محمد صادق الحسيني
لم يعد سرا بان الامريكيين فشلوا في تحقيق الاهداف الاساسية المعلنة التي رسموها للعراق وانهم باتوا يغوصون اكثر فاكثر في اعماق المستنقع العراقي مع كل يوم اضافي يقضونه في بلاد الرافدين، كما لم يعد سرا ايضا بان تحالف ما يسمي بالقوات المتعددة الجنسية الذي غطي غزو العراق قد انفرط عقده مع هروب البريطانيين من البصرة.
كما لم يعد سرا بان البطانة السياسية التي اتت مع الاحتلال او القوي الميلشياوية التي نشأت علي انقاض الدولة والكيان الذي فككه الامريكيون قد تشظت وتناثرت ولاءاتها بشكل لم يعد بمقدور الامريكيين المنهكين، ان يعيدوا اللحمة الي بطانتهم الاساسية او ان ينجحوا في خلق تحالف مطمئن يمكن ان يضمن لهم نفوذهم في حال اضطروا لتنفيذ هروب مماثل لهروب البريطانيين من ارض الرافدين هو قادم لا محالة عاجلا او آجلا.
وهنا تأتي اهمية وخطورة الحرب الباردة المفتوحة منذ مدة بين واشنطن وطهران حول مستقبل المنطقة وليس مستقبل العراق فحسب والذي بات علي كف عفريت حسب كافة التقارير الخارجة من الميدان!
فالامريكيون ومهما اصبحوا ضعفاء في العراق الا انهم لن يرضوا ان يخرجوا منه يخفي حنين! كما يقال وسيذلون قصاري جهدهم لتعم فوضي التشظي والانفلات والتشتت العراقي الي سائر دول المنطقة لا سيما ايران وسورية او حتي دول مجلس التعاون اذا ما اضطروا الي ذلك في لحظة عسيرة ستدفعهم الي تطبيق القول العربي الشائع: علي وعلي اعدائي يا رب. واما الايرانيون فانهم ومهما كانوا فرحين بتخبط عدوهم اللدود في مستنقع العراق فانهم ولا شك سيبقون قلقين وغير مطمئنين الي مستقبل بلادهم مالم يتم ضبط التشظي والانفلات العراقي في دوائر محدودة وتحت السيطرة. من هنا فان استراتيجية الامريكيين فيما تبقي لهم من قوة تأثير في الشأن العراقي وهي لا بأس بها رغم الضعف والهوان، هي كيفية تصدير الازمة العراقية الي خارج الدائرة العراقية لتسهيل مهمة الانسحاب التدريجي و المشرف، الامر الذي يعني فيما يعني تحميل البلاد العربية وزر الفشل الامريكي اولا و اثقال او وطأة تنامي القوة الايرانية الاقليمية وصعودها وجعلها تبدو الخطر الداهم علي الامن القومي العربي المتهالك اصلا لنفس اسباب الوهن الامريكي. هذا فيما تبدو الاستراتيجية الايرانية فيما لها من نفوذ قديم مكتسب ذاتيا وآخر مستجد علي حساب التراجع الامريكي، انها بصدد ما يمكن تلخيصه علي الطريقة الايرانية التي سميتها يوما بدبلوماسية حياكة السجاد، بالقول انها اشبه ما تكون بـ الادارة المشفقة! للفشل الامريكي والادارة المتأملة للانتصار الايراني! الامر الذي ظهر علي لسان الرئيس احمدي نجاد بان بلاده مستعدة لملء الفراغ الناتج عن الهزيمة الامريكية المرتقبة ولكن بالتعاون مع دول الجوار العربي لا سيما العربية السعودية. اعرف ان هذا الكلام اثار حفيظة العديد من القوي العراقية الوطنية والعربية القومية وغير القومية وقد يكونون محقين في ذلك لانه امر صادم بالفعل لكن ذلك لم يأت من فراغ ولا يمكن ان يترك للفراغ ايضا! لكن ما اعرفه ايضا بان الوقت ليس وقت العتاب او اللوم المتبادل بين الايرانيين والعرب برأيي بقدر ما هو وقت التشمير عن السواعد والبدء فورا ودون اي تردد او تأخير للبحث عن استراتيجية مشتركة لانقاذ العراق.
