذي يجب ان ينظر اليه كفرصة اكثر من كونه تهديدا. فعندما قرر المصريون بجماهيرهم كلها اصلاح مجتمعهم والتفكير بطريقة ايجابية وتحمل المسؤولية عن شعبهم واخذ الامر بايديهم، عندها لن يكونوا قادرين على تعليق حظوظهم السيئة على الاجنبي. انه الوقت المناسب لاعادة عملية السلام، لان الوضع الجديد يتطلب ابداعية واضحة في مجال التفكير السياسي وليس التراجع والتمترس بعقلية الخندق او الاختباء وراء جدران اسمنتية جديدة.
بعد زيارة لها، اعتبرت مفوضة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة اطلاق الصواريخ على اسرائيل يمثل جريمة حرب، واشارت الى ان عمليات الضم للقدس الشرقية يعتبر خرقا للقانون الدولي وان القدس الشرقية وبشكل مستمر يتم تجفيفها من سكانها الفلسطينيين.
الرواية والمدينة هناك بالتأكيد تشابه بين الرواية والمدينة. فالرواية طبعا ليست مجرد كتاب، او جسد مكون من اغلفة وصفحات، ولكنها فضاء عقلي، مكان للاستكشاف، والتحقيق في الطبيعة الانسانية. وكذلك المدينة، فهي ليست كتلا من البنايات او الشوارع، فهي ايضا فضاء عقلي، حقل من الاحلام والنضال. وداخل الكينونتين، ناس، افراد، خياليون وحقيقيون، يناضلون من اجل (تأكيد ذاتهم). دعوني اكرر، الرواية كشكل ادبي جاءت نتاج بحث عن احترام الافراد، وتقاليدها تدفع باتجاه التشاركية، الانفتاح، والرغبة العاطفية كي تعيش في عقول الاخرين. لا يوجد رجل او امرأة، اسرائيلي وفلسطيني، او من اية ارضية اخرى، ممن لا تستطيع الرواية اعادة تشكيله وبحنان. في النهاية، الرواية وبشكل فطري ديمقراطية، وآمل ان تقوم السلطات في العاصمة التوأم ـ في يوم ما، آمل – بالنظر لمستقبل ابنائها والنزاعات المحتملة التي ستغمرهم، وان تقوم بانهاء الاستيطان والتوغل (في اراضي الفلسطينيين) وان تتطلع إلى إبداعية وانفتاح، واحترام، والظروف الجمعية للرواية.
عن الكاتبايان ماكيوان كاتب بريطاني ولد عام 1948 في اولدرشوت ـ انكلترا، تخرج عام 1970 من جامعة ساسكس وحصل على الماجستير من جامعة ايست انغليا، حاز على عدد من الجوائز الادبية عن قصصه القصيرة ‘الحب الاول’ و ‘الطقس الاخير’، ونال جائزة بوكر الادبية عام 1998 عن روايته ‘امستردام’ وكتب بالاضافة لها عدداً آخر منها ‘شمسي’ و ‘سبت’ و ‘تطهر’.