ان توازن القوي المحلي والاقليمي والدولي المحيط بالعراق لا يسمح لاي من الطرفين ان يدخل في مغامرة جديدة سواء من نوع الحروب العبثية القديمة التي ادت الي استجلاب الشر الامريكي الراهن، ولا من نوع حروب الفوضي الهدامة التي تقترحها وتحمس عليها وتعمل من اجلها صباح مساء عصابة المحافظين الجدد لانقاذ سفينتهم الغارقة.
وبما ان ايران غير قادرة ان تبلع العراق فضلا عن امكانية هضمه او استيعاب تداعيات التفرد في صنع مستقبله السياسي مهما ابدت من حمية تضامنية مع حلفائها التاريخيين او استسلمت لاحساسات غرائزية يحاول بعض من حلفائها توريطها فيها بين الفينة والاخري! لا العرب المتفرقون والمشتتون شيعا واحزابا للاسف الشديد قادرون علي لملمة ما بقي من العراق المنهك والمستباح والنازف والرازح تحت وطأة الاعيب عصابة المحافظين الامريكيين الجدد وبطانتهم السياسية الهاوية والمتهاوية معهم!
فانه لا سبيل انجح من ان يجلس العرب والايرانيون الي طاولة حوار وشفافة وصريحة يفاتح بعضهم بعضا بحقيقة مشاعر القلق المتبادل وحقيقة التحفظات الموجودة لدي كل طرف علي سياسات الطرف الآخر والهواجس الكثيرة المتبادلة وما اكثرها.
ان التطورات الايرانية الداخلية الاخيرة وكذلك القادمة مشجعة جدا باتجاه مزيد من الحكمة والتوازن والتعادل في التوجه نحو الخارج، لا سيما نحو دول الجوار، وكل من يدعي غير ذلك واهم او واقع تحت تأثير التشويش المقصود والمتعمد الصادر من دوائر صغيرة معزولة ترفع صوتها من خارج ايران مرة ومن داخلها مرة اخري! لكن القدر المتيقن هو ان التطرف والتزمت والتصلب في كافة اجنحة الطبقة السياسية الايرانية باتا من الماضي. ان ايران المستقبل تتجه نحو العقلانية لا محالة سواء في السلم او الحرب التي قد تفرض عليها ويكفي ان تتوقفوا مليا عند الخطاب الاخير الذي القاه مرشد الثورة علي مسامع السلك الدبلوماسي الايراني العام عندما حدد لهم خيار المواجهة فيما لو فرضت علي الوطن بان تكون المواجهة مواجهة عقلانية! وما انتخاب الرئيس الاسبق اكبر هاشمي رفسنجاني لسدة رئاسة مجلس خبراء القيادة الا مدماك جديد علي طريق التوازن في مطبخ صناعة القرار والذي يقرأه العارقون هنا علي انه جزء من عملية اعادة ترتيب البيت الايراني من الداخل لصالح كبح جماح الافراط والتفريط في السياستين الداخلية والخارجية!
التغيير الذي تم اخيرا في قيادة حرس الثورة الايراني ورغم كل التنظيم والتحليل البائس الذي سودت به عشرات الصفحات من الاعلام الغربي والعربي اقول وانا ازعم انني اكثر من يلامس الواقع الايراني من قرب انه لم يحصل الا علي خلفية داخلية خاصة بالحرس الثوري نفسه وفي اطار ضبط وربط الامور داخل البيت الايراني بما يمنع من تسرب اية مياه آسنة اليه من الخارج وبما يمنع في الوقت نفسه من اي تصدع قد يعتريه في حال فرضت المواجهة عليه، التي ازعم ايضا بان القيادة الايرانية مجتمعة متفقة علي ضرورة تجنبها قدر الامكان.. ولكن ليس بأي ثمن كان! وقد يكون هنا بيت القصيد في حالة التباين والتباعد احيانا والتي بدأت تظهر وتتعارض يوما بعد يوم بين استراتيجية القيادة الايرانية وبعض القيادات العربية الامر الذي يجعل الحوار اكثر الحاحا والادارة المشفقة للاختلاف بين اهل الدار اكثر الزاما بعد خيار الادارة المشفقة لهزيمة اعداء الدار!